Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جرائم الحرب.. تهمة تلاحق القوات الخاصة البريطانية

أدلة على قتل 80 أفغانياً تنقل التحقيقات من قاعات الاستماع إلى عتبة الملاحقة الجنائية

القوات البريطانية تغادر أفغانستان عام 2021 (غيتي)

ملخص

أكدت مذكرة قدمت إلى المحكمة العليا في لندن، للمرة الأولى، أن عناصر من القوات الخاصة البريطانية قد يواجهون ملاحقة جنائية بسبب ما جرى في أفغانستان. يتزامن ذلك مع اكتشاف وزارة الدفاع 97 مليون وثيقة لم تكشف من قبل، وشهادات ضباط كبار عن إعدامات ميدانية. وفي المقابل يقود "المحافظون" وقدامى المحاربين حملة ضد ما يسمونه "حرب الدعاوى"، أما المفتاح القانوني الأهم فيبقى في يد المدعي العام.

لم تأت المعلومة في جلسة علنية ولا في بيان رسمي، بل في مذكرة مكتوبة قدمها المحامي جوناثان غلاسون إلى المحكمة العليا في العاصمة البريطانية لندن يوم أمس. وغلاسون هو محامي القاضي تشارلز هادون كيف، رئيس "التحقيق المستقل المتعلق بأفغانستان". وقد كتب أن وزارة الدفاع عثرت مطلع 2026، بفضل استفسارات أطلقها التحقيق، على مواد تشير إلى أن عسكريين في مهمات خارجية ربما ارتكبوا "جرائم خطرة"، بموجب قانون القوات المسلحة لعام 2006.

وفق غلاسون، فإن القوات الخاصة أحالت الملف إلى قيادة الجرائم الدفاعية الخطرة، وهي جهة مستقلة عن التسلسل القيادي. وبعد دراسة أولية، جمدت الشرطة العسكرية أي تحقيق جنائي إلى حين انتهاء التحقيق المستقل، وفق ما نشرته صحيفة "التايمز".

وتشمل الجرائم الخطرة في الملحق الثاني من القانون القتل العمد والقتل غير العمد، وبذلك تكون المذكرة أول تأكيد رسمي بأن جنود النخبة قد يواجهون السجن بسبب أفعالهم في أفغانستان، بعد عقد كامل من التحقيقات العسكرية التي لم تنته إلى أي اتهام.

جاء رد وزارة الدفاع البريطانية مقتضباً، فقد قالت إن التحقيق المستقل يدرس عدداً من الاتهامات، فلا يصح التعليق عليها. وذكرت بالسياسة الثابتة للحكومات المتعاقبة بعدم التعليق على القوات الخاصة، وأضافت أن جميع العسكريين يخضعون لأعلى معايير السلوك. أما غلاسون فشدد على أن أي تحقيق أو قرار اتهام لاحق ستتولاه هيئات مستقلة، عليها أن تزن الأدلة والمصلحة العامة، وأكد أن أي متهم سيتمتع بالضمانات الإجرائية للمحاكمة الجنائية.

ولا تنفصل الإحالة عن أزمة أخرى في التحقيق نفسه، ففي الـ25 من سبتمبر (أيلول) اضطر محامي الوزارة ستيفن غراي إلى الاعتذار أمام هادون كيف عن "إخفاق مؤسف"، فالوزارة عثرت على 97 مليون وثيقة تعود للفترة بين 2010 و2013 كانت قد استبعدتها سابقاً. ووصف القاضي الطريقة التي أبلغ بها بأنها "غير مكترثة"، ولا تبعث على الثقة.

أقر غراي بأن هذه المواد لا تشمل أنظمة المعلوماتية الخاصة بالقوات الخاصة نفسها، وبلغت كلفة التحقيق واستجابة الوزارة له 58 مليون جنيه استرليني حتى مارس (آذار) 2026، وفق بيانات حصلت عليها "بي بي سي". وكان القاضي قد أمل عند الانطلاق في تقرير أولي خلال 18 شهراً، أما الآن فحدد الـ30 من أبريل (نيسان) 2027 موعداً نهائياً لتلقي الأدلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نوعية الاتهامات

التحقيق يبحث في اتهامات بقتل 80 أفغانياً خلال مداهمات ليلية، وفيما إذا كانت وحدة محددة قد اتبعت سياسة إعدام الذكور "في سن القتال" ممن لا يشكلون خطراً. وقد رسم القاضي هادون - كيف الشهر الماضي حدود السؤال بوضوح، فالمسألة ليست قرارات لحظية في حرارة المعركة ولا "ضباب الحرب"، بل بممارسة منهجية للقتل خارج القانون، وذكر بأن الاتهامات خرجت أصلاً من داخل القوات الخاصة.

وتؤكد الشهادات المنشورة هذا المصدر الداخلي، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025 روى ضابط يعرف بالرمز "أن 1466"، وكان مساعد رئيس الأركان للعمليات في مقر القوات الخاصة، أن عدد القتلى المعلن فاق باستمرار عدد الأسلحة المضبوطة. ووصف ما جرى بإعادة معتقلين لمواقع المداهمة وإعدامهم بذريعة أنهم هاجموا الجنود. وفي مايو (أيار) 2026، قال مسؤول في القوات الخاصة، إن الاتهامات لم تحل إلى الشرطة العسكرية، خشية تعطيل العمليات والإضرار بالمعنويات.

وفق تقارير صحافية محلية، ربما امتلكت "ساس" "تصريحاً ذهبياً" للإفلات من المحاسبة على القتل. وروى ضابط آخر أنه سمع في دورة تدريبية أن وسادة وضعت على رأس شخص قبل قتله بمسدس. أما مونيكا غرينفيل، الموظفة المدنية السابقة في مقر القوات الخاصة قرب هيرفورد، فقالت إن جنوداً حدثوها عن إسقاط معتقلين من رافعات شوكية "للتسلية".

لم يصدر التحقيق أي استنتاج. وكثير من الروايات المتداولة منقولة عن الغير، والإحالة الجنائية نفسها مجمدة ولم تتحول إلى اتهام. كما أن عملية "نورثمور"، تحقيق الشرطة العسكرية السابق، لم تجد ما يكفي للملاحقة. وتكشف الشهادات أيضاً عن بيئة معقدة، فالجنود كانوا يتذمرون من الإفراج عن المعتقلين بعد أيام لعجز القضاء الأفغاني، والتنافس بين وحدات القوات الخاصة يلقي ظلالاً على دوافع بعض البلاغات. وقال وزير الدفاع السابق بن والاس للتحقيق إن من واجبه ألا تلطخ سمعة الجنود من دون دليل، كما تؤكد رابطة قدامى "ساس" دعمها للتحقيق ورغبتها في خاتمة سريعة له.

في المعارضة أيضاً، يتحدث النائب المحافظ ديفيد ديفيس عن "عقود من حرب الدعاوى". ويقول إن ثمانية ضباط صف مخضرمين غادروا الفوج احتجاجاً، ويعد مشروع قانون للعمليات العسكرية. ويقدم النائب المحافظ لينكولن جوب مشروع قانون يمنع أية ملاحقة جديدة ما لم تظهر أدلة جديدة ودامغة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، اعتبر تسعة جنرالات أن هذه الملاحقات تهدد الأمن القومي.

 

جذور الملاحقات

لهذا الاستنفار جذور في تاريخ الفوج، ففي السادس من مارس 1988، قتل عناصر من "ساس" ثلاثة من أعضاء الجيش الجمهوري الإيرلندي كانوا عزلاً في جبل طارق. وفي عام 1995 قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بغالبية 10 قضاة في مقابل تسعة، بأن العملية انتهكت الحق في الحياة. وفي كمين لوغول في الثامن من مايو 1987، قتل ثمانية من عناصر الجيش الجمهوري ومدني. وفي عام 2001 قضت المحكمة نفسها بأن بريطانيا أخلت بواجب التحقيق الفعال.

أما أقرب السوابق فهي كمين كلونو عام 1992، ففي فبراير (شباط) 2025 خلص كبير قضاة التحقيق في الوفيات بإيرلندا الشمالية مايكل همفريز إلى أن جنود "ساس" لم يكن لديهم اعتقاد صادق بضرورة القوة المميتة حين قتلوا أربعة من عناصر الجيش الجمهوري. وأطلق الجنود قرابة 570 طلقة، ولم يحاولوا اعتقال أي منهم. وأحال القاضي نتائجه إلى النيابة العامة، فردت وزارة الدفاع بطعن قضائي ومولت طعناً موازياً للجنود.

في العراق، أغلقت الحكومة عام 2017 التحقيق في الاتهامات التاريخية وعملية "نورثمور" من دون أية ملاحقة. وقال محققون سابقون لـ"بي بي سي" و"الصنداي تايمز" إن أحد كبار قادة "ساس" أحيل إلى النيابة بتهمة عرقلة سير العدالة، ونفت الوزارة ذلك.

ولا يقدم الرأي العام البريطاني جواباً واحداً إزاء هذه المسألة، بل يتبدل بحسب صيغة السؤال. ففي استطلاع لمؤسسة "يوغوف" عام 2022، أيد 48 في المئة من البريطانيين في إنجلترا واسكتلندا وويلز منح الجنود حصانة من الملاحقة عن خدمتهم في إيرلندا الشمالية، في مقابل 19 في المئة عارضوا ذلك. لكن استطلاعاً أجرته "سافانتا" لمصلحة منظمة العفو الدولية في يونيو (حزيران) 2023 أظهر أن 53 في المئة يرفضون منح المتهمين بعمليات قتل مرتبطة بالاضطرابات حصانة في مقابل المعلومات، في مقابل 22 في المئة أيدوا ذلك. وتقع العريضة البرلمانية لحماية قدامى محاربي إيرلندا الشمالية في الخانة الأولى، وقد جمعت نحو 210 آلاف توقيع وناقشها البرلمان في يوليو (تموز) 2025. والخلاصة أن البريطانيين يتعاطفون مع "الجندي"، لكنهم يتحفظون على "المتهم بالقتل"، وهي المسافة نفسها التي سيتحرك فيها ملف أفغانستان إن تحولت الإحالة إلى اتهام.

 

خيارات الحكومة

قد تترك حكومة آندي بيرنهام القضاء والتحقيقات تأخذ مجراها، ويعني ذلك الإفصاح الكامل عن أرشيف القوات الخاصة، والامتناع عن أي تدخل تشريعي، وقبول ما ستنتهي إليه الإحالة. ومنطق هذا المسار أن بريطانيا عضو في المحكمة الجنائية الدولية، وأن إثبات قدرة القضاء الوطني على المحاسبة هو ما يبقي لاهاي بعيدة. أما كلفته فصدام مع مؤسسة عسكرية تشكو أصلاً من نقص العديد، وذخيرة سياسية لـ"المحافظين" و"ريفورم".

ثمة خيار أخر يتمثل بالحماية التشريعية على طريقة مشروعي ديفيس وجوب، وهذا المسار يرضي الجنود والرأي العام، لكنه يصطدم بالمادة الثانية من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان. وسيبدو، بعد الإحالة الأخيرة، تشريعاً مفصلاً على مقاس ملف قائم بعينه.

المسار الثالث أمام بيرنهام هو الإدارة الهادئة، أي الاحتماء بالقوانين القائمة وتجميد التحقيق الجنائي وانتظار تقرير لا يتوقع المحامون صدوره قبل 2028، وهذا المسار هو الأرجح. فهو يناسب حكومة جديدة تحتاج إلى ثقة الجيش وتخشى ابتعاد قاعدتها اليسارية في آن، ويؤجل لحظة الحسم إلى ما بعد مرحلة سياسية مضطربة.

قانون العمليات الخارجية لعام 2021 يجعل ملاحقة الجنود بعد خمس سنوات على الواقعة أمراً "استثنائياً" مشروطاً بموافقة المدعي العام، ويستثني القانون جرائم الحرب والتعذيب والإبادة من هذا القيد، لكنه لا يستثني القتل العمد بوصفه جريمة بموجب قانون القوات المسلحة. فإن وصفت الوقائع جرائم حرب، سقط القيد وصار الطريق إلى المحكمة مفتوحاً. وإن بقيت في خانة القتل العمد، صار مصيرها رهن توقيع واحد في مكتب المدعي العام. المفارقة أن الإحالة التي تقرب الجنود من المحاكم جاءت من داخل القوات الخاصة نفسها، وأن القانون الذي سن لحمايتهم قد يكون هو ما يحدد إن كانوا سيصلون إليها أصلاً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير