Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة صرف تزلزل الاقتصاد الإيراني وتدفع الريال للانهيار

تراجع إيرادات النفط وتضييق قنوات التمويل يضغطان على النقد الأجنبي ويهددان بنقل الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي

إقتصاد ينكمش وأسعار الصرف وسط تقلبات حادة في أسواق طهران ( اندبندنت عربية )

ملخص

تكمن خطورة المرحلة الحالية في تزامن هذه الضغوط، إذ يتعرض النفط، وهو أهم مصادر النقد الأجنبي لإيران، لضغوط متزايدة وغير مسبوقة، بالتوازي مع تحركات أميركية تستهدف تضييق القنوات المصرفية والتجارية التي استخدمتها طهران طوال أعوام للالتفاف على العقوبات، ويحد ذلك من قدرتها على تحصيل عائداتها وتمويل الواردات، بينما يواصل ضعف الريال تغذية التضخم ورفع كلفة السلع ومدخلات الإنتاج.

يختصر الهبوط الحاد للريال الإيراني جانباً من المأزق الذي تواجهه البلاد، لكنه لا يروي القصة كاملة، فخلف المستويات القياسية التي يسجلها الدولار في السوق الإيرانية تتراكم ضغوط أكثر عمقاً، مع تراجع عائدات النفط وتضييق قنوات التجارة والتحويلات المالية وارتفاع كلفة الحصول على النقد الأجنبي، في وقت تواصل فيه الأسعار استنزاف القوة الشرائية للإيرانيين.

سجلت العملة الإيرانية، التي اعتادت موجات متكررة من التراجع، مستوى قياسياً جديداً بعدما تجاوز الدولار في السوق الحرة 250 ألف تومان، ووصل في تعاملات الإثنين الـ28 من سبتمبر (أيلول) إلى نحو 244 ألف تومان، مقارنة بنحو 135 ألفاً مطلع العام، مما يعكس حجم الضغوط التي تواجه سوق الصرف مع تقلص موارد البلاد من العملات الأجنبية.

وتكمن خطورة المرحلة الحالية في تزامن هذه الضغوط، إذ يتعرض النفط، وهو أهم مصادر النقد الأجنبي لإيران، لضغوط متزايدة وغير مسبوقة، بالتوازي مع تحركات أميركية تستهدف تضييق القنوات المصرفية والتجارية التي استخدمتها طهران طوال أعوام للالتفاف على العقوبات، ويحد ذلك من قدرتها على تحصيل عائداتها وتمويل الواردات، بينما يواصل ضعف الريال تغذية التضخم ورفع كلفة السلع ومدخلات الإنتاج.

ومع ذلك، لا يعني الهبوط القياسي للعملة أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، إذ راكم خلال عقود من العقوبات خبرة في البحث عن أسواق ومسارات مالية وتجارية بديلة، مستفيداً خصوصاً من علاقاته مع الصين وروسيا ودول الجوار، مما وفر له قدراً من القدرة على امتصاص الصدمات والحفاظ على جزء من تدفقاته التجارية.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ إذا لم تعد هذه القنوات قادرة على تعويض النقص في النقد الأجنبي وتأمين احتياجات الاقتصاد، ومن هنا، لا ترتبط نقطة التحول بمستوى محدد لسعر الريال، بل باللحظة التي يصبح فيها نقص العملات الأجنبية عائقاً أمام تمويل الواردات ومدخلات الإنتاج، بالتزامن مع استمرار التضخم وتراجع الإيرادات، وعندها يمكن أن تنتقل الأزمة من سوق الصرف إلى الاقتصاد الحقيقي.

اقتصاد ينكمش وأسعار ترتفع

وتكشف تقديرات صندوق النقد الدولي حجم الضغوط التي تواجه طهران، إذ يتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال 2026، مقارنة بتوقعاته في أبريل (نيسان) الماضي بانكماش نسبته 6.1 في المئة، فيما يقدر متوسط التضخم خلال العام بنحو 68.9 في المئة.

وأرجع الصندوق التحسن المحدود في توقعاته للنمو إلى أداء أفضل لصادرات النفط خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) وتخفيف بعض القيود على الصادرات، لكن هذه الصورة تغيرت بصورة حادة لاحقاً.

بعدما اقتربت تحميلات الخام والمكثفات الإيرانية من مليوني برميل يومياً في مارس، هبطت إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً في أغسطس (آب)، وفق بيانات أوردتها "رويترز"، فيما مرت نحو سبعة أسابيع من دون تسجيل صادرات كبيرة للخام الإيراني عبر مضيق هرمز، مما زاد الضغوط على أهم مصادر البلاد للنقد الأجنبي.

