ملخص
في هذا الحوار تستعيد سوزان ستيتكيفيتش رحلتها الاستثنائية من أميركا إلى قلب الثقافة العربية، كاشفة عن أسرار افتتانها بالشعر الجاهلي والمدائح النبوية، وكيف ينظر القارئ الأميركي إلى الشنفري ومحمود درويش وجبران، وتخص صلاح عبدالصبور بإعجاب استثنائي، معتبرة بساطة لغته هي سر عبقريته وعمق تأثيره.
تحظى المستشرقة الأميركية ذات الأصل الأوكراني سوزان ستيتكيفيتش Suzanne Stetkevych (1950) بمكانة بارزة في دراسات الاستشراق والأدب العربي. حصلت على البكالوريوس في تاريخ الفن من كلية ويليسلي عام 1972، وعلى الدكتوراه في الأدب العربي القديم من جامعة شيكاغو عام 1981. ودرّست الأدب العربي لسنوات في عدد من الجامعات الأميركية، ومن بينها "جامعة إنديانا" في بلومينغتون. وقدمت ستيتكيفيتش عدداً من الدراسات المهمة في الشعر العربي القديم، تُرجم بعضها إلى العربية، من بينها "الشعر والشعرية في العصر العباسي: أبو تمام، البديع، قصيدة المدح، الحماسة"، و"القصيدة والسلطة: الأسطورة، الجنوسة والمراسم في القصيدة العربية الكلاسيكية"، إضافة إلى "الشعر الجاهلي وشعرية الطقس" و"التفسير الطقسي لقصائد المدح في الشعر العربي القديم"، فضلاً عن دراساتها حول قصائد المديح النبوي.
حصلت عام 2019، بالاشتراك مع زوجها ياروسلاف ستيتكيفيتش (1929- 2021)، على جائزة "شخصية العام الثقافية" في الدورة الـ13 من "جائزة الشيخ زايد للكتاب". كذلك فازت عام 2022 بـ"جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب" عن موضوع "دراسات الأدب العربي باللغة الإنجليزية".
تجربة ثرية
وفي بداية حوارها مع "اندبندنت عربية"، أكدت سوزان ستيتكيفيتش أن الثقافة العربية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قلبها وعقلها وأفكارها، ومنحتها تجربة ثرية قائمة على التعدد والانفتاح على عوالم أخرى، ولغات وأديان وعادات وتقاليد وقيم سياسية مختلفة. وترى أن أهم ما أتاحته لها هذه التجربة، فرصة فهم الآخر والتعرف إلى عالمه من الداخل.
وتضيف أن الصدفة وحدها قادتها إلى دراسة اللغة العربية، إذ كانت مهتمة بتاريخ الفنون التشكيلية، قبل أن تطالع مصادفة مادة عن الأدب الإسلامي وأخرى عن الشرق الأوسط، فرأت فيهما عالماً جديداً ومثيراً بالنسبة إليها.
وتردف أنها بعد تخرجها، التحقت ببرنامج صيفي لتعلم اللغة العربية في "جامعة جورج تاون"، ثم تقدمت إلى برنامج الدكتوراه في "جامعة شيكاغو"، وهي الخطوة التي فتحت أمامها الطريق للتخصص في الأدب العربي. توضح أنه في تلك الفترة لم تكُن الجامعات الأميركية تقدم برامج جامعية متخصصة في دراسات الشرق الأوسط أو اللغة العربية على مستوى البكالوريوس.
وعن سبب اهتمامها بالشعر العربي، تقول ستيتكيفيتش إنها أثناء دراستها في برنامج الدكتوراه وجدت أبياتاً شعرية ضمن المواد التاريخية، فحاولت ترجمتها، لكن أستاذها لم يكُن راضياً عن ترجمتها. وتضيف أن هذا الموقف دفعها إلى توجيه طاقتها نحو فهم هذا النوع الأدبي والتعمق فيه. وكان برنامجها في ذلك الوقت يركز على الشعر العربي الكلاسيكي، مع حضور محدود للدراسات المعاصرة.
وفي تلك الفترة، صادفت برنامج "كاسا" الذي يقدم منحاً لدارسي اللغة العربية في العالم العربي، فالتحقت به في مصر وتونس، رغبة منها في التعرف إلى عالم "لغة الضاد" عن كثب.
