ملخص
مشروع بحثي رصد تطور الإعلان المطبوع في مصر منذ عام 1880 إلى عام 1980 بهدف دراسة كيف عكست الصور الإعلانية التحولات المختلفة التي شهدها المجتمع المصري من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ليمثل النتاج البحثي المحاولة الأولى لتوثيق تاريخ الإعلان في مصر بهدف أن يتعرف الناس بصورة أعمق إلى جانب من تاريخنا البصري باعتبار أنه لا يمكن أن نفهم الحاضر من دون دراسة الماضي.
على مدى زمن طويل مثلت الإعلانات جزءاً من واقع المجتمع الذي تظهر فيه، فالإعلان لا يمثل فقط جانباً دعائياً لسلعة معينة، بل يعكس كذلك كثيراً من الملامح عن العصر، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية وحتى السياق السياسي السائد خلال هذه الحقبة، ومع مرور الأعوام تصبح هذه الإعلانات إحدى وسائل التأريخ الاجتماعي للمرحلة التي تمثلها التي تعكس جزءاً من سماتها المختلفة.
صدر حديثاً عن الجامعة الأميركية في القاهرة كتاب "تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر"، إذ يستعرض من خلال أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية تطور الإعلان المطبوع في البلاد منذ عام 1880 وحتى عام 1980، ويوضح كيف عكست الصور الإعلانية التحولات المختلفة التي شهدها المجتمع المصري من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ليمثل النتاج البحثي المحاولة الأولى لتوثيق تاريخ الإعلان في البلاد بهدف أن يتعرف المصريون بصورة أعمق إلى جانب من تاريخهم البصري، باعتبار أنه لا يمكن أن نفهم الحاضر من دون دراسة الماضي.
وصاحب إطلاق الكتاب معرض أقيم في مقر الجامعة الأميركية بالتحرير، عرض مجموعات من الإعلانات تعود لحقب زمنية مختلفة، مصحوبة ببعض المنتجات التي تظهر في هذه الإعلانات والتي كانت موجودة خلال حقب سابقة مثل زجاجات المياه الغازية وعلب السجائر ومساحيق الغسيل وغيرها، مما أضاف كثيراً إلى سياق العرض بخلق علاقة بين المشاهد وهذه المعروضات التي يمكن أن تثير جزءاً من ذاكرته إذا كان عاش أثناء هذه الحقبة، فعدد من هذه المنتجات يمثل حالياً جزءاً من الذاكرة البصرية لهذه الحقبة، فيأخذ المعرض زواره في رحلة على مدى 100 عام من الإعلانات.
التأريخ بالإعلانات
يتتبع البحث ونتاجه في الكتاب والمعرض تطور الإعلان المصري عبر خمس مراحل تاريخية، تبدأ بالفترة السابقة على عام 1920، إذ أسهمت الصحف والمطبوعات المختلفة في تأسيس فكرة الإعلان في مصر، ثم يستعرض ثورة النشر التي شهدتها البلاد خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ20 وانعكاسها على الإعلانات، ثم الاتجاه نحو التمصير في حقبة الأربعينيات والتغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات مفاهيم الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، قبل أن ينتقل إلى التأثير العميق لثورة 1952 وما أعقبها من تأميم وتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، ولاحقاً التحول في السبعينيات نحو اقتصاد السوق المفتوحة، وأثر ذلك على الإعلانات وعلى طبيعة المنتجات، باعتبار أنه باتت للناس تطلعات ورغبات في أنماط جديدة للحياة، وتنتهي فترة البحث في الثمانينيات برصد أثر انتشار الإعلانات التلفزيونية والتوجه إليها على الإعلان المطبوع.
تقول أستاذة الفنون ومؤسسة قسم التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية بالقاهرة بهية شهاب "هذه الإعلانات مع الوقت تصبح نوعاً من أنواع التأريخ للفترة الزمنية أو الحقبة التي ظهرت فيها، وبعد مرور الزمن تصبح مرآة لظروف الفترة وطابعها وواقعها الاجتماعي، فالإعلان دائماً مرتبط بالمناخ السياسي والاقتصادي للبلد، حتى الفنيات الخاصة بالإعلانات مرتبطة بالمناخ الاقتصادي بصورة عامة، فلو كان الاقتصاد في حال جيدة ستكون هناك أموال تضخ في مجال الإعلانات، وستجري الاستعانة بمصممين ورسامين على مستوى عالٍ، ودور النشر ستكون لها إصدارات أكثر فتزيد الإعلانات، أما في حال وجود أزمات اقتصادية فسيقل كل هذا بصورة كبيرة، فهناك ارتباط مباشر بين المناخ السياسي والاقتصادي والإعلانات نفسها".
وتضيف، "رصدنا 8000 إعلان اخترنا من بينها 350 إعلاناً من نحو 35 جريدة ومجلة اختيرت لتمثل القرن موضع الدراسة، وهناك إعلانات لمنتجات أو ’ماركات‘ من فترات بعيدة لم تعُد موجودة، وأخرى أصبحت تمثل جزءاً من الذاكرة للأشخاص الذين عاشوا هذه الحقبة، لكن توقف إنتاجها، فأردنا تقديمها إلى الأجيال الجديدة، وتعريفهم بها، سواء كانت منتجات غذائية وأجهزة وأدوية وسيارات ومشروبات معينة كانت معروفة واختفت مثل ’مصر كولا‘، وكثير من المنتجات التي كانت موجودة خلال فترات معينة واختفت، فهي مهمة ومميزة، وكانت هناك ضرورة لتقديمها وتوثيقها للأجيال الجديدة ليتعرفوا إليها، فهي تمثل جانباً من تاريخ هذه الفترات".
نجوم في الإعلانات
حدثت تطورات كبيرة للإعلانات خلال الـ 100 عام الماضية، ففي البداية كانت مكتوبة فقط، ثم بعد ذلك بدأت تصاحبها الرسوم، ثم الصور الفوتوغرافية، مما يتيح نوعاً من أنواع الرصد لاختلاف طابع الرسم وتطور الخط العربي ونوعية الرسوم المستخدمة التي كان بعضها مستوحى من الحضارة المصرية القديمة أو من المجتمع المعاصر حينها، وأحياناً من ثقافات غربية أو تأثيرات معينة مثل وجود جاليات أجنبية متنوعة في مصر خلال النصف الأول من القرن الـ20، كذلك يمكن رصد ملامح التطور في كل زمن، وماذا كان الاختراع الأبرز، فمثلاً في مطلع القرن الـ20 كانت هناك إعلانات عن الأسطوانات الموسيقية والشركات الشهيرة التي تنتجها مثل شركة "أوديون" التي كانت حينها من سمات هذه الفترة.
وخلال الثلاثينيات والأربعينيات، انتشرت إعلانات أجهزة الراديو التي كانت اختراع العصر الذي يرغب الناس في اقتنائه، ومن يمتلكه يلحق بالتطور مع الإشارة إلى أنه قطعة فريدة ستضيف إلى المنزل، وبدأ ظهور إعلانات الأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والبوتاغازات الحديثة، وانتشر الإعلان أيضاً عن السيارات وكاميرات التصوير، وكل ما هو متطور في هذا الزمن، وعلى النقيض كانت بعض الإعلانات تدعو إلى التمسك بطراز الماضي مثل إعلان عن مصنع للطرابيش يدعو الناس إلى العودة لارتدائه مع بدايات انحساره.
لاحقاً خلال الستينيات والسبعينيات، بدأ ظهور إعلانات أجهزة التلفزيون والأجهزة المنزلية الحديثة مثل المكانس الكهربائية وتكييفات الهواء التي أصبحت من تطلعات الناس في هذه الفترة، ويمثل اقتناؤها شكلاً من أشكال المكانة الاجتماعية، وظهرت شركات مثل نصر و"تليمصر" التي كانت ذائعة الصيت ونموذجاً للصناعة الوطنية.
ويرصد الكتاب ظاهرة ظهور النجوم في الإعلانات وبداياتها، فعلى سبيل المثال ظهرت الفنانة ثريا حلمي في إعلان لصابون كان يسمى "ورد النيل"، مع ذكر أن ثمن القطعة بقرشين فقط، وفي الأربعينيات ظهرت تحية كاريوكا في إعلان لصابون "نابلسي فاروق" الذي عرف بعد ثورة يوليو (تموز) 1952 بـ"نابلسي شاهين"، وفي الستينيات ظهرت مديحة يسري وسامية جمال في إعلانات لمستحضرات تجميل، وفي السبعينيات ظهر عمر الشريف في إعلان لأحد "ماركات" السجائر.
