Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تشاد بين صمت التمزق الداخلي وضجيج حرب الجوار

ترتبط التصدعات العسكرية فيها بصراع أوسع على مراكز القوة داخل الدولة والتوازنات القبلية الحاضرة دائماً في بنية الحكم والجيش

تكتسب هذه المواجهة دلالتها الأوسع من طبيعة الترتيبات الأمنية التي تحيط بالرئاسة (أ ف ب)

ملخص

يرجح أن تستمر الانقسامات داخل النخبة العسكرية التشادية أكثر مما تتحول إلى تمرد مفتوح، فالتنافس بين الحرس الرئاسي وقوة "التدخل السريع"، وإعادة توزيع المواقع بين الزغاوة والغوران والعرب، يجعلان الولاء مرتبطاً بموازين الحماية والمكاسب، لا بالسلسلة المهنية وحدها.

تتخذ الانقسامات داخل الجيش التشادي طابعاً يتجاوز الخلافات العسكرية المباشرة، إذ ترتبط بصراع أوسع على موازين القوة داخل الدولة، وبإرث طويل من التنافس بين مراكز النفوذ، وإعادة توزيع الولاءات داخل المؤسسة الأمنية، والتوازنات القبلية التي ظلت حاضرة في بنية الحكم والجيش. وفي قلب هذا المشهد تبرز مواجهة محتملة بين الرئيس محمد إدريس ديبي وابن عمه عثمان ديلو، الذي توعد بالعودة إلى تشاد لإطاحته، مدعياً أن أكثر من 5 آلاف رجل يتبعونه.

وتكتسب هذه المواجهة دلالتها الأوسع من طبيعة الترتيبات الأمنية التي تحيط بالرئاسة، إذ يتزامن صعود هذا التحدي مع تنافس داخل وحدات النخبة، لا سيما المديرية العامة لأمن مؤسسات الدولة، التي تمثل الحرس الرئاسي الموروث من عهد إدريس ديبي إتنو، وقوة "التدخل السريع" التي أنشئت عام 2023 من مقربين من الرئيس الحالي للحد من نفوذ الحرس.

وتكشف إجراءات ديبي عن مدى حساسية هذا التوازن، ففي أبريل (نيسان) 2025 أقال محمد ديبي 10 من كبار الضباط، معظمهم من إثنية الزغاوة التي ينتمي إليها، في ظل احتقان سياسي وأمني متصاعد، إذ أبعد الجنرال بحر محمد إتنو ثم أقال تسعة آخرين. وعكست هذه الإجراءات حساسية التوازنات داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن ينتقل أثرها إلى البيئة الحدودية مع السودان، حيث تداخلت الاعتبارات الأمنية بالروابط القبلية والحسابات العملياتية والاستخباراتية. وفي الـ18 من مارس (آذار) الماضي، قتل هجوم بطائرة مسيرة في بلدة الطينة الحدودية 17 مدنياً، وفق الأمم المتحدة، وسط تبادل الاتهامات بشأن الجهة المنفذة. ثم تصاعدت حدة الاحتكاك في أغسطس (آب)، عندما اتهمت نجامينا القوات المسلحة السودانية بشن ضربات بطائرات مسيرة على قافلة داخل الأراضي التشادية، وسط تقارير عن ضربات أخرى. ويكشف هذا التسلسل أن الحدود لم تعد مجرد نطاق احتواء للحرب السودانية، بل تحولت إلى مجال تتقاطع فيه صراعات النفوذ داخل المؤسسة العسكرية التشادية مع امتدادات الحرب في دارفور، بما يرفع كلفة ضبط الحدود ويزيد الضغوط على تماسك القيادة العسكرية.

جذور النزاع

 في عهد إدريس ديبي إتنو، تشكلت معارضة مسلحة لم يكن العامل الأيديولوجي وحده محدداً لتكوينها، إذ حضر الانتماء القبلي والمناطقي بقوة في بنيتها العسكرية. فقد غلب الزغاوة على "اتحاد قوى المقاومة" بقيادة تيمان إرديمي، والقرعان على "اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية" بقيادة محمد نوري، بينما ارتبطت فصائل أخرى بمجموعات عربية. ونشطت هذه الفصائل في مثلث تشاد وليبيا والسودان، وخاضت مواجهات بين 2007 و2010، قبل تسويات ونزع سلاح. وانتقل قادة، بينهم تيمان إرديمي ومحمد نوري وأدوم حسب الله، إلى الدوحة عام 2010، وظل آخرون يعملون من ليبيا والحدود. وأوقف الاتفاق التشادي- السوداني عام 2010 دعم الخرطوم للمعارضة، لكنه لم ينهِ جذور النزاع، إذ واصلت جماعات أخرى نشاطها.

 

وبعد وفاة إدريس ديبي في أبريل 2021 خلال مواجهة مع "جبهة التغيير والوفاق" (فاكت)، تولى ابنه محمد كاكا السلطة عبر مجلس عسكري. وفي الدوحة وقعت 40 جماعة مسلحة اتفاقاً عام 2022، لكن "فاكت" ومجموعات أخرى رفضت التوقيع واستمرت في القتال. ومع اندلاع حرب السودان عام 2023 انخرط مقاتلون تشاديون في دارفور، ففي مارس 2024 انضم عثمان ديلو إلى قوات "حركة تحرير السودان" بقيادة مني أركو مناوي (حاكم دارفور الحالي) في الفاشر، بينما أقامت "فاكت" اتصالات مع "الدعم السريع" وانضمت وحدات منها إلى صفوفه في غرب وجنوب دارفور، وفق تقارير أممية.

وفي فبراير (شباط) 2025 انشق أكثر من 400 عنصر من الأمن الداخلي وتشكيلات عسكرية أخرى والتحقوا بالقوات، قبل اتساع التحركات بمغادرة مئات الشباب نحو شرق تشاد. وفي مايو (أيار) 2025 اعتقل المعارض البارز، زعيم حزب "المحولون" ورئيس الوزراء السابق سيكسيه مسارا في مايو (أيار) 2025، وحكم عليه بـ20 عاماً، قبل صدور عفو رئاسي عنه في أغسطس هذا العام.  وفي الشهر ذاته، أعلن صالح آدم إسحاق، قائد "حركة السمسير" التشادية المتمردة، انشقاقه مع مقاتليه وتسليم أنفسهم بكامل عتادهم لـ"الجيش الوطني الليبي"، أملاً في وساطة صدام حفتر لدى ديبي لتأمين عودتهم إلى تشاد. وكانت تصريحات منسوبة إلى دوسة ديبي إتنو، شقيق إدريس ديبي إتنو، أسهمت في تأجيج غضب قبلي، بالتزامن مع إعادة تنظيم قوات التحرير شرق تشاد.

دائرة متبادلة

تكشف التطورات أن الصراع التشادي فضلاً عن المواجهات الداخلية، لا ينفصل عن محيطه، فالحرب في السودان أعادت تنشيط الروابط القبلية وشبكات السلاح واللجوء والتحالفات التي نشأت تاريخياً على جانبي الحدود. ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع الزغاوة، الذين يشكلون أقلية سكانية في تشاد، لكنهم احتلوا وزناً كبيراً داخل مؤسسات الأمن والجيش، فيما تمتد مجتمعاتهم وعلاقاتهم العائلية إلى دارفور. وقد أشار فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن تصاعد القتال حول الفاشر، وهي منطقة ذات حضور زغاوي قوي، مما أثار مخاوف لدى قيادات زغاوية في السودان من موقف السلطات التشادية تجاه هجمات "الدعم السريع"، كما سجل تجنيد زغاوة تشاديين في قوات متحالفة مع الجيش السوداني، مما يعكس تداخل الانتماء المحلي مع الحسابات العسكرية الإقليمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتحول عثمان ديلو إلى مؤشر على انتقال المعارضة من المجال التشادي إلى المجال السوداني ثم احتمال عودتها سياسياً أو عسكرياً. فهو ابن عم محمد كاكا وشقيق يحيى ديلو، الذي قتل في نجامينا في فبراير 2024 خلال اقتحام أمني لمقر حزبه، وقد حمل عثمان ديلو، الرئيس التشادي مسؤولية مقتل شقيقه لإقصائه من خوض الانتخابات الرئاسية ضده في ذلك العام. والآن يأتي تحركه ضد ديبي، وإلى جانب "القوات المشتركة" بوصفه دفاعاً عن الزغاوة ومواجهة لقوة يعدها مرتبطة بسياسات تهدد مجتمعاتهم. غير أن هذا المسار لا يعني تلقائياً نشوء جبهة زغاوية موحدة، فمواقف الفصائل والأفراد متباينة، وقد وثقت الأمم المتحدة أيضاً تعاون "فاكت"، وهي ذات غالبية قرعانية، مع "الدعم السريع". لذلك تبدو العلاقة بين تشاد والسودان دائرة متبادلة، ضعف التسوية السياسية في تشاد يدفع فاعلين مسلحين إلى الحدود، والحرب السودانية تمنحهم ساحات وتحالفات جديدة، بينما يعيد القتال في دارفور إنتاج حساسيات قبلية وأمنية يمكن أن تنعكس مرة أخرى داخل تشاد. ويعتمد ذلك على مسار الحرب السودانية وقدرة نجامينا على إدارة التوازنات داخل الجيش والقبائل والمعارضة، وإبقاء القرار المسلح تحت السيطرة المباشرة للرئاسة، وعلى منع انتقال الاستقطاب الإقليمي إلى مؤسسات الدولة وفي الداخل أيضاً.

عوامل الانشقاق

يمكن تفسير محاولات الانشقاق داخل الجيش التشادي من خلال تفاعل عوامل داخلية وخارجية. داخلياً، تقوم المنظومة الأمنية على الولاءات القبلية ومراكز القوة أكثر مما تقوم على تراتبية مؤسسية مستقرة. ويظهر ذلك في التنافس بين الحرس الرئاسي وقوة "التدخل السريع"، وفي إعادة توزيع النفوذ داخل النخبة العسكرية، بما يجعل أي خلاف سياسي قابلاً للتحول إلى اصطفاف مسلح.

ويضاف إلى ذلك التصدع داخل البيئة الزغاوية نفسها، وهي مكون حاضر في الجيش والسلطة، فقد ترك مقتل يحيى ديلو، أثراً في العلاقة بين أجنحة العائلة والمجتمع الزغاوي. ومع تراجع الثقة بين الضباط والقيادة، تصبح الإقالات وإعادة التعيين وإعادة تشكيل الوحدات أدوات لإدارة الولاء، لكنها قد تنتج، في المقابل، دوافع للانشقاق أو إعادة الاصطفاف.

 

خارجياً، تمثل حرب السودان العامل الأكثر ضغطاً، فالحدود تحولت إلى مسرح عمليات، وتداخلت شبكات القرابة والسلاح والتمويل مع صراع دارفور، فيما باتت حماية الحدود مرتبطة بتوازنات داخل الجيش. وقد أسهمت الحرب في تعميق الانقسامات القائمة، إذ تتقاطع تداعياتها مع الروابط العائلية للزغاوة، ونزوح مئات الآلاف من دارفور إلى شرق تشاد، وتصاعد الضغوط الأمنية على نجامينا.

ويضاف إلى ذلك فراغ أمني خلفه الانسحاب الفرنسي، فقد اكتمل خروج القوات الفرنسية من تشاد في يناير 2025، فيما استأنفت باريس ونجامينا بعد ذلك التعاون السياسي والاقتصادي. هذا الانسحاب حرم تشاد من قدرات الاستطلاع والدعم الجوي والاستخباري التي كانت تمنح القيادة هامشاً عملياتياً أوسع.

