ملخص
استهدف الحظر الليبي السلع البريطانية المصنفة على أنها "غير أساسية"، ومن بينها المنتجات الغذائية والملابس. وفي المقابل، ظلت ثلاثة مجالات مستثناة باعتبارها قطاعات أساسية، وهي معدات قطاع النفط، ومشروع النهر الصناعي العظيم، والمستحضرات الصيدلانية والمعدات الطبية.
باقة جديدة من الوثائق البريطانية، مؤرخة بين الـ11 من يونيو (حزيران) والـ15 من يوليو (تموز) 1996، تزيح الستار عن صورة مركبة للعلاقات البريطانية - الليبية في تلك المرحلة، إذ كانت لندن تتابع في الوقت نفسه مؤشرات إلى تمييز رسمي ضد الشركات والسلع البريطانية داخل السوق الليبية، وتحاول تقدير مدى خطورة ذلك على المصالح التجارية.
آنذاك بدأت بريطانيا رحلة البحث عن وسائل لتخفيف الاحتكاك عبر ملف التأشيرات، بينما كانت تراقب من جهة أخرى تصاعد الاضطرابات الداخلية في ليبيا وتدرس ما إذا كانت الضغوط والعزلة المفروضة على نظام معمر القذافي بدأت تؤثر فيه بالفعل.
وتبدأ الصورة بوثيقة مؤرخة في الـ11 من يونيو 1996 صادرة عن قسم المصالح البريطانية في طرابلس وموجهة إلى إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في لندن، وتشير إلى أن الجانب البريطاني تلقى معلومات من ثلاثة مصادر منفصلة تفيد بأن حظراً رسمياً على استيراد أنواع معينة من السلع البريطانية قد فرض في الآونة الأخيرة، ولم تتعامل الوثيقة مع الأمر باعتباره مجرد شكوى تجارية عابرة، بل لخصت مضمونها بوضوح باعتباره دليلاً على وجود تمييز رسمي ضد الشركات البريطانية.
ووفقاً لما ورد في الوثيقة، استهدف الحظر السلع المصنفة على أنها "غير أساسية"، ومن بينها المنتجات الغذائية والملابس. وفي المقابل ظلت ثلاثة مجالات مستثناة باعتبارها قطاعات أساسية، وهي معدات قطاع النفط، ومشروع النهر الصناعي العظيم، والمستحضرات الصيدلانية والمعدات الطبية.
غير أن ما تكشفه الوثائق بعد ذلك هو أن الاستثناءات الرسمية لم تكن تعني بالضرورة غياب الضغوط على الشركات البريطانية داخل القطاعات المستثناة نفسها، فقد نقلت الوثيقة عن مدير مشروع تابع لشركة "براون روت" في بنغازي أن مشروع النهر الصناعي العظيم كان يقدر أن يبدأ مرحلة جديدة يمكن أن تتضمن نحو 500 مليون جنيه استرليني إضافية من الطلبيات للشركات البريطانية، إلا أنه، على رغم كون المشروع من المجالات المعفاة رسمياً، كان يتعرض لضغوط من سلطة المشروع لتجنب التعامل مع الشركات البريطانية حيثما أمكن.
وفي قطاع النفط أيضاً، أفادت الوثيقة بأن مديراً بريطانياً للسلامة في "ويبا" بطرابلس أبلغ الجانب البريطاني بأن تعليمات نزلت من المؤسسة الوطنية للنفط تقضي بعدم شراء بعض السلع الإنجليزية، مثل الأحذية والملابس الواقية، من الشركات البريطانية، وأكدت الوثيقة أن هذه التعليمات كانت تنطبق على الشركات النفطية العاملة في ليبيا.
وبذلك، فإن الصورة التي تظهر من الوثائق لم تكن مجرد منع محدود لبعض السلع الاستهلاكية، بل كانت هناك مخاوف من أن يتحول التمييز إلى انحياز عملي عند إسناد العقود والطلبيات، حتى في المجالات التي يفترض أنها مستثناة رسمياً.
وأوردت الوثيقة مثالاً آخر لرجل أعمال ليبي في بنغازي، قيل إنه فرضت عليه غرامة قدرها 35 ألف دينار ليبي تتعلق بشحنة من البسكويت والمربى المستوردة من المملكة المتحدة، وأشارت الوثيقة إلى اختلاف كبير في قيمة هذا المبلغ بالجنيه الاسترليني وفق سعر الصرف المستخدم حينها.