وتزامن تراجع الإيرادات النفطية مع ارتفاع التضخم السنوي إلى 66 في المئة خلال يوليو (تموز)، بينما تجاوز الدولار حاجز مليوني ريال للمرة الأولى في أغسطس (آب)، قبل أن يواصل صعوده إلى المستويات القياسية الحالية.

منافذ خارج القنوات الغربية

في مواجهة هذه الضغوط، ترى أستاذة الاقتصاد وعميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة سابقاً عالية المهدي أن طول فترة العقوبات منح إيران خبرة في إعادة توجيه تجارتها والبحث عن منافذ خارج القنوات الغربية التقليدية، مستفيدة من علاقاتها مع الصين وباكستان وأسواق آسيوية أخرى، إضافة إلى حدودها البرية الواسعة.

وبحسب المهدي، تساعد آليات التجارة البديلة طهران على الحفاظ على جزء من تدفقاتها التجارية، لكنها تصبح أكثر كلفة وأقل مرونة كلما اتسع نطاق القيود وتقلصت القنوات المتاحة.

الريال يضغط على معيشة الإيرانيين

لم يعد تراجع الريال مجرد رقم على شاشات الصرف، بل بات يظهر بصورة أكثر وضوحاً في الحياة اليومية للإيرانيين، فمع تجاوز الدولار 250 ألف تومان، أصبح شراء 100 دولار يتطلب أكثر من 24 مليون تومان، في صورة تختصر حجم التآكل الذي أصاب قيمة العملة وقدرتها الشرائية.

ويمتد أثر ذلك إلى الاقتصاد الداخلي، إذ يرفع ضعف العملة كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، لتنتقل الضغوط إلى الأسعار وتتآكل معها القدرة الشرائية للأسر.

ويربط الاقتصادي الإيراني وأستاذ الاقتصاد في جامعة "فرجينيا تك" جواد صالحي أصفهاني في تحليلات منشورة بين ضعف العملة وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية، واضعاً أزمة الريال ضمن دائرة أوسع تشمل انخفاض الإيرادات النفطية والعجز المالي والتوسع النقدي.

وتكمن خطورة هذه الدائرة في أن تراجع موارد النقد الأجنبي يحد من قدرة السلطات على التدخل في سوق الصرف، بينما قد يؤدي تمويل العجز بمزيد من السيولة المحلية إلى زيادة الضغوط التضخمية، بما يجعل تراجع الريال وارتفاع الأسعار يغذي أحدهما الآخر.

ولا تتوقف المعادلة عند حجم النفط الذي تستطيع إيران تصديره، بل تمتد إلى قدرتها على تحصيل عائداته واستخدامها في تمويل احتياجات الاقتصاد.

اقتصاد في غرفة الإنعاش

يصف الباحث الاقتصادي ومحلل النفط عامر الشوبكي الاقتصاد الإيراني بأنه داخل "غرفة الإنعاش"، في إشارة إلى حاجته إلى تدفقات مالية جديدة، موضحاً أن زيادة مبيعات النفط، إذا تحققت، لا تعني بالضرورة وصول عائداتها إلى الاقتصاد بالسرعة نفسها، في ظل القيود المصرفية والتجارية والقانونية التي تواجه طهران في تحصيل الأموال واستخدامها.

وبذلك يصبح حجم النقد الأجنبي المتاح فعلياً للاستخدام أكثر أهمية من القيمة الاسمية للصادرات، خصوصاً مع العقوبات الثانوية التي تهدد المؤسسات المتعاملة مع إيران بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

الصين وروسيا... منافذ بديلة

تبرز الصين باعتبارها أهم متنفس تجاري لإيران، إذ استحوذت خلال 2025 على أكثر من 80 في المئة من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً، بمتوسط بلغ نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق بيانات "كبلر".

وكشفت وكالة "رويترز" في سبتمبر عن آلية شبيهة بالمقايضة تستخدم عائدات النفط الإيراني في تكوين أرصدة لتمويل مشتريات من الصين من دون المرور بالقنوات المصرفية الدولية التقليدية. وبحسب مصادر مطلعة، مر ما بين ملياري دولار و2.5 مليار دولار عبر إحدى آليات الدفع الخاصة خلال عام، واستخدمت الأموال في شراء سلع شملت الأدوية والمركبات ومعدات الاتصالات، إضافة إلى تمويل مشروعات للبنية التحتية.

وتوفر روسيا مساراً آخر للتجارة والتسويات المالية بعيداً من الدولار، لكن هذه القناة تواجه بدورها ضغوطاً أميركية، ففي سبتمبر فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بنك "في تي بي"، أحد أكبر المصارف الروسية، وقالت إنه أقام علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية إيرانية خاضعة للعقوبات، وساعد في إنشاء نظام للتسوية بالريال والروبل، واتخذ خطوات لتحريك أصول إيرانية مجمدة بمليارات الدولارات.

وتظهر القناتان الصينية والروسية قدرة طهران على إيجاد مسارات بديلة للتجارة والتسويات المالية، لكنهما تكشفان في الوقت نفسه حدود هذه البدائل، ففاعلية القناة الصينية ترتبط باستمرار تدفقات النفط، بينما تخضع روسيا نفسها لعقوبات واسعة، مما يجعل هذه المسارات متنفساً للاقتصاد الإيراني من دون أن تشكل بديلاً متكاملاً عن الوصول إلى النظام المالي والأسواق العالمية.

الحصار يتجاوز النفط

لم تعد الضغوط تقتصر على صادرات النفط والتحويلات المالية، إذ وسعت وزارة خلال سبتمبر حملة "العزل الاقتصادي" (Operation Economic Outcast)، وفرضت عقوبات على شركات طيران إيرانية وشبكات ووسطاء مرتبطين بالقطاع، بالتوازي مع تشديد الضغوط على المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع طهران.

وفي الـ23 من سبتمبر، حظر مصرف الإمارات المركزي على بنك "ملّي" الإيراني ممارسة أنشطته في الإمارات، بسبب مخالفات تنظيمية مرتبطة بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، في خطوة تكتسب أهمية بالنظر إلى الدور الذي مثلته أبوظبي تاريخياً كإحدى القنوات التجارية المهمة لإيران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتمنح هذه التطورات الضغوط الحالية بعداً أوسع من استهداف عائدات النفط، إذ تمتد إلى القنوات التي تعتمد عليها إيران في تحريك الأموال والسلع والحفاظ على ارتباط اقتصادها بالأسواق الخارجية.

اختلالات سبقت الحرب

لكن الضغوط الخارجية جاءت فوق اختلالات اقتصادية سبقت الحرب، ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي والطاقة بمركز "الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" إبراهيم عبدالمحسن أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني التضخم والبطالة والفقر واضطراب سوق الصرف، فيما يهدد تراجع عائدات النفط والبتروكيماويات بمزيد من الضغط على موارد النقد الأجنبي.

وبذلك تواجه طهران الصدمة الحالية في وقت يعاني اقتصادها اختلالات مالية ونقدية متراكمة، مما يزيد حساسيته لاستمرار تراجع الصادرات وتضييق قنوات التجارة والتمويل.

ماذا بقي في يد طهران؟

لا تقف الحكومة الإيرانية من دون أدوات، فقد أكد محافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي مطلع سبتمبر أن البلاد تملك ما يكفي من النقد الأجنبي، وأن المصرف مستعد لضخ ما يصل إلى ملياري دولار لتهدئة تقلبات سوق الصرف، مشيراً إلى استمرار تحصيل مستحقات بالعملات الأجنبية ووجود موارد واحتياطات أخرى لم يكشف عن تفاصيلها.

لكن عدم إعلان حجم الموارد الأجنبية المتاحة فعلياً يجعل من الصعب تقدير المدة التي تستطيع خلالها طهران الدفاع عن العملة وتمويل الواردات إذا استمرت عائدات النفط تحت الضغط.

وهنا تكمن المعادلة الأصعب، إذ يمكن للتدخل في سوق الصرف أن يحد من التقلبات لبعض الوقت، كما تستطيع شبكات التجارة البديلة والإنتاج المحلي توفير جانب من احتياجات البلاد، لكن قدرة هذه الأدوات على امتصاص الصدمة تظل مرتبطة باستمرار تدفق النقد الأجنبي والسلع.

لذلك، لا يكفي انهيار الريال وحده للحكم بأن إيران دخلت أزمة اقتصادية شاملة، لكن الخطر يتزايد إذا تحول نقص النقد الأجنبي من ضغط على سعر الصرف إلى قيد على قدرة البلاد على تمويل الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، بالتزامن مع استمرار التضخم وتراجع الإيرادات.

عندها لن يكون تراجع الريال هو الأزمة في حد ذاته، بل المؤشر الأكثر وضوحاً إلى انتقال الضغوط من سوق الصرف إلى قدرة الاقتصاد الإيراني على تمويل احتياجاته والحفاظ على نشاطه.

اقرأ المزيد