وعندما زارت مصر عام 1973 لفتها الطابع المدني للقاهرة، وقدرتها على استيعاب التعايش بين الطبقات والثقافات والأعراق المختلفة، ورأت في ذلك نوعاً من التناغم الاجتماعي. وتواصل ستيتكيفيتش حديثها عن زيارتها الأولى لمصر، موضحة أن طابع الاكتشاف كان حاضراً بقوة في تجربتها، إذ إنها وجدت نفسها برفقة زملائها في المنحة أمام عالم جديد لم تكُن تعرف عنه كثيراً. وعلى رغم أنها لم تكُن تجيد اللغة العربية آنذاك، فإنها شعرت بألفة مع المكان وحرصت على أن ترى عن قرب الأماكن التي كانت تتعرف إليها من خلال دراستها، فتجولت في عدد من المعالم الإسلامية بالقاهرة، من بينها خان الخليلي ووكالة الغوري، كما زارت الأهرامات.
خطأ المستشرقين
تكشف ستيتكيفيتش عن أن زياراتها لعدد من البلدان العربية، كانت مهمة بالنسبة إليها لتلافي ما كانت تراه خطأً لدى بعض المستشرقين الذين لا يذهبون إلى العالم العربي إلا لدراسة مخطوطة مثلاً، من دون أن يحرصوا على تكوين علاقات حقيقية مع المجتمعات، أو حتى مع نظرائهم من المتخصصين في الجامعات العربية. وتضيف أن هذا الفهم دفعها إلى تكوين صداقات مع أساتذة الجامعات والكتاب والفنانين التشكيليين، لتصبح علاقتها بالعالم العربي أوسع من حدود الدراسة الأكاديمية، وأكثر اتصالاً بمجتمعه وثقافته.
وترى ستيتكيفيتش أن وضع اللغة العربية ضمن اللغات الأفريقية في الجامعات الأميركية ليس صحيحاً من الناحية العلمية، موضحة أن جامعات مثل "هارفارد" و"كولومبيا" و"ميشيغان" و"شيكاغو" كانت لديها دراسات متخصصة في لغات الشرق الأدنى القديمة، شملت السريانية والعبرية والفارسية والعربية. وكان قسمها في "جامعة شيكاغو" جزءاً من هذا التقليد الأكاديمي.
وتبين أن هذا الوضع تغير في عدد كبير من الجامعات خلال النصف الثاني من القرن الـ20، بفعل تحولات سياسية واقتصادية جعلت الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بالعالم العربي المعاصر، بخاصة مع تزايد أهمية النفط وقيام إسرائيل. ومع هذا التحول، بدأت الإدارة الأميركية بتمويل برامج عدة لدراسات الشرق الأوسط المعاصرة، مع اهتمام خاص بتعليم اللغة العربية، وظهرت مؤلفات كثيرة مخصصة لتعليم العربية الحديثة.
وتلفت إلى أن الاهتمام بالعربية قبل ذلك كان منصباً بدرجة أكبر على اللغة والأدب الكلاسيكيين مثل المعلقات والمفضليات وحماسة أبي تمام. كذلك، ارتبط تدريس العربية في بعض الكليات اللاهوتية بدراسة العهد القديم، إذ رأى الباحثون فيها مصدراً مهماً لتوسيع فهمهم للنصوص الدينية والاستفادة من ثراء معجمها في تفسيرها.
حماسة أبي تمام
وعن أنواع ترجمة الشعر العربي إلى الإنجليزية، ترى ستيتكيفيتش أنها متعددة، فبينها ترجمات أكاديمية غير أدبية أنجزها المستشرقون، واستهدفت في الأساس شرح النصوص العربية للطلاب، وترجمة الكلمات والمعاني بصورة مباشرة، من دون أن يكون الهدف تقديم الشعر بوصفه عملاً أدبياً أو فنياً. وفي المقابل، شهدت اللغات الأوروبية تجارب ترجمة أدبية للشعر العربي، مستشهدة بالشاعر الألماني الرومانسي لودفيغ فولكر الذي ترجم "حماسة أبي تمام" وقدمها في سياق الأدب الألماني الرومانسي وأصبحت من كلاسيكيات الترجمات الألمانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف أنه، بحسب معرفتها، لم تكُن هناك في الإنجليزية ترجمات مماثلة للشعر العربي، حتى في مجال تخصصها الأكاديمي، ولذلك سعت إلى فتح باب الشعر العربي أمام القارئ الأميركي العادي، وليس المتخصص وحده. وتشير إلى تجربة زميلها مايكل سيلز الذي ترجم مجموعة من المعلقات وشعر ذي الرمة في كتاب قدم خلاله النصوص بأسلوب قريب من الشعر الأميركي المعاصر، وهي تجربة تراها "جميلة للغاية، لكنها لا تصلح بالضرورة لأغراض التدريس الأكاديمي".
وعن دافعها إلى ترجمة الشعر العربي، تقول ستيتكيفيتش إنها مع الوقت، أصبح يهمها في الترجمة أن تكون جذابة إلى حد ما، ومفهومة للقارئ، إذ ترى أن الترجمات القديمة كانت مفهومة، لكنها قبيحة من الناحية الأدبية، والترجمة القبيحة تفقد الشعر ماهيته الشعرية، بينما لا قيمة لترجمة لا يستطيع القارئ فهمها. وتشير إلى أن عدداً من زملائها يخبرونها بأنهم يوصون طلابهم بقراءة ترجماتها للشعر العربي القديم، لأنها تجمع، في رأيهم، بين الجماليات المناسبة لمستوى الطلاب ووضوح المعنى.
طه حسين والمتنبي
وتبدي ستيتكيفيتش تقديراً كبيراً لطه حسين، بخاصة لإخلاصه للتراث العربي، لكنها ترى في الوقت نفسه أنه تبنى بعض التصورات الجمالية الغربية، واعتمد منهج الشك الديكارتي في الاقتراب من الشعر العربي بصورة جديدة وموضوعية، كما كان يعتقد. وتشير إلى أن الجماليات الرومانسية كانت تهيمن آنذاك على النقد الغربي وطريقته في تقييم القصيدة، من خلال النظر إلى مدى تعبيرها المباشر عن الوجدان والعواطف، وهو المنظور الذي طبقه طه حسين، على نحو خاص، في قراءته لشعر المتنبي.
ومن وجهة نظرها، كان المتنبي يعبر بالفعل عن الوجدان، لكن ليس بصورة مباشرة، فقصائده في المدح مثلاً، لا تقدم عواطف الشاعر على نحو صريح حتى عندما يبدو الأمر كذلك، وهذه في رأيها إحدى مهارات الشاعر، إذ يوهم المتلقي بأنه يعبر عن مشاعره مباشرة، بينما تتشكل العاطفة داخل بناء شعري أكثر تعقيداً.
وتظن ستيتكيفيتش أن طه حسين لم يجد في شعر المتنبي ذلك الجمال الرومانسي الذي كان يبحث عنه، ولذلك يظهر في نهاية كتابه عن الشاعر وكأنه في حيرة، على رغم إعجابه الكبير به، لأنه لم يعثر لديه على النموذج الجمالي الذي انطلق منه في قراءته.
وتربط هذه المسألة بالسياق التاريخي للنقد الغربي، مشيرة إلى أن الجماليات التاريخية كانت خلال تلك المرحلة مهيمنة على المخيال الإبداعي والنقدي في الغرب، مما انعكس على طرائق النظر إلى الشعر وتقييمه.
الذائقة الرومانسية
وعن كيفية تسرب هذه الذائقة الرومانسية، ترى ستيتكيفيتش أن جانباً منها ارتبط بما كان يقرأه دارسو اللغة الإنجليزية في تلك الفترة، ومن بين الكتب التي كان لها حضور واسع The Golden Treasury، وهو مختارات تضم عدداً كبيراً من القصائد الرومانسية. وتوضح أن قراءة هذا الكتاب على نطاق واسع أسهمت في تشكيل الذائقة الشعرية لدى جيل من الدارسين، فتحولت القصائد التي يتضمنها إلى أحد الأسس التي تشكلت عليها رؤيتهم للشعر.
وتلفت إلى أن الرومانسية لم تكُن حركة إنجليزية خالصة، وإنما ظهرت أيضاً في فرنسا والولايات المتحدة، وانتقلت أفكارها وذائقتها إلى البيئات الأدبية المختلفة. وفي العالم العربي، وُجّه النقد إلى القصيدة التقليدية في عصرها بسبب ما رآه الرومانسيون جموداً في لغتها، وجفافاً عاطفياً في بعض نماذجها، إضافة إلى مواضيع لم تعُد، في نظرهم، ملائمة للعصر.
وتشير إلى أن الشعراء العرب الذين تأثروا بالرومانسية ظلوا يكتبون الشعر العمودي، لكنهم اتجهوا إلى لغة أكثر بساطة، وأظهروا ميلاً واضحاً إلى الطبيعة وغيرها من العناصر المعروفة في المذهب الرومانسي. وانتقل هذا الحس الرومانسي، بدرجات مختلفة، إلى شعراء مثل أبي القاسم الشابي الذي لم يدرس أية لغة أجنبية، "ومع ذلك كان الحس الرومانسي واضحاً في شعره، ولا سيما في احتفائه بالطبيعة وتصويرها".
حضور جبران
وعن مكانة الشعر العربي في الولايات المتحدة، تقول ستيتكيفيتش إن غالبية المجتمع الأميركي ليست لديها معرفة كبيرة بالشعر العربي باستثناء المتخصصين، مع وجود ميل لدى الدارسين إلى الشعر الجاهلي أكثر من غيره من الحقب الشعرية. ويحظى الشنفري، على وجه الخصوص، باهتمام كبير، إذ وجد الدارسون فيه صورة البطل الرومانسي التي شاعت في أوروبا، فهو الثائر على المجتمع والمتمرد على الأعراف والمتماهي مع الطبيعة.
وتربط ستيتكيفيتش بين هذا الاهتمام والتحولات التي طرأت على الذائقة الأدبية في الولايات المتحدة، مشيرة إلى أنه خلال عصر "الهيبيز" في ستينيات القرن الـ20 ظهر ميل واضح إلى الشعر الصوفي، والصوفية لا تتغير، في نظرها، عند حدود بلد أو دين بعينه.
وفي العقود الأخيرة، حظي شعر محمود درويش باهتمام أكبر، بخاصة مع ظهور ترجمات جيدة لأعماله، وأصبح محبوباً لدى من يتابعون القضية الفلسطينية ويتعاطفون معها. كذلك، حافظ جبران خليل جبران على حضور واسع، ولا سيما من خلال كتابه "النبي" الذي حقق شهرة كبيرة، ربما لما يتسم به من نزعة رومانسية وأسلوب يروق للمراهقين وشرائح من القارئات.
وتستعيد ستيتكيفيتش تجربتها الشخصية مع جبران، مشيرة إلى أنها تعرفت إلى "النبي" في ستينيات القرن الماضي، قبل أن تعرف شيئاً يُذكر عن العرب أو الإسلام، وربما ساعد في انتشاره بين القراء الأميركيين أنه كُتب باللغة الإنجليزية.
وعموماً لا يحظى الأدب العربي بمعرفة واسعة في الولايات المتحدة، باستثناء بعض الأعمال التي تجاوزت حدود التخصص الأكاديمي. وتأتي "ألف ليلة وليلة" في مقدمة هذه الأعمال، إذ عرفها الأميركيون منذ وقت مبكر من خلال قصص الأطفال.
وتنتقل ستيتكيفيتش إلى الحديث عن طبيعة الاهتمام بالثقافات الأخرى في المجتمع الأميركي، مشيرة إلى ما تصفه بميل الأميركيين إلى الانكفاء على ذواتهم، في مقابل توجه آخر فرضه تعدد الخلفيات الثقافية في الولايات المتحدة، يتمثل في سعي أبناء الأقليات والمهاجرين من الجيل الثاني والثالث إلى البحث في ماضيهم والتعريف بتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم للآخرين وترجمة هذه الأعمال إلى الإنجليزية.