وبناءً على هذه التقارير، رأى صاحب الوثيقة أنه إذا ثبتت دقتها، فإن انعكاساتها على التجارة البريطانية قد تكون "خطراً محتملاً". ومع ذلك، لم يذهب إلى القول إن المصالح البريطانية كلها أصبحت مهددة، إذ لاحظ أن الجزء الأكبر من الصادرات البريطانية إلى ليبيا كان يدخل في القطاعات المصنفة أساسية.
لكن الوثيقة حذرت من خطر آخر: حتى إذا لم يتسع الحظر نفسه، فإن الفساد الواسع وما وصفته بالطبيعة الصغيرة والتعسفية لبعض الممارسات قد يتيحان مساحة واسعة لتفضيل الشركات غير البريطانية، بحيث يمكن أن تصبح في وضع أضعف عند المنافسة على العقود حتى داخل القطاعات المعفاة.
العقوبات والتأشيرات خلف التمييز
حاول التقرير البريطاني تفسير الدوافع المحتملة وراء هذه السياسة، مشيراً إلى أن الاستياء الليبي من بريطانيا قد يكون مرتبطاً بموقف لندن من العقوبات الدولية، إلى جانب مسألة التأشيرات البريطانية.
وبحسب الوثيقة، كانت بريطانيا تعد، إلى جانب الولايات المتحدة، من أبرز خصوم ليبيا في نظر النظام، كما كان الليبيون يحملون واشنطن ولندن مسؤولية العقوبات المفروضة عليهم، ومن ثم، كانت الشركات البريطانية الموجودة بكثافة أصلاً داخل السوق الليبية معرضة بصورة مباشرة لأن تتحمل نتائج هذا التوتر السياسي.
ومع ذلك، لم تكن لندن ترى أن الرد التجاري المباشر هو الخيار الأفضل، ففي مراسلات لاحقة، أوضحت لندن أن أي إجراءات مقابلة قد تضر بالمصالح البريطانية أكثر مما تفيدها بسبب اختلال ميزان التجارة.
ولم يكن هناك تفاؤل كبير بإمكان تعبئة الشركاء الأوروبيين خلف حملة جماعية ضد التمييز الليبي، لأن الشركات الأوروبية الأخرى لم تكن متضررة بالطريقة نفسها، ولأن تلك الدول ستكون حريصة على حماية مصالحها التجارية الخاصة وعدم الدخول في مواجهة قد تفتح أمام الشركات البريطانية مجالاً أكبر على حسابها أو تهدد وضع شركاتها في السوق الليبية.
لندن تسأل: هل بالغنا في الصمت؟
خلال الثامن من يوليو عام 1996، بعث ستيفن برادلي من إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا برسالة إلى رئيس قسم المصالح البريطانية في طرابلس، عاد فيها إلى تقرير الـ11 من يونيو، وطرح سؤالاً عما إذا كان ينبغي لبريطانيا بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة (دي تي آي)، أن تفعل مزيداً تجاه القضية.
وتكشف الرسالة أن لندن لم تكن قد حسمت بعد مدى انتشار الإجراءات الليبية أو طبيعتها الدقيقة، ولذلك طلبت مزيداً من التفاصيل والتحقيق، فقد أرادت معرفة النطاق الفعلي للقيود ومقدار تأثيرها، بدل الاكتفاء بالتقارير الأولية.
وكان السؤال البريطاني عملياً، إذا كانت المعلومات صحيحة، فما حجم المشكلة؟ وهل تستحق مواجهة سياسية أو تجارية أوسع؟ وهل يمكن معالجة جزء من أسباب الاستياء الليبي بخاصة المتصل بالتأشيرات بدل الدخول في تصعيد لا تضمن بريطانيا نتائجه؟.
"منتج من الاتحاد الأوروبي" بدل "بريطاني"
وجاء الرد من طرابلس في الـ14 من يوليو 1996 ليؤكد استمرار تلقي تقارير من رجال أعمال بريطانيين وليبيين في شأن التمييز ضد الشركات البريطانية في استيراد السلع غير الأساسية. وقال صاحب الوثيقة إنه بات مقتنعاً بوجود السياسة نفسها، لكنه ظل أقل يقيناً في شأن مقدار تأثيرها العملي.
وفي واحدة من أكثر التفاصيل دلالة في هذه الباقة، أشارت الوثيقة إلى أن القيود كان يمكن الالتفاف عليها، إذ أوضح التقرير أن مستورداً ليبياً لمنتجات غذائية بريطانية اتفق مع الشركة المصنعة على أن تحمل العبوات عبارة "منتج من الاتحاد الأوروبي"، بما يسمح له بتجنب إبراز أن البضاعة بريطانية المنشأ.
