Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تفتح "حرب الجسور" طريق المفاوضات بين موسكو وكييف؟

روسيا تتبنى استراتيجية "الترحيب الحذر والاستعداد المشروط" في موقفها من "المحادثات الثلاثية"

قبول زيلينسكي المفاوضات لا يعني أنه قبل بالشروط الروسية (أ ف ب)

ملخص

ثمة من يقول إن الهدف الأهم بالنسبة إلى زيلينسكي في مثل هذه المحادثات المنشودة "هو أنه لا يريد أن يترك ترمب وحده مع بوتين". وبغض النظر عن الموقف من مستقبل زيلينسكي، فإن قبوله المفاوضات لا يعني أنه قبل بالشروط الروسية.

شهدت الأيام القليلة الماضية ما سمي بحرب "الكباري" أو "الجسور"، التي اتخذتها روسيا بمثابة أداة ضغط عسكرية لخنق كييف. وكانت موسكو تعمدت أن يكون قصفها المكثف الذي شمل خمسة من ستة جسور رئيسة على نهر الدنيبر في العاصمة الأوكرانية كييف، مواكباً للزيارة التي قام بها المستشار الألماني فريدريش ميرتس وبما وصفها مراقبون غربيون بأنها "رسالة إذلال" للغرب.

وثمة من يقول إن مثل هذا القصف المركز خلال فترة زيارة "الأصدقاء الغربيين"، هو ما دفع الرئيس الأوكراني إلى طلب المحادثات "الثلاثية الأطراف" وتشمل إلى جانب الطرفين الروسي والأوكراني، الطرف الأميركي وليس الأوروبي، وذلك "كخطوة دبلوماسية دفاعية من جانب زيلينسكي، يحاول من خلالها تحويل الكرة إلى الملعب الروسي، وإظهار أن كييف منفتحة على الحلول الفنية"، وإن كان القرار النهائي لإنهاء التصعيد لا يزال بيد موسكو. وقال زيلينسكي بهذا الشأن إن "الأولوية الأولى لأوكرانيا هي تقريب السلام، وهناك مقترحات أمنية ملموسة وحلول لخفض التصعيد يمكن أن تقرب الصراع".

وأياً ما كان الأمر فإنه يبدو "أن ما حدث خلال زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف، وما تلاه من إعلان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي عن مفاوضات ثلاثية، يمثلان وجهين متلازمين لاستراتيجية الضغط المزدوج التي تمارسها روسيا وأوكرانيا".

حرب "الجسور" تمزق كييف

لم تكن ما سميت إعلامياً بـ"حرب الكباري" مجرد استهداف عشوائي، بل هو تحول تكتيكي روسي يهدف إلى تعطيل الحياة في العاصمة الأوكرانية عبر استهداف "الجسور" الرئيسة على نهر الدنيبر. وكانت روسيا وخلال ثلاثة أيام فقط مطلع أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري استهدفت هذه الجسور ست مرات في الأقل، مما أدى إلى إغلاق أو تقييد حركة المرور على خمسة من أصل ستة جسور رئيسة.

وكان القصف الأخير والمكثف وبحسب ما قاله الجانب الروسي رداً انتقامياً على استهداف كييف شل حركة المطارات الروسية في العاصمة موسكو إلى جانب المصفاة الرئيسة ووحدات التكرير في ضواحيها.

وقالت المصادر إن استهداف الجسور التي تربط شطري العاصمة الأوكرانية تسبب في تعطيل حركة ما يقارب مليوناً من سكان كييف في شرقها، عجزوا عن اللحاق بمواعيد عملهم في الغرب، إلى جانب شل حركة نقل البضائع مما أصاب اقتصاد العاصمة في مقتل، فضلاً عن تدمير الحالة المعنوية للأوكرانيين، كذلك فإن الأمر لم يقتصر على ذلك وحسب، إذ دوت صفارات الإنذار وكانت إيذاناً بأن المسؤولين خلال هذا القصف أصيبوا بالعجز، إلى جانب شل حركة المواصلات ونقل البضائع، فضلاً عما خلقته من شعور بالعزلة واليأس بين السكان، بخاصة مع التفريق بين العائلات التي تعيش على كل من جانبي نهر الدنيبر.

وجاءت هذه الضربات ضمن استراتيجية روسية أوسع، لاستهداف البنية التحتية الحيوية في عمق أوكرانيا ومنها المستودعات، والسكك الحديد، ومراكز البيانات، ومؤسسات صناعة القرار، بهدف "جعل المدن الكبرى غير قابلة للحياة"، وإجبار أوكرانيا على الاستسلام.

وكان القصف الذي واكب توقيتات زيارة المستشار الألماني بمثابة رسالة واضحة موجهة لكل من ألمانيا وأوروبا، بعد إعلان المستشار الألماني عن دعم عسكري جديد بما فيه الطائرات المسيرة وتقنيات الأقمار الاصطناعية الذي يقدر بقرابة مليار ونصف المليار دولار. وذلك إلى جانب ما يسهم في "إذلال أوروبا"، على حد قول مراقبين كثر. وثمة من قال منهم إن القصف المكثف استهدف ضمن ما استهدف، إظهار أن زيارة القادة الأوروبيين إلى كييف لا توفر أي حماية، وأن العاصمة الأوكرانية لا تزال هدفاً مشروعاً لها.

ونذكر في هذا الصدد أن صفارات الإنذار راحت تدوي في المدينة بعد وقت قصير من وصول ميرتس، فضلاً عن أنه تم استهداف الجسر الشمالي مباشرة خلال وجوده هناك. وذلك في وقت استبقت فيه موسكو زيارة المستشار الألماني بما أعلنته من تحذيرات روسية غير مسبوقة للأجانب والدبلوماسيين بمغادرة كييف، مما كان يشي بأن قيادة القوات الروسية خططت لهذه الضربات مسبقاً لتكون بمثابة رسالة تحد للغرب، وإنذاراً مباشراً للرئيس الأوكراني حول ضرورة تحديد موقفه من المفاوضات، التي تبدو وكأنها رد فعل دبلوماسي على التصعيد العسكري، بالموافقة على المقترح الأميركي.

مفاوضات ثلاثية تستبعد أوروبا

كشف زيلينسكي عن أن الإدارة الأميركية اقترحت عقد "اجتماع فني ثلاثي" يضم أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا قبل نهاية أكتوبر 2026. وأكد الرئيس الأوكراني أن الجانب الأميركي قدم اقتراح التفاوض بالفعل إلى نظيره الروسي، وأن كييف تنتظر رد موسكو. وحرص على أن يقول إن "الكرة الآن في ملعب روسيا"، وهو ما سارعت موسكو إلى "الترحيب به، لكن بشروط تستبعد انعقاده، وتقلل من قيمته من دون وجود اتفاق جاهز، معتبرة أن أي قمة ثلاثية على مثل النحو المقترح ستكون بلا جدوى".

وقد جاء الكشف عن هذا الاقتراح في وقت لاحق من تكثيف موسكو قصفها العاصمة كييف وكبريات المدن الأوكرانية، وما ورد عنها من تحذيرات للأجانب والدبلوماسيين بمغادرة كييف، والانتقال إلى لفوف في غرب أوكرانيا. وعلى ضوء هذه التطورات، أعلن الرئيس زيلينسكي موقفه من المفاوضات، التي تبدو وكأنها رد فعل دبلوماسي على التصعيد العسكري.

ومن اللافت في هذا الصدد أن زيلينسكي بدا لدى كشفه عن بعض مما اتفق حوله مع الجانب الأميركي، أكثر حرصاً على تأكيد "موقف أوكرانيا" من ضرورة الجلوس إلى المفاوضات في أسرع وقت ممكن، على رغم علمه بأن الأصدقاء الأوروبيين ليسوا في عجلة من أمر السلام، وإنهاء الصراع الروسي الأوكراني، كذلك فإن هناك من يقول إن توقيع اتفاق التسوية السلمية لا بد من أن يعني نهاية حتمية للرئيس الأوكراني على أي نحو يمكن أن تكون، سواء من خلال صناديق الانتخابات الرئاسية التي تأخرت لما يزيد على العامين، أو أي صورة أخرى. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتنقل المصادر عن رئيس وزراء أوكرانيا إبان حكم الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش، والموجود منذ "انقلاب 2014" في ضيافة روسيا، نيكولاي أزاروف، قوله إنه "من المحتمل تماماً أن قادة المجلس العسكري النازي في كييف يمهدون الطريق لهجرة جماعية من البلاد". وأضاف أزاروف أنه سمع رواية، مفادها أن زيلينسكي أصدر أمراً بإدراج نفقات انتخابية معينة عام 2027، وقال إنه إذا كان هذا صحيحاً، فإن كل شيء منطقي.

وكان زيلينسكي قد عاد لتوه من رحلة إلى الولايات المتحدة، التي يبدو أنها ناقشت معه أمراً بالغ الأهمية يتعلق بمكافحة الفساد، وتورطه فيه، ونصحته بالاستعداد لنوع من المكافأة السخية عند مغادرته منصبه. وفي الوقت نفسه يعتقد أزاروف أن رحيل زيلينسكي لن يحل مشكلات البلاد، وأنه "لا يرى أي سبب للسعادة برحيل زيلينسكي وقدوم زالوزجني (السفير الحالي لأوكرانيا في لندن والقائد السابق للقوات المسلحة الأوكرانية وأحد المرشحين الأوفر حظاً بالفوز في هذه الانتخابات المرتقبة)".

تفسير موقف زيلينسكي

ثمة من يقول إن الهدف الأهم بالنسبة إلى زيلينسكي في مثل هذه المحادثات المنشودة "هو أنه لا يريد أن يترك ترمب وحده مع بوتين". وبغض النظر عن الموقف من مستقبل زيلينسكي، فإن قبوله المفاوضات لا يعني أنه قبل بالشروط الروسية، بل وعلى العكس من ذلك، إذ إن الطريقة التي صاغ بها قبوله للمفاوضات تكشف عن استراتيجية مختلفة، بما قد يعني أنه مستعد للتفاوض، لكن شريطة أن تثبت روسيا استعدادها أيضاً، وذلك ما قد يعني أيضاً بالنسبة إلى موقفه أمام الرئيس الأميركي أنه "غير رافض للسلام"، و"من دون أن يقدم أي تنازلات في ما يتعلق بالأراضي"، ومبقياً على "واشنطن كضامن سياسي، وربما أمني أيضاً، لأوكرانيا".

أما عن الصيغة التي قد تقبلها موسكو فيمكن أن تتمثل في أن "زيلينسكي يريد أن يدخل في المفاوضات قبل أن تدخل واشنطن في صفقة منفردة مع موسكو، لكن من دون أن يدخلها منزوع الأوراق العسكرية"، وليس لأن "زيلينسكي يريد السلام الآن"، كذلك فإن ذلك يمكن أن يعني تفسيراً لأسباب قبول المفاوضات في وقت مواكب لزيارة ميرتس وما قدمه من دعم مالي، وفي وقت تقوم فيه روسيا بتكثيف قصفها للعاصمة كييف. وذلك كله يمكن أن يعني كذلك أن "كييف تحاول بناء مسارين متوازيين: زيادة كلفة الحرب على روسيا، وفي الوقت نفسه للحيلولة دون أن تفقد واشنطن الصبر على المسار الدبلوماسي".

قصارى القول فإن المفاوضات الثلاثية التي يتوق زيلينسكي شوقاً إليها "تسمح لكييف بأن تعرف مباشرة: ما الذي يطلبه بوتين؟ وما الذي يعرضه ترمب؟ وذلك فضلاً عما يريده زيلينسكي من فسحة زمنية، تلتزم خلالها موسكو عدم التصعيد في وقت يستطيع فيه الجانب الأوكراني الحصول على الدعم المالي، وتعزيز دفاعاته الجوية، وإنتاج القدر اللازم من المسيرات، والاستعداد للشتاء، وهو ما لا بد أن يعني أن المفاوضات بالنسبة إلى زيلينسكي ليست بالضرورة بديلاً عن الحرب، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لإدارة الحرب وتحسين شروطها" على حد قول مراقبين كثر.

ماذا عن موقف موسكو؟

كشفت موسكو غير مرة عما تريده، وقد استمع العالم كله إلى ما قاله الرئيس بوتين حول ما تريده بلاده، وسبق وأوجزه في رسالتيه إلى كل من الإدارة الأميركية السابقة و"الناتو" في نهاية عام 2021، وفي مستهل بداية "العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا في الـ24 من فبراير (شباط) 2022، كذلك عاد وأوجزه في حديثه إلى قيادات وزارة الخارجية الروسية في الـ14 من يونيو (حزيران) 2024، ولعل أهم النقاط التي يصر عليها بوتين منذ بداية الأزمة الأوكرانية هي أن روسيا لن تتفاوض لمجرد "وقف الحرب"، ذلك لأن موسكو تريد الحصول من واشنطن على ما لم تستطع بعد الحصول عليه عسكرياً بالكامل، أو بمعنى آخر "اعترافاً عملياً"، أو في الأقل "قبولاً أميركياً"، بأن هناك حقائق جيوسياسية جديدة نشأت على الأرض في إطار الملفات الأساسية التالية وأولها "الأراضي"، وإعلان أوكرانيا عن "رفضها طلب الانضمام إلى ’الناتو‘"، إلى جانب "إعلانها عن تمسكها بوضعيتها الحيادية" بموجب ما نص عليه دستورها، ورفع العقوبات الغربية.

كذلك فإن المصادر الرسمية في الكرملين والخارجية الروسية سبق وأكدت مراراً وتكراراً أن موسكو ترحب بأية مفاوضات يمكن أن تكون في إطار ما سبق وأعلنه الرئيس بوتين. وإذا كان موقف موسكو مما أعلنه زيلينسكي حول المحادثات الثلاثية يمكن إيجازه في "الترحيب الحذر والاستعداد المشروط"، فإنه يمكن القول نقلاً عن مصادر الكرملين إن موسكو لا ترفض فكرة المفاوضات من ناحية المبدأ، بل وأعلنت استعدادها لاستئناف الصيغة الثلاثية. وننقل عن الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف ما قاله حول أن روسيا "لا تستبعد استئناف هذا الشكل من الحوار"، مشيراً إلى إمكان عقده في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

وفي هذا الصدد تعلن موسكو عن تمسكها بموقفها الثابت الذي يحمل عدة شروط جوهرية، أولها تأكيد أن أي اجتماع على مستوى القمة الثلاثية يجب أن يكون حصرياً لتثبيت وتوقيع الاتفاقات النهائية التي تم إعدادها مسبقاً على مستويات أدنى، وتعتبر أن عقد قمة لمناقشة تفاصيل التسوية، أمر "لا معنى له على الإطلاق"، أما عن مكان انعقاد القمة، فإن روسيا تصر على أن يكون أي لقاء بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفلاديمير زيلينسكي في موسكو، وليس في دولة ثالثة.

على أن ذلك لا يمنع من أن نشير إلى ما أعلنته موسكو غير مرة، وهو ما يتعلق بما يراودها من شكوك في جدية الطرف الأوكراني، إذ إن المسؤولين الروس، ومنهم بيسكوف، يتهمون القيادة الأوكرانية بـ"عدم الرغبة في الانتظام في تسوية حقيقية" للصراع، واصفين تصريحات زيلينسكي بأنها "متناقضة".

كذلك فإن مساعد الرئيس بوتين للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف سبق وأعلن عن تحذيراته من أن التعديلات التي يقترحها الأوروبيون والأوكرانيون على المقترحات الأميركية "لا تحسن فرص السلام"، بل على العكس تماماً.

وكانت مصادر الكرملين أعلنت في تصريحات سابقة عن تقليلها "من قيمة أي قمة ثلاثية قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، معتبرة أن عقدها دون ذلك يصبح أمراً لا قيمة له، ولا جدوى منه".

المزيد من تقارير