البوصيري وشوقي
وأولت ستيتكيفيتش اهتماماً خاصاً بالمدائح النبوية، وكانت بدايتها مع قصيدة "بانت سعاد" لكعب بن زهير التي درستها وكتبت عنها خلال أطروحتها، فحثها أصدقاؤها على قراءة "البردة" للإمام البوصيري. وتربط هذا الاهتمام بما لاحظته من فجوة في الدراسات الغربية للشعر العربي التي قامت، بحسبها، بقفزة من الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر الأندلسي، ثم انتقلت مباشرة إلى شعراء الإحياء والبعث، متجاوزة مراحل مهمة من تاريخ الشعر العربي. وربما ارتبط ذلك، في جانب منه، بأن عدداً من حكام الممالك العربية في تلك الفترات لم يكونوا من العرب، إضافة إلى موقف الحداثة من الشعر الديني الذي قوبل بالرفض بدعوى افتقاده مقومات الشعرية.
وتؤكد أن التعرف إلى "البردة" قادها إلى عوالم جديدة، بخاصة مع انتشارها في الأوساط الشعبية حتى صارت لها مكانة استثنائية في الوعي العربي عبر بلدان مختلفة، هي وما ارتبط بها من معارضات ومخمسات وشروح.
وانتقلت من "بردة" البوصيري إلى "نهج البردة" لأحمد شوقي التي كتبت قبل حادثة دنشواي، في ظل الاحتلال البريطاني لمصر، وتحمل في طياتها إحساساً بحال الضعف والهوان التي كان يمر بها العالم العربي والإسلامي، وتحوله إلى مطية للقوى الغربية. وفي القصيدة رد على ما رأته ستيتكيفيتش غطرسة الإنجليز وتعاليهم تجاه المصريين. وكان شوقي، بحكم وجوده في البلاط، يسعى من خلالها إلى الدفاع عن التراث الإسلامي ومؤسساته الدينية والسياسية والأدبية.
ويلفت انتباهها كذلك أن شوقي الذي عارض في قصائده نصوصاً من العصرين الأموي والعباسي، اختار في "نهج البردة" أن يعارض قصيدة تنتمي إلى ما يوصف تقليدياً بعصر الانحطاط الأدبي. ومن خلال هذه المعارضة يدخل شوقي في نوع من المجادلة والحجاج مع الغرب الذي كان يتفاخر بتقديمه، فيقول فيها إن احتفاء الغرب بالقانون اليوناني والإغريقي يتناسى أن لدينا الشريعة الإسلامية أرقى من القوانين الوضعية، وإن تفاخروا بحضاراتهم، فإن الحضارة الإسلامية، ولا سيما خلال العصر العباسي، حملت مشعل المعرفة وكانت أسبق من النهضة الأوروبية.
"تأملات مانيلا"
ولا يقتصر اختلاف شوقي عن البوصيري على السياق التاريخي، وإنما يمتد إلى طبيعة المطالب التي تحملها القصيدة، إذ أعاد شوقي هذه المطالب إلى الأرض، فبدلاً من طلب الشفاعة من النبي في العالم الأخروي، كما في "البردة"، يتجه في "نهج البردة" للدعوة إلى إحياء الحضارة الإسلامية واستعادة حضورها في العالم الدنيوي.
وعن شعرائها العرب المعاصرين المفضلين، تكشف ستيتكيفيتش عن محبتها لبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور، وتخص الأخير بإعجاب كبير، معتبرة أنه يمتلك عبقرية نادرة في انتقاء كلمات وألفاظ بسيطة للغاية، لكنها تترك صدى عميقاً.
وتستعيد ستيتكيفيتش تأثير قصيدة "تأملات مانيلا" في زوجها المستشرق ياروسلاف ستيتكيفيتش، مشيرة إلى أنها أعجبته إلى حد البكاء. فعبدالصبور، في رأيها، قادر بعبارات بسيطة ومباشرة إلى حد كبير على صناعة نص شعري بديع وعميق الأثر.
وبسؤالها عن المشروع المقبل الذي تعمل على إنجازه، تعبر ستيتكيفيتش عن رغبتها في العودة للشعر الجاهلي، بحثًا عن أصول التراث الشعري عند العرب، والكشف عن العلاقة بين الشعر العربي والشعر في اللغات السامية الأخرى.