وتقول شهاب "الملاحظ على مدى 100 عام أن أفكارنا عن الجمال والحداثة والتطور كانت تصل إلينا بصورة كبيرة من خلال الإعلانات التي أسهمت في تشكيل التطلعات والهوية والحياة اليومية في مصر، كما عكست العينة توجهات معينة حول بعض الأمور الاجتماعية مثل كيف ظهرت المرأة في الإعلانات، وكيف تطورت هذه الصورة باختلاف الزمن ومقاييس الجمال، ففي أوائل القرن الـ20 ظهرت إعلانات للنساء عن منتج لزيادة الوزن، باعتبار أن هذه كانت الصورة النمطية للمرأة الجميلة حينها، وهذا عكس ما يحدث الآن تماماً من انتشار إعلانات التنحيف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شاهد على المجتمع
تأمل الإعلانات على مدى الـ 100 عام لم ينتج عنه فقط التعرف إلى أهم المنتجات التي كانت سائدة في عصر معين، إنما كيف كان الوضع السياسي والاجتماعي، فعلى سبيل المثال شهدت فترة الخمسينيات والستينيات ظهوراً طاغياً لجمال عبدالناصر، فكثير من الإعلانات التي كانت تتمثل في دعم أو تهنئة أو ترويج لأفكار الحقبة فضلاً عن ظهور المنتج نفسه، مع الانتشار الكبير لفكرة الصناعات الوطنية والإعلان عن منتجاتها، ولاحقاً ظهور السادات في سياقات ترتبط بالوضع السائد وقتها، ومن المفارقات النادرة التي ظهرت في الإعلانات التي رصدها البحث ظهور لصور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية، والكيانات والمؤسسات والجمعيات المختلفة كان لها أيضاً ظهور في الإعلانات، فمن الإعلانات النادرة ورقة يانصيب خاصة بجمعية الشبان المسلمين خلال الستينيات.
وإضافة إلى الأوضاع السياسية وصور الزعماء، فإن التوجهات العامة التي تتبناها الدولة تجاه قضايا اجتماعية معينة كان لها حضور في الإعلانات، فعلى سبيل المثال ظهرت في فترة السبعينيات إعلانات لوسائل تنظيم الأسرة، باعتبار أنه توجه كانت الدولة بدأت بتبنّيه خلال هذه المرحلة.
وتوضح شهاب أن "الإعلانات لم تنفصل عن الواقع الاجتماعي والسياسي وهذا كان واضحاً جداً، فنظام الحكم الملكي ثم الاشتراكي ثم الأنظمة اللاحقة التي شهدتها البلاد، كل هذه التغييرات في المناخ السياسي كان لها تأثير جذري في الإعلانات، فمثلاً قبل ثورة 1952 كانت النساء في الإعلانات يغلب على شكلهن الطابع الغربي مثل الشعر الأشقر والعيون الملونة على أغلفة المجلات وفي الإعلانات عامة، لكن بعد الثورة أصبح هناك توجه لتمثيل فئات مختلفة من المجتمع المصري في الإعلانات، فبدأ ظهور فئات العمال والفلاحين والمصريين من الطبقات المختلفة، مما لم يكن له وجود كبير خلال الأربعينيات على سبيل المثال بهذه الطريقة والكثافة إنما كان في إطار محدود".
وتتابع "في الوقت نفسه فإن هذه الفترة شهدت توسعاً كبيراً في الإعلان عن المنتجات والصناعات الوطنية التي كانت سمة هذه المرحلة، ولاحقاً في فترة السبعينيات كان هناك أثر كبير لسياسة الانفتاح الاقتصادي على طبيعة المنتجات، وظهور كثير من الإعلانات التي تقدم منتجات بها شيء من الرفاهية بطبيعة تطور الحياة والمجتمع مثل الأجهزة الكهربائية الحديثة وغيرها".
وتستكمل "جرى التوقف عند مرحلة الثمانينيات، لأننا وجدنا أن 100 عام كانت فترة كافية وممتدة إضافة إلى اعتبار آخر وهو أنه في الثمانينيات حدثت طفرة للتلفزيون، وقلّت إعلانات الصحف والمجلات بصورة كبيرة، سواء من ناحية العدد أو من ناحية المستوى الفني، لأن الشركات أصبح تركيزها الأكبر على إعلانات التلفزيون، ولهذا اقتصرنا على هذه الفترة ومن الممكن أن نستكمل البحث لاحقاً في إعلانات التلفزيون، فدراسة تاريخ الإعلانات التلفزيونية أمر لا يقل أهمية وهو غير موثق على رغم قيمته".
وتختتم شهاب، "في ما يتعلق بالمعرض كنت أرغب في أن يحب الناس التاريخ ويقبلوا عليه وفي الوقت ذاته الإعلانات نفسها كانت بحاجة للعرض فضلاً عن المنتجات، لأنها تمثل جزءاً من القصة، فالإعلان والمنتج كلاهما له أهمية، فالمعرض يبسط الفكرة ويجعلها متاحة لكل الناس حتى من لن يتمكن من قراءة الكتاب، فمشاهدة المعرض ستوصل الفكرة ومشاهدة المنتجات، بخاصة أن بعضها جزء من ذاكرة الناس ستدعم الفكرة وستجعل كل فئات المجتمع قادرة على استيعابها، وأتمنى أن يصبح هذا الكتاب مرجعاً للباحثين في المستقبل حول موضوع يشكل جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، نحن نشاهد الإعلانات الضخمة في الشوارع كل يوم وفي كل الوسائل".