ملخص
يخوض زعيم حزب "الخضر" البريطاني زاك بولانسكي انتخابات فرعية في دائرة أخلاها رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، بعد أربعة أيام من تبني حزبه قراراً يصنف الصهيونية عنصرية. وفيما تمنح المراهنات حزب العمال فرصة تقارب 91 في المئة للاحتفاظ بالمقعد، يقف بولانسكي الذي ضاعف عضوية "الخضر" ثلاث مرات أمام اختبار قد يمنحه منبراً في ويستمنستر، أو يفتح باب محاسبته داخل الحزب.
قبل أربعة أيام أعلنت في مركز برايتون نتيجة تصويت حزب الخضر البريطاني على مقترح حمل عنوان "الصهيونية عنصرية"، ولم يشارك زعيم الحزب زاك بولانسكي في الاقتراع، إذ غادر المؤتمر بعد خطابه يوم الجمعة ليتفرغ لحملته الانتخابية في هولبورن وسانت بانكراس، وأقر الأعضاء الذين بقوا في برايتون المقترح بـ1022 صوتاً في مقابل 813. وكانت لافتات في أرجاء مركز المؤتمرات تحث الأعضاء على مغادرة برايتون، للانضمام إلى حملة الزعيم وطرق الأبواب في الدائرة الواقعة شمال لندن. وفي مساء اليوم نفسه، اتهمت وزارة الخارجية الإسرائيلية الحزب بإضفاء الشرعية على تدمير إسرائيل، وأعلنت أن الوزير جدعون ساعر قرر "كخطوة أولى" منع بولانسكي من دخول البلاد.
بهذا المشهد دخل زعيم "الخضر" الأيام الأخيرة من حملة كان يراهن عليها لتكون بوابته إلى مجلس العموم، فالاقتراع يجري اليوم، الثامن من أكتوبر، بعد أن تخلى رئيس الوزراء السابق كير ستارمر عن مقعده للتفرغ لدور جديد في الشؤون الدولية، وذلك بعد شهرين من خروجه من "داونينغ ستريت". وفي حال فوزه، يصبح بولانسكي النائب السادس للحزب، وأول نائب لـ"الخضر" عن العاصمة، إذ يدير الحزب أربعة مجالس بلدية في لندن منذ انتخابات مايو (أيار)، لكنه لم يظفر بعد بأي مقعد برلماني فيها.
جاءت ردود الفعل الرسمية سريعة ومتعددة، فقد رأت الخارجية الإسرائيلية أن القرار يشكل نصاً معادياً للسامية، وفق تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة، لأنه ينكر حق اليهود في تقرير المصير. وفي الداخل البريطاني، قالت وزيرة المرأة والمساواة بريدجيت فيليبسون إن "التصويت ضد حل الدولتين وإدانة غالبية يهود بريطانيا والعالم بالعنصرية لتأييدهم حق إسرائيل في الوجود أمر مخز"، فيما وصف حزب المحافظين "الخضر" بأنه "سام حتى النخاع". أما القيادات اليهودية فاعتبرت أن امتناع قيادة الحزب عن معارضة القرار يكشف عن لامبالاة صادمة بسلامة يهود بريطانيا، وذهب الحاخامان تشارلي باغينسكي وجوش ليفي إلى أن الحزب تبنى معاداة السامية كسياسة رسمية له.
الأزمة الأعمق جاءت من داخل البيت، فقد أعلن أربعة من نواب الحزب الخمسة، هم إيلي تشاونز وسيان بيري والزعيمان السابقان أدريان رامزي وكارلا دينير، رفضهم العلني للقرار. ورأت تشاونز أن القرار يهدد بتعميق الانقسام ويقوض قدرة الحزب على الدفاع الفعال عن العدالة والسلام، كما تحدثت ضده النائبة السابقة عن برايتون كارولين لوكاس. وحاول بولانسكي احتواء الشرخ ببيان مشترك مع النواب ونائبيه، أكد فيه ألا تعارض بين دعم حقوق الفلسطينيين وحقوق اليهود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول الحزب إن القرار يعارض الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً قومياً إثنياً، وإن مناهضة الصهيونية لا ينبغي أن تساوى بمعاداة السامية، ويشدد النص على أنه يستهدف الأيديولوجيا وممارستها لا الخلفية الدينية أو العرقية لمن يعرفون أنفسهم صهاينة. كما أكد متحدث باسم الحزب أن هذا النوع من القرارات لا يترك أثراً جوهرياً في الحوكمة أو الإجراءات التأديبية، ولا يحدد البرنامج الانتخابي، وإن كان يرسم الرؤية البعيدة للحزب. لكن ما يضعف هذا الدفاع أن القرار لم يقف عند التعريف، إذ دعا أيضاً إلى دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة، ومعارضة حظر "فلسطين أكشن"، وتأكيد حق الفلسطينيين في المقاومة.
ويبدو موقف بولانسكي نفسه أكثر تعقيداً مما توحي به العناوين، فهو يهودي وشارك في تأسيس مجموعة "اليهود الخضر"، قبل أن يتحول موقفه من إسرائيل جذرياً. وكان يأمل تمرير تعديل يوضح أن العضو الذي يرتاد كنيساً يعرف نفسه صهيونياً لا يمكن معاقبته، لكن التعديل سقط، كما سعى إلى تجنب الدعوة الصريحة إلى حل الدولة الواحدة. وفي المقابل، جلس أمام مجلس النواب اليهود البريطانيين قبل أيام من التصويت وأعلن أنه مناهض للصهيونية، هكذا وجد الزعيم نفسه محسوباً على قرار حاول تليينه، ومحاسباً على تصويت تغيب عنه.
ولا تفهم حساسية اللحظة من دون العودة لمسار صعود بولانسكي، فقد فاز بزعامة الحزب بـ20411 صوتاً في مقابل 3705 للمرشحين المشتركين رامزي وتشاونز، وتضاعفت العضوية في عهده ثلاث مرات من 68500 إلى أكثر من 230 ألفاً، وحقق الحزب في فبراير (شباط) أول فوز له في انتخابات فرعية برلمانية بدائرة غورتون ودنتون. وبعد ذلك الفوز، وضع استطلاع لمؤسسة "يوغوف" الحزب في المرتبة الثانية بنسبة 21 في المئة، خلف "ريفورم" (23 في المئة) ومتقدماً على العمال والمحافظين.
لكن المشهد تبدل مع وصول آندي بيرنهام إلى "داونينغ ستريت"، ففي استطلاع "يوغوف" منتصف يوليو (تموز) الماضي، تراجع "الخضر" إلى 15 في المئة، قبل أن يستقروا لاحقاً عند مستويات تتجاوز الـ10 بقليل. كما تراجع صافي تأييد بولانسكي إلى سالب 24 في استطلاعات "فريشووتر ستراتيجي" لصالح "سيتي إيه أم"، في مقابل موجب 12 لبيرنهام، بعد أن تضررت شعبيته إثر انتقاده الشرطة في طريقة اعتقالها رجلاً يشتبه في طعنه شخصين يهوديين شمال لندن في أبريل (نيسان) الماضي، وفق "يوغوف".
أما حسابات الدائرة الانتخابية فتميل بوضوح إلى العمال، فالحزب يحتفظ بالمقعد منذ استحداثه عام 1983، وفاز به في 2024 بغالبية تتجاوز 11 ألف صوت. وحصل ستارمر حينها على 48.9 في المئة، يليه المستقل اليساري أندرو فاينستين بـ18.9 في المئة، ثم "الخضر" بـ10.4 في المئة. ويستند رهان بولانسكي إلى معطيين، الأول أن الفارق في انتخابات مجلس كامدن المحلية في مايو ضاق إلى 10 نقاط، إذ نال "الخضر" 28.8 في المئة في مقابل 38.8 في المئة للعمال، والثاني أن فاينستين ألمح إلى أنه لن ينافسه.