ويكشف هذا المثال أن التمييز لم يكن دائماً حظراً مادياً مطلقاً للسلعة، بل كان يمكن تجاوزه بتغيير طريقة إظهار منشئها، وهو ما جعل تقييم حجم تأثير السياسة أكثر تعقيداً.
ولهذا قرر قسم المصالح البريطانية مواصلة جمع المعلومات، وكان يعتزم إثارة الموضوع خلال اجتماع لرجال الأعمال البريطانيين في مقر الإقامة بنهاية يوليو، وخطط لطرح المسألة خلال زيارة مجاملة إلى مدير غرفة التجارة الليبية.
لا انتقام تجارياً بل تأشيرات
حين انتقل التقرير إلى سؤال الرد البريطاني، رفض بوضوح فكرة اتخاذ إجراءات متبادلة، وأوضح أن التفاوت في حجم التجارة يجعل مثل هذا الرد غير مفيد.
واستبعد حصول بريطانيا على دعم أوروبي متحمس، لأن الشركاء الآخرين لم يكونوا متضررين وسيرغبون في تجنب أي خطوة تعرض مصالحهم التجارية داخل ليبيا للخطر، ومن هنا برز خيار مختلف: تسهيل التأشيرات لرجال الأعمال الليبيين.
ووصفت الوثيقة ذلك بأنه ربما يكون أكثر إجراء فعالية يمكن اتخاذه، فقد كان الجانب البريطاني يأمل في وضع معايير تسمح لقسم المصالح بإصدار التأشيرات مباشرة لرجال الأعمال الليبيين الموثوق بهم، مثل من سبق له زيارة المملكة المتحدة خلال العامين السابقين ويحمل خطاباً من شركة بريطانية، لكن الوثيقة حذرت في الوقت نفسه من فتح هذه الفئة بصورة واسعة، لأن ذلك قد يغرق القسم بطلبات أعداد كبيرة من صغار التجار ممن لا يستطيع القسم إجراء مقابلات مطولة معهم بموارده المحدودة.
وطرح كذلك اقتراح إضافي يتمثل في السماح لرجال الأعمال الليبيين الموثوق بهم بالحصول على تأشيرات متعددة الدخول لمدة عام، وهي خطوة قالت الوثيقة إن الشركات البريطانية سترحب بها بالتأكيد.
قيود من الثمانينيات ما زالت قائمة
أوضحت الوثيقة أن الليبيين أصبحوا غير مؤهلين للحصول على تأشيرات متعددة الدخول منذ منتصف ثمانينيات القرن الـ20، عندما كان الدعم الليبي للإرهاب يمثل، بحسب التقييم البريطاني، تهديداً كبيراً للأمن البريطاني، لكن الوثيقة لاحظت أن مستوى الدعم الليبي للإرهاب كان قد انخفض بصورة كبيرة خلال الأعوام الـ10 السابقة، بينما لم تتغير سياسة التأشيرات وفق هذا التطور.
وزادت الوثيقة هذا التناقض وضوحاً بإشارتها إلى أن صاحبها أبلغ في فبراير بأن آلاف طلبات التأشيرات قدمت خلال الأشهر الـ18 السابقة، وأن ثلاثة طلبات فقط رفضت، وإن كان جزء من النص المحيط بهذه المعلومة محجوباً في النسخة المفرج عنها.
وكان صاحب الوثيقة مدركاً أن تغيير هذه السياسات لن يكون سهلاً، وكتب أن الأمر قد يتحول إلى "معركة شاقة" لتغيير طرق تفكير راسخة. ومع ذلك، أشار إلى وجود تحرك نحو إعداد تقييم مشترك بين الإدارات البريطانية في شأن مدى استمرار الدعم الليبي للإرهاب والتخريب، بما قد يفتح الباب أمام مراجعة بعض الافتراضات القديمة التي قامت عليها القيود.
مفارقة السياسة البريطانية
في تعليق الوثيقة على الصورة التجارية العامة، ظهر موقف لا يخلو من المفارقة، فقد رأى المسؤول البريطاني أنه، بالنظر إلى سوء العلاقات الثنائية ودور لندن البارز في قضية عقوبات الأمم المتحدة، يمكن القول إن الشركات البريطانية كانت محظوظة أصلاً لأنها لا تزال قادرة على التجارة في ليبيا بالقدر الذي كانت تحققه، أي إن لندن كانت ترى أن التمييز حقيقي ومقلق، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تتوقع معاملة طبيعية تماماً في ظل البيئة السياسية القائمة.
ومن ثم، كان الاتجاه العملي هو تقليل أحد مصادر الاحتكاك الذي تستطيع بريطانيا التحكم فيه، وهو ملف التأشيرات، بدل الدخول في مواجهة تجارية مباشرة قد تزيد الأمور سوءاً.
وبينما تحاول لندن حماية التجارة… طرابلس تهتز
بحلول منتصف يوليو عام 1996، أي بعد يوم واحد من التقرير الخاص بالتمييز التجاري، انتقلت المراسلات البريطانية إلى موضوع مختلف لكنه شديد الصلة بالمشهد السياسي العام، الاضطرابات داخل ليبيا.
وأفادت الوثيقة بأن الوزراء سيكونون على علم بالاهتمام الإعلامي الكبير بالتقارير عن أعمال شغب وإطلاق نار في طرابلس عقب مباراة لكرة القدم. وأكدت أن الوقائع العامة الواردة في الصحافة كانت متوافقة مع المعلومات البريطانية، وأن رئيس قسم المصالح في طرابلس كان قد أبلغ عن أحداث مرتبطة بكرة القدم خلال الـ11 من يوليو، ثم قدم تحديثاً خلال الـ15 من يوليو.
أما أعداد القتلى والجرحى فلم تكن مؤكدة، وأشارت الوثيقة إلى أن تقديرات الصحافة تراوحت ما بين 8 و50 شخصاً.
اضطراب يتكرر… لكن النظام لم يكن على وشك السقوط
أوضحت الوثيقة أن الاضطرابات الناجمة عن السخط الشعبي التي تحاول جماعات المعارضة استغلالها ضد القذافي ليست ظاهرة جديدة، لكنها بدت أكثر تكراراً في الآونة الأخيرة.
وأشارت إلى أن شرق ليبيا، خصوصاً المنطقة المحيطة ببنغازي، شهد اضطرابات أكبر من طرابلس، وأن الفترة الأخيرة شهدت أيضاً تفجيرات وأعمال شغب داخل السجون في المدينتين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكدت أن الأجهزة البريطانية كانت تراقب الأوضاع في مختلف أنحاء البلاد، وأن لجنة الاستخبارات المشتركة (جيه آي سي) درست الوضع خلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام السابق ثم أعادت النظر فيه في أبريل. وكان تقييمها أن القذافي يتعرض لضغوط، لكن لا يوجد تهديد محدد ومباشر لاستمراره في السلطة، لذلك، لم تكن لندن تعتقد أن سقوطه أصبح وشيكاً.
وفي الوقت نفسه رأت الوثيقة أن مشكلات النظام تتزايد، وأن جماعات المعارضة الإسلامية تبدو آخذة في القوة، وأشارت إلى أن تصاعد المشكلات الداخلية قد يجبر النظام على الانشغال بها أكثر، فيصبح أقل قدرة على إثارة مشكلات خارج ليبيا.
لندن ترى القذافي أكثر حذراً لكن العزلة بدأت تعمل
استعرضت الوثيقة بعض التطورات التي اعتبرتها إشارات محتملة إلى أن القذافي أصبح أكثر حذراً، فقد ذكرت توقيعه بيان قمة القاهرة، بما تضمنه من دعم لمسار السلام في الشرق الأوسط، وكذلك إدانته تفجير مانشستر، ورأت أن هذه التطورات قد تعني أنه أصبح أكثر انتباهاً إلى خطواته في ظل الضغوط الداخلية.
تكشف الفقرة الأخيرة من الوثيقة عن موقف بريطاني واضح في شأن العلاقة بين الاضطرابات وسياسة الضغط على ليبيا، فقد ذكرت أن السيد شيبرد كلف بإعداد ورقة عن ليبيا في أعقاب لوكربي، تتناول ضمن أمور أخرى الخيارات المتاحة للسياسة البريطانية في ضوء حال عدم الاستقرار داخل البلاد، ثم نصت الوثيقة على أنها لا ترى سبباً لمخالفة ما ذهبت إليه صحيفة "التايمز" من أن سياسة عزل القذافي بدأت تعمل.
وبناءً على ذلك، رفضت الوثيقة الدعوات التي كانت تصدر عن الإيطاليين والمصريين لتخفيف الضغط على النظام، ومع ذلك، أضافت نقطة مهمة: إن السخط الشعبي داخل ليبيا يعود، في تقديرها، إلى سوء الإدارة الاقتصادية للنظام بدرجة أكبر من كونه نتيجة للعقوبات.
لذا كان الموقف البريطاني يجمع بين فكرتين، أن سياسة العزل بدأت تؤثر في النظام سياسياً، لكن أزمات الحياة الداخلية نفسها لم تكن نتيجة العقوبات وحدها، بل كانت بدرجة كبيرة نتاجاً لسياسات النظام وإدارته الاقتصادية.