ملخص
أفاد محللون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" بأن موازنة عام 2027 تعكس دخول الإنفاق الحكومي مرحلة مختلفة من مسار التحول الاقتصادي، مع انتقال عدد من المشاريع والبرامج من مراحل الإطلاق والتنفيذ إلى التشغيل، مما يجعل العائد الاقتصادي وكفاءة الإنفاق أكثر أهمية في تقييم أثر السياسة المالية خلال الأعوام المقبلة.
تكشف تقديرات موازنة السعودية لعام 2027 عن استمرار سياسة مالية تعطي أولوية لدعم النمو واستكمال مسار التحول الاقتصادي، مع الحفاظ على استدامة المالية العامة، إذ تبقي الرياض الإنفاق عند مستويات مرتفعة في مرحلة تقترب فيها "رؤية السعودية 2030" من أعوامها الأخيرة، بينما تنتقل الأولوية تدريجاً من إطلاق المشاريع إلى استكمالها وتشغيلها وتعظيم أثرها الاقتصادي.
ولا تتعلق المعادلة بحجم العجز وحده، إذ تقدر الحكومة عجز العام المقبل بنحو 191 مليار ريال (50.9 مليار دولار)، انخفاضاً من 245 مليار ريال (65.3 مليار دولار) متوقعة خلال العام الحالي، إنما بالعائد الاقتصادي الذي يمكن أن يولده الإنفاق، فكلما أسهمت المصروفات في توسيع الطاقة الإنتاجية وتحفيز الاستثمار الخاص وتنمية الإيرادات غير النفطية، تعززت قدرة الاقتصاد على مواصلة الإنفاق ضمن إطار مالي مستدام.
وتجمع موازنة عام 2027 بذلك بين الحفاظ على زخم الاستثمار والنمو وإدارة الحاجات التمويلية، مستفيدة من توسع الاقتصاد غير النفطي وتنوع مصادر الإيرادات، إلى جانب قدرة السعودية على الوصول إلى أسواق التمويل المحلية والدولية.
الإنفاق يحافظ على زخمه
وفق البيان التمهيدي الذي أصدرته وزارة المالية في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، تقدر نفقات عام 2027 بنحو 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار)، في مقابل إيرادات تبلغ 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار)، بعجز يقدر بنحو 191 مليار ريال (50.9 مليار دولار)، أو ما يعادل 3.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى رغم بقاء الإنفاق عند مستويات مرتفعة، فإنه يقل بنحو ثلاثة في المئة عن النفقات المتوقعة لعام 2026 والبالغة 1.435 تريليون ريال (382.7 مليار دولار)، فيما ترتفع الإيرادات بنحو واحد في المئة من 1.19 تريليون ريال (317.3 مليار دولار) متوقعة خلال العام الحالي.
ويتزامن ذلك مع تحسن في مسار العجز، إذ تتوقع وزارة المالية انخفاضه بنحو 54 مليار ريال (14.4 مليار دولار)، من 245 مليار ريال (65.3 مليار دولار)، أو 4.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي، إلى 191 مليار ريال (50.9 مليار دولار)، أو 3.6 في المئة العام المقبل.
ويرتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من نحو 4.98 تريليون ريال (1.33 تريليون دولار) إلى 5.36 تريليون ريال (1.43 تريليون دولار).
وتعكس هذه التقديرات استمرار توجيه الإنفاق نحو الأولويات التنموية والاستراتيجية والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، ضمن نهج مالي تقول الحكومة إنه يقوم على التخطيط طويل الأجل والموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استدامة المالية العامة.
وعلى المدى المتوسط، تتوقع الوزارة استمرار العجز عند مستويات أقل كنسبة من حجم الاقتصاد، ليبلغ 177 مليار ريال (47.2 مليار دولار)، أو 3.1 في المئة من الناتج خلال عام 2028، قبل أن يصل إلى 192 مليار ريال (51.2 مليار دولار)، أو 3.3 في المئة عام 2029.
وفي الوقت نفسه، تتوقع وزارة المالية ارتفاع الإيرادات إلى 1.35 تريليون ريال (360.3 مليار دولار) عام 2029، تزامناً مع وصول النفقات إلى نحو 1.544 تريليون ريال (411.7 مليار دولار)، بما يعكس استمرار الإنفاق على المشاريع والبرامج المرتبطة بالتحول الاقتصادي خلال المدى المتوسط.
وتعتزم الحكومة إدارة حاجاتها التمويلية محلياً ودولياً من خلال السندات والصكوك والقروض، إلى جانب أدوات التمويل البديل للمشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات، بما يوفر قنوات تمويل متعددة خلال المرحلة المقبلة.
قاعدة إيرادات أكثر تنوعاً
ويبرز بالتوازي مع استمرار الإنفاق تحول مهم في هيكل المالية العامة، بعدما ارتفعت الإيرادات غير النفطية من 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) عام 2015 إلى 505 مليارات ريال (134.7 مليار دولار) خلال عام 2025، أي إلى أكثر من ثلاثة أمثال مستواها خلال عقد.
ويمنح هذا النمو الموازنة قاعدة إيرادات أكثر تنوعاً مقارنة بما كانت عليه قبل إطلاق "رؤية 2030"، ويعزز قدرة المالية العامة على التعامل مع تقلبات أسواق الطاقة، تزامناً مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتوسع الأنشطة الجديدة.
وعلى رغم استمرار النفط مكوناً رئيساً في الاقتصاد والمالية العامة، يعكس نمو الإيرادات غير النفطية تقدماً في تنويع مصادر الدخل. ويتركز الرهان خلال الأعوام المقبلة على مواصلة تنمية هذه الإيرادات بالتوازي مع اتساع القاعدة الاقتصادية وزيادة مساهمة القطاع الخاص.
وتظهر أهمية هذا التنوع بصورة أوضح في تقديرات عام 2026، إذ تتوقع وزارة المالية انكماش الناتج المحلي الحقيقي 3.6 في المئة نتيجة تراجع الأنشطة النفطية 21.8 في المئة، في مقابل استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنحو 3.2 في المئة، بعدما بلغت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي مستوى تاريخياً عند 57.3 في المئة خلال النصف الأول من العام.
لماذا يقفز النمو الاقتصادي إلى 12.8 في المئة؟
تعد قفزة النمو المتوقعة خلال عام 2027 من أبرز أرقام البيان التمهيدي، إذ تتوقع الحكومة انتقال الاقتصاد من انكماش مقدر بنحو 3.6 في المئة خلال العام الحالي إلى نمو 12.8 في المئة العام المقبل.
ويرتبط جانب مهم من هذه القفزة بالتعافي المتوقع للنشاط النفطي بعد التراجع الحاد الذي شهده خلال العام الحالي، مستفيداً من قاعدة مقارنة منخفضة، بالتوازي مع استمرار نمو الأنشطة غير النفطية، مما يدفع معدل النمو الكلي إلى مستويات مرتفعة خلال عام 2027.
وتعزز تقديرات الأعوام التالية هذه القراءة، إذ تتوقع الوزارة تباطؤ النمو إلى 3.9 في المئة خلال عام 2028، قبل تسارعه إلى 5.7 في المئة عام 2029، بما يشير إلى أن القفزة الاستثنائية المتوقعة العام المقبل تعكس إلى حد كبير عودة النشاط النفطي بعد انكماشه الحاد في العام الحالي.
وفي المقابل، تختلف تقديرات المؤسسات الدولية لمسار النمو خلال عام 2027، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً بنسبة 5.5 في المئة، منها 4.5 في المئة للأنشطة غير النفطية، وهو ما يعكس توقعاً باستمرار مساهمة الاقتصاد غير النفطي في دعم النشاط تزامناً مع تعافي القطاع النفطي.
الإنفاق يدخل مرحلة مختلفة
أفاد محللون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" بأن موازنة عام 2027 تعكس دخول الإنفاق الحكومي مرحلة مختلفة من مسار التحول الاقتصادي، مع انتقال عدد من المشاريع والبرامج من مراحل الإطلاق والتنفيذ إلى التشغيل، مما يجعل العائد الاقتصادي وكفاءة الإنفاق أكثر أهمية في تقييم أثر السياسة المالية خلال الأعوام المقبلة.
ويرى المحللون أن استمرار مستويات الإنفاق المرتفعة يمكن أن يدعم النمو ويوسع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، تزامناً مع تنامي دور الأنشطة غير النفطية والقطاع الخاص، مشيرين إلى أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الاستثمارات التي ضخت خلال الأعوام الماضية على توليد إيرادات وفرص استثمار وعمل، وتعزيز مرونة الاقتصاد أمام تقلبات النشاط النفطي.
الإنفاق التوسعي يدعم مسار التحول
من جهته، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي إحسان بوحليقة، إن موازنة عام 2027 تعكس ثبات السعودية على مسار "رؤية 2030"، مع مرونة في أدوات التنفيذ وترتيب الأولويات، إذ لم تتجه السياسة المالية إلى تقليص حاد للإنفاق استجابة للتحديات الجيوسياسية وتراجع النشاط النفطي خلال العام الحالي، وإنما حافظت على مستويات إنفاق مرتفعة وعلى الأولويات التنموية، مع الاستفادة من هوامش التمويل المتاحة.
ويرى بوحليقة أن العجز المخطط له لا يمكن تقييمه بمعزل عن طبيعة الإنفاق والعائد المتحقق منه، موضحاً أن الحكم على السياسة المالية يرتبط بثلاثة عوامل رئيسة، هي إنتاجية الاستثمار وكلفة التمويل وقدرة الاقتصاد غير النفطي على توليد نمو وإيرادات أكثر استقراراً. ويضيف أن العجز يمكن أن يؤدي دوراً انتقالياً عندما يوجه إلى أصول ومشاريع ترفع الإنتاجية وتعمق التنويع الاقتصادي، تزامناً مع بقاء مسار الدين قابلاً للتمويل.
ويركز الاقتصادي السعودي على ما يصفه بـ"طبقات المرونة" التي بات الاقتصاد أكثر قدرة على بنائها، وفي مقدمها تنوع مسارات التصدير والإمداد، والقدرة على الوصول إلى التمويل ومرونة إعادة ترتيب الإنفاق، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو تعزيز البنية اللوجيستية والطاقة الإنتاجية.
واعتبر بوحليقه أن استمرار نمو الأنشطة غير النفطية على رغم الانكماش الحاد في النشاط النفطي خلال العام الحالي يقدم مؤشراً إلى ارتفاع قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، والحد من انتقال آثارها إلى النشاط المحلي.
العائد أهم من حجم الإنفاق
يرى المتخصص في الشأن الاقتصادي علي الحازمي أن استمرار الإنفاق عند مستويات مرتفعة يتسق مع متطلبات المرحلة الحالية من برامج التحول الاقتصادي، خصوصاً مع دخول عدد من المشاريع مراحل التنفيذ والتشغيل، بما يجعل الحفاظ على زخم الإنفاق عاملاً مهماً في استكمال المشاريع وتعظيم أثرها في النشاط الاقتصادي.
وقال الحازمي، إن المعيار الأهم في المرحلة المقبلة لم يعد حجم الإنفاق في ذاته، إنما كفاءة توجيهه والعائد الاقتصادي المتحقق منه، مشيراً إلى أن توجيه المصروفات نحو المشاريع الإنتاجية والبنية التحتية والقطاعات الجديدة من شأنه رفع الطاقة الإنتاجية وتوسيع النشاط الاقتصادي خلال الأعوام المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار الحازمي إلى أن انتقال المشاريع من الإنشاء والتنفيذ إلى التشغيل يفتح المجال أمام إسهام أكبر للقطاع الخاص وتوليد إيرادات وفرص عمل جديدة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على تحويل الإنفاق الحكومي المتراكم إلى نشاط اقتصادي مستدام، ويجعل جودة الاستثمار وكفاءته عاملاً أساساً في تقييم أثر السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة.
قاعدة أوسع للنمو
ومن زاوية تنويع النشاط الاقتصادي، أشار المحلل الاقتصادي محمد سليمان العنقري إلى أن توسع قطاعات الصناعة والخدمات والتقنية والاقتصاد الرقمي خلال أعوام "رؤية 2030" أسهم في بناء قاعدة أكثر تنوعاً للنمو، تزامناً مع اتساع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
ويضع العنقري تعزيز دور القطاع الخاص في صدارة متطلبات المرحلة المقبلة، من خلال تحويل الإنفاق والاستثمارات المتراكمة خلال الأعوام الماضية إلى طاقات إنتاجية مستدامة تسهم في الاستثمار والتوظيف وتوليد الإيرادات.
وبحسب قراءته، فإن مواصلة هذا المسار ترتبط بقدرة القطاعات الجديدة على التوسع وجذب مزيد من الاستثمارات، بالتوازي مع انتقال المشاريع إلى مراحل التشغيل وتوليد القيمة المضافة، بما يوسع مصادر النمو ويدعم استدامتها خلال الأعوام المقبلة.
من تمويل التحول إلى جني العوائد
وتضع هذه المعطيات موازنة عام 2027 عند مرحلة متقدمة من مسار "رؤية السعودية 2030"، إذ لم تعد الأولوية مرتبطة فقط بتمويل المشاريع وإطلاق القطاعات الجديدة، إنما بتعظيم الأثر الاقتصادي للاستثمارات التي نفذت خلال الأعوام الماضية وتحويلها إلى طاقات إنتاجية مستدامة.
وكلما انتقلت المشاريع الكبرى إلى التشغيل واتسعت مشاركة رأس المال الخاص واستمرت الإيرادات غير النفطية في النمو، زادت قدرة الاقتصاد على توليد مصادر جديدة للنمو والدخل، بما يعزز استدامة الإنفاق ويحد تدريجاً من حساسية المالية العامة لتقلبات أسواق النفط.
وبذلك تعكس موازنة عام 2027 انتقال التحول الاقتصادي إلى مرحلة تُقاس فيها فاعلية الإنفاق ليس بحجمه فحسب، وإنما بقدرته على توليد النمو والاستثمارات وفرص العمل والإيرادات المستدامة، مع اقتراب "رؤية 2030" من مرحلة جني جانب أكبر من ثمار التحول الذي بدأ قبل أكثر من عقد.