في المقابل، أدى دخول جورج غالاوي المتأخر إلى تشتيت أصوات اليسار المعارض للعمال، وتراجعت حظوظ "الخضر" لدى شركات المراهنات من نحو ثلاثة إلى واحد مطلع سبتمبر (أيلول) إلى ستة إلى واحد، في مقابل احتمال يقارب 91 في المئة لفوز العمال.
ويخوض العمال المعركة الانتخابية بمرشحة هي رئيسة مجلس كامدن سجال عبدي والي، اللاجئة الصومالية في طفولتها، التي استهدفت بتعليقات وصفت بالعنصرية من القيادي في حزب "ريفورم" ضياء يوسف. وترى صحيفة "الغارديان" أن الدائرة ستكون اختبار بيرنهام لقدرته على استعادة الناخبين التقدميين، كما كانت ميكرفيلد اختباره في مواجهة "ريفورم".
ولا تقف كلفة الخسارة عند المقعد، فـ"الخضر"، خلافاً لبقية الأحزاب، ينظمون انتخابات الزعامة كل عامين، مما يضع الاستحقاق المقبل في خريف 2027. وترى قراءات تحليلية أن الخسارة، لا سيما إن كانت ثقيلة، ستكون قاتلة لسلطة بولانسكي داخل الحزب، وقد نبه المستشار العمالي السابق جون ماكترنان إلى أن الانتخابات الفرعية تعاقب في معظم الأحيان المرشحين الذين ينظر إليهم كمنشغلين بأهميتهم الشخصية.
فوز بولانسكي يقلب المعادلة لصالحه إلى حد كبير، فالزعيم سيدخل ويستمنستر بشرعية انتخابية تسكت المعترضين على قرار برايتون، ويتحول إلى صوت نيابي معارض من يسار بيرنهام قبيل الموازنة المرتقبة خلال بضعة أشهر، وفي هذا السياق قيل إن فوزه أو اقترابه الشديد منه سيغير حسابات حكومة بيرنهام بالكامل.
الخسارة بفارق ضيق يمكن أن تساعد بولانسكي أيضاً، فتكون رواية قابلة للتسويق: حزب تجاوز ثلاثة أضعاف رصيده في 2024 في معقل عمالي تاريخي، على رغم حملة إعلامية وتشتت الأصوات بعد قرار برايتون.
الهزيمة الثقيلة ستعيد "الخضر" لما دون مستواهم المحلي، وهنا يتحول اعتراض النواب الأربعة من خلاف على قرار إلى سؤال عن الزعامة نفسها، لا سيما أن رامزي وتشاونز هما من نافساه على القيادة قبل عام، واتهماه حينها باستخدام خطاب استقطابي لا يستهدف إلا شريحة ضيقة من الناخبين. غير أن هذا المسار يصطدم بعائق بنيوي، فالقاعدة التي انتخبته بغالبية ساحقة هي ذاتها التي ضخمت العضوية، ولا يبدو أنها تشارك نوابها تحفظاتهم.
في المحصلة، الإشارة الحاسمة إلى مستقبل بولانسكي ستكون في أمرين: حجم الفارق بينه وبين الفائز في الانتخابات مقارنة بنقاط مايو الـ10، ونبرة النواب الأربعة في الأيام التالية للنتيجة. فإن طالبوا بمراجعة قرار برايتون فقط، فالزعامة باقية حتى عام 2027. وإن ربطوا الخسارة بأسلوب القيادة، فالمنافسة تكون قد بدأت فعلياً. المفارقة أن بولانسكي قد يخسر المقعد البرلماني الذي يحلم به بسبب قرار لم يصوت عليه، لكنه يمكن أن يحتفظ بالزعامة بفضل القاعدة نفسها التي صوتت على ذلك القرار.