وفي المقابل، حاولت نجامينا تنويع شركائها، مع انفتاح على روسيا وتركيا وقوى ليبية. أما "فيلق أفريقيا" وريث مجموعة فاغنر، فوجوده في تشاد لم يتحول إلى بديل عسكري معلن ومتكامل لفرنسا. لذلك فإن إعادة ترتيب الشراكات الخارجية قد تمنح خيارات جديدة، لكنها تضيف أيضاً منافسة نفوذ ومصادر ولاء جديدة، بما يزيد تعقيد تماسك المؤسسة العسكرية ويجعل محاولات الانقلاب أو إعادة اصطفاف المتمردين أو العنف الداخلي احتمالات مرتبطة بقدرة القيادة على ضبط هذه الطبقات المتعارضة.

توقعات محتملة

 يرجح أن انشقاقات الجيش التشادي لن تتخذ في المدى القريب شكل انهيار هرمي شامل، بل ستتقدم عبر تسربات محدودة، وإعادة اصطفاف داخل الوحدات، واستقطاب تدرجي بين مراكز القوة. وينسجم ذلك مع تقدير "مجموعة الأزمات الدولية" في يوليو (تموز) الماضي، بأن قبضة ديبي قد تضعف، على رغم غياب شخصية زغاوية تمتلك قاعدة كافية لتحديه. وقد يدفعه ذلك إلى توسيع سياسة تدوير الضباط، وإعادة توزيع المناصب، وتشديد الرقابة على الوحدات الحساسة لمنع تشكل مراكز نفوذ مستقلة. غير أن هذه الأدوات، وإن حدت من احتمال ظهور تحد منظم، قد تزيد الاحتقان داخل المؤسسة العسكرية، وتحول التنافس على المواقع والامتيازات إلى اصطفافات أكثر صلابة. وبذلك قد تتآكل السيطرة تدريجياً داخل بنية النظام نفسه، من دون أن يظهر في المدى القريب منافس واحد قادر على ملء الفراغ.

السيناريو الأرجح أن تستمر الانقسامات داخل النخبة العسكرية أكثر مما تتحول إلى تمرد مفتوح، فالتنافس بين الحرس الرئاسي وقوة "التدخل السريع"، وإعادة توزيع المواقع بين الزغاوة والغوران والعرب، يجعلان الولاء مرتبطاً بموازين الحماية والمكاسب، لا بالسلسلة المهنية وحدها. وتزيد إقالات الضباط وإعادة تشكيل أجهزة الأمن حساسية أي تحرك، إذ إن الضابط المعزول قد لا يملك وحده قدرة عسكرية كافية، لكنه يستطيع توفير معرفة داخلية وشبكات اتصال لائتلاف أوسع.

العامل الحاسم خارجياً هو الحرب السودانية، فقد سجلت "مجموعة الأزمات" تقديرات بانشقاق مئات الجنود التشاديين منذ 2023 والتحاق بعضهم بحركات دارفور، بينما يبدو أن الحرب أصبحت تهديداً أمنياً مباشراً، وأنها تضخم نقاط الضعف القائمة. ومع استمرار تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود، يمكن أن تتحول الانشقاقات الفردية إلى قنوات اتصال بين وحدات تشادية وفصائل دارفورية، خصوصاً إذا تصاعد استهداف الزغاوة في دارفور.

أما الاحتمال الأكبر فهو حدوث أزمة ولاء داخل وحدات الحماية نفسها، لا تمرد واسع من الجيش كله. عندئذ قد تنتقل الأزمة من الانشقاق إلى صراع قصير على مراكز القيادة في نجامينا، أو إلى مواجهات محدودة تتسع إذا انضمت إليها شبكات قبلية ومقاتلون عائدون من السودان. ويظل السيناريو الآخر قائماً، وهو احتواء الانشقاقات عبر المال، وإعادة التعيين، والتفاهمات القبلية، وهو ما قد يؤجل الأزمة من دون معالجة بنيتها، ويزيد الضغط على الدولة وأجهزتها الأمنية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير