ملخص
شهدت مكونات اليسار المغربي تفاوتاً في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة مقارنة باقتراع عام 2021، إذ أفلح تحالف اليسار الذي يضم "الحزب الاشتراكي الموحد" و"فيدرالية اليسار الديمقراطي" في رفع تمثيله من مقعدين فقط خلال انتخابات عام 2021 إلى ثمانية مقاعد في انتخابات عام 2026، أي بزيادة ستة مقاعد، في تحول عزز حضوره داخل مجلس النواب الجديد.
تضع نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وترتيبات المشهد البرلماني الجديد في المغرب إمكان تشكيل جبهة معارضة عابرة للمرجعيات الأيديولوجية، مشكّلة من يساريين وإسلاميين، أمام اختبار حقيقي، بعدما برزت محاولات لتوسيع التنسيق داخل اليسار، فيما حسم "حزب العدالة والتنمية" موقعه في خندق المعارضة.
وإذا كان التقارب بين مكونات اليسار يبدو أكثر انسجاماً من الناحية الفكرية، فإن تجربة التعاون السابقة بين حزبي "التقدم والاشتراكية" (يساري) و"العدالة والتنمية" (إسلامي) في ولايتين حكوميتين متتاليتين تفتح الباب أمام التساؤل عن مدى إمكان انتقال المعارضة من مجرد تموقع متوازٍ إلى تنسيق يجمع اليساريين والإسلاميين حول ملفات وقضايا مشتركة.
خريطة برلمانية
وشهدت مكونات اليسار المغربي تفاوتاً في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة مقارنة باقتراع عام 2021، إذ أفلح تحالف اليسار الذي يضم "الحزب الاشتراكي الموحد" و"فيدرالية اليسار الديمقراطي" في رفع تمثيله من مقعدين فقط خلال انتخابات عام 2021 إلى ثمانية مقاعد في انتخابات عام 2026، أي بزيادة ستة مقاعد، في تحول عزز حضوره داخل مجلس النواب الجديد.
في المقابل، تراجع "حزب التقدم والاشتراكية" من 22 مقعداً خلال انتخابات عام 2021 إلى 19 مقعداً في انتخابات عام 2026، أي بفقدان ثلاثة مقاعد، مما يضع هذا الحزب أمام الحاجة إلى البحث عن تحالفات برلمانية جديدة، خصوصاً أن عدد مقاعده لا يتيح له بمفرده تشكيل فريق نيابي وفق القواعد المعمول بها.
أما "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، فسجل بدوره تراجعاً في عدد مقاعده من 34 مقعداً عام 2021 إلى 26 مقعداً في انتخابات العام الحالي، أي بفقدان ثمانية مقاعد، ومع ذلك ظل الحزب من أبرز المكونات البرلمانية المعارضة بحضور يفوق ما حصل عليه "التقدم والاشتراكية" وتحالف اليسار، كل على حدة.
على الجانب الآخر، حقق "حزب العدالة والتنمية" أكبر تحول عددي بين هذه القوى، إذ انتقل من 13 مقعداً خلال انتخابات عام 2021 إلى 54 مقعداً في انتخابات عام 2026 بزيادة قدرها 41 مقعداً دفعة واحدة، وهي النتيجة التي تمنح الحزب وزناً برلمانياً أكبر بكثير داخل المعارضة مقارنة بالولاية السابقة.
وباحتساب المقاعد التي حصل عليها "العدالة والتنمية" 54 مقعداً، و"الاتحاد الاشتراكي" 26 مقعداً، و"التقدم والاشتراكية" 19 مقعداً، وتحالف اليسار ثمانية مقاعد، يصل مجموعها حسابياً إلى 107 مقاعد، غير أن هذا الرقم لا يمثل تحالفاً قائماً أو كتلة برلمانية موحدة، وإنما يعكس فقط الوزن العددي الذي يمكن أن تمتلكه هذه القوى مجتمعة إذا نشأ بينها تنسيق حول ملفات أو مبادرات محددة.
وفي خصوص الاصطفافات، فإن "حزب العدالة والتنمية" حسم أمره بصورة مبكرة، حتى قبل تعيين رئيس الحكومة الجديد بالتموقع في صف المعارضة، والحال نفسها عبّر عنها تحالف اليسار، بينما لم يحسم حزبا "التقدم والاشتراكية" و"الاتحاد الاشتراكي" موقعهيما بصورة رسمية بعد.
تحالفات القضية؟
في هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية في "جامعة مراكش" عبدالرحيم العلام "من الممكن جداً أن تتحالف أحزاب اليسار مع حزب العدالة والتنمية (الإسلامي)، خصوصاً في القضايا التي لا ترتبط بالعقيدة والأيديولوجيا من قبيل حقوق الإنسان وحريات التعبير والتطبيع"، ورجّح أن يركز "حزب العدالة والتنمية" خلال فترة معارضته على هذا النوع من القضايا تحديداً، متجنباً المسائل العقائدية، في حين ستحاول الحكومة نفسها على الأرجح الابتعاد قدر الإمكان من هذه الملفات حتى لا تتيح للإسلاميين فرصة معارضتها من خلالها، ومن ثم كسب أصوات الفئات المحافظة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف العلام أن "التحالف بين اليسار وبين العدالة والتنمية ليس مستبعداً تكتيكياً من الناحية الاستراتيجية، فالتجربة أثبتت إمكانه في قضايا عدة، إذ تتقاطع المصلحة السياسية الآنية أكثر مما تتقاطع الرؤية الأيديولوجية"، لافتاً إلى أن الأيديولوجيا "تظل عاملاً مقسماً بنيوياً لا ظرفياً، فالتصور اليساري للدولة والمجتمع والدين يختلف جوهرياً عن التصور الإسلامي المحافظ، وهذا التباين يجعل أي تقارب محكوماً بالقضية بذاتها لا بتحالف استراتيجي شامل"، وزاد أن قاعدتي الحزبