ملخص
الجيش البريطاني في مرمى حملات قانونية أوروبية وبريطانية على حد سواء
كما تثبت لنا الأحداث الجارية في الشرق الأوسط، فإن المملكة المتحدة تبرع في الحرب القانونية أكثر بكثير من الحرب العسكرية. ولا توفّر قدراتنا العسكرية المُستنزفة سوى مستوى متدنٍ من الحماية للمواطنين البريطانيين والمناطق التابعة للمملكة المتحدة في مواجهة التهديدات الناشئة التي تجلّت في الأسابيع القليلة الماضية، وأهمها الصواريخ الباليستية.
فنحن لا نفتقر فقط إلى القدرة القتالية التي كنا نعتبرها في يوم من الأيام أمراً مفروغاً منه [معطى]، بل يبدو أن "نفوذنا" الاستراتيجي قد تلاشى؛ فنحن كأمة نبدو بعيدين من الواقع وعديمي الأهمية من الناحية الجيوسياسية [لا يعتد بنفوذنا]، ولا نملك أي خطة واضحة للخروج من المأزق الذي نحن فيه.
ومع ذلك، فإننا متقدمون بفارق كبير على نظرائنا من الدول الأخرى عندما يتعلق الأمر بالحرب القانونية - أي استخدام الإجراءات القانونية لدوافع سياسية ضد الجنود. ويشكّل قانون حقوق الإنسان، المستمد من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، الأداة الأساسية التي انبثقت منها خلال العقدين الماضيين حركة طعن في العمليات العسكرية السابقة.حصا
وقد ازدهرت الحرب القانونية بسرعة على خلفية قانون حقوق الإنسان، واستغلها بقوة أشخاص مثل فيل شاينر، الذي لفّق أدلة ضد جنود بريطانيين يخدمون في العراق وأفغانستان، مما أدى لاحقاً إلى إدانته وشطب اسمه من السجل المهني. يُطبق قانون حقوق الإنسان بأثر رجعي على أحداث وقعت قبل عشر سنوات من إقراره، ولا سيما تلك المتعلقة بحملة إيرلندا الشمالية؛ ومنذ ذلك الحين، أصبح أيضاً نقطة بارزة في أعقاب كثير من عمليات القوات الخاصة ضد تنظيم "داعش"، على سبيل المثال.
أدى هذا الهوس [الانشغال بالطعون القانونية] إلى إعادة نظر واسعة النطاق في تحقيقات بشأن حوادث عسكرية كانت قد أُغلقت منذ فترة طويلة بصورة مُرضية، وثبت خلالها أن الجنود امتثلوا تماماً لأحكام قواعد الاشتباك وفقاً للتشريعات السارية في ذلك الوقت. وفي إيرلندا الشمالية، وفي إطار حملة لإعادة كتابة تاريخ "الاضطرابات"، نرى محاربين قدامى مسنّين يُجرّون إلى المحاكم. لا حاجة إلى تقديم أدلة جديدة لمواصلة اضطهاد الجنود عن طريق ادعاءات مزعجة مدفوعة بالتطبيق الرجعي لقانون حقوق الإنسان، ولا سيما المادة الثانية منه: الحق المطلق في الحياة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وللتوضيح، لا أحد يدعو إلى منح الجنود حصانة من الملاحقة القضائية في حال وجود أدلة على ارتكابهم أفعالاً مخالفة للقانون. وقد وضع قانون إرث إيرلندا الشمالية لعام 2023 حداً لهذه الإجراءات القانونية بحق الجنود والإرهابيين والضحايا على حد سواء، وشدد على أن اتفاقية الجمعة العظيمة قد وضعت حداً واضحاً لهذه المسألة. وقد قدمت الحكومة الحالية مشروع قانون "اضطرابات إيرلندا الشمالية" بحجة أن الحصانة المشروطة من الملاحقة القضائية التي ينص عليها قانون الإرث تتعارض مع قانون حقوق الإنسان. ومن المقرر أن يدخل مشروع القانون مرحلة اللجنة (أو الدراسة التفصيلية) في مجلس العموم قريباً، وهو يلغي، في صيغته الحالية، الحماية التي يوفرها قانون العام 2023، بصرف النظر عن وجود أدلة جديدة أم لا.
إن احتمال رفع دعوى قضائية ضد إرهابيين ضئيل للغاية لعدم وجود سجلات تكفي لإقامة الدعوى، لذا فإن مشروع القانون متحيز بشدة ضد قدامى المحاربين. وقد طُرحت أخيراً على الحكومة تعديلات تطالب بأنه، ما لم تتوافر أدلة جديدة، وموثّقة بشكل مستقل، لا يجوز رفع أي دعوى قانونية، وذلك لمنع تجدد الدعاوى المزعجة ضد المحاربين القدامى. ويجب إدراج هذه التعديلات في القانون كي لا يصبح خيانة لأولئك الذين خاطروا بحياتهم لمواجهة الجيش الجمهوري الإيرلندي ووقف إرهابه.
وإلى جانب حملة إيرلندا الشمالية، شكّلت قضية السكيني في العراق عام 2011 حكماً تاريخياً في توسيع نطاق تطبيق الاتفاقية الأوروبية ليشمل المناطق الواقعة خارج الحدود الوطنية، بعد أن كان تفويضها الأساسي يقتصر على أراضي الدولة ذاتها. فقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن القوات البريطانية التي كانت تنفّذ عمليات أمنية في البصرة كانت تتمتع بسلطة وسيطرة على السكان المحليين، وبالتالي فإن الاتفاقية تنطبق في حال مقتل مدنيين.
وقد وسّع هذا الحكم نطاق تطبيق قانون حقوق الإنسان البريطاني، بحيث أصبح الجنود المشاركون في أي عملية عرضة لتطبيقه بأثر رجعي إضافة إلى قوانين النزاعات المسلحة، ومنذ ذلك الحين تزايد عدد القضايا بشكل كبير. باختصار، أصبحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تلاحق الجنود أينما ذهبوا.
وقد كشف ذلك عن وجود خلاف عميق لم يُحل بين قانون النزاعات المسلحة - المصمم ليناسب ظروف الميدان - وقانون حقوق الإنسان المطبّق في زمن السلم، ولا سيما الالتزامات المنصوص عليها في المادة الثانية. ويؤدي الفشل في التوفيق بين هذين الإطارين القانونيين إلى حدوث احتكاك قانوني وعملي. ويبدو أن الحكومة راضية تماماً عن ازدواجية موقفها: فهي تتوقع من الجنود أن يتصرفوا بما يخدم مصالح الأمن القومي في الخارج، ثم تحاكمهم بموجب قانون مختلف بمجرد عودتهم إلى أراضيها.
يراقب جنود اليوم الوضع عن كثب. قبل التحاقهم بالجيش، لا يسعون للحصول على مشورة قانونية بخصوص الآثار المترتبة على تنفيذهم للأوامر بصفتهم موظفين في خدمة الدولة، لأنهم لا يتوقعون التعرض للملاحقة من قبل سلسلة القيادة نفسها التي تعرضهم للخطر. إنهم ينضمون إلى الجيش لأنه منظمة موثوقة يعتقدون أنها سوف "تحميهم". لكن هذا العقد بين الجندي والدولة أصبح الآن موضع تشكيك: والجنود الذين يفقدون الثقة في سلسلة القيادة يصبحون عرضة للخطر في ساحة المعركة.
في وقت تحتاج الأمة إلى تغيير في العقلية كي ترقى بمستوى استعدادها لمواجهة التهديد المتعاظم، من المقلق أن نرى هذه المعارضة من الداخل. يواجه الجنود احتمال مجابهة العدو أمامهم بينما يقف محامٍ خلفهم.
نحن بحاجة إلى إعادة ضبط شاملة [تغيير شامل] لنبدأ في ترجيح كفة المصلحة الوطنية على كفة انشغال الحكومة بقانون حقوق الإنسان الدولي. من الضروري البدء بتعديل مشروع قانون اضطرابات إيرلندا الشمالية لتوفير الحماية للمحاربين القدامى والتفريق بوضوح بينهم وبين الإرهابيين في لغة مشروع القانون وأحكامه. من شأن هذا الأمر أيضاً أن يطمئن جنود اليوم بأن الحكومة ستدعمهم في المستقبل، مهما كانت التهديدات القانونية التي قد تنجم عن إدخال تغييرات مستقبلية على القانون.
حري بالحكومة البريطانية أن تتحرك الآن، في وقت أصبحت الحرب القانونية [ضد الجيش] قضية أمن قومي.
شغل الجنرال السير بيتر وول منصب رئيس هيئة الأركان العامة بين عامي 2010 و2014
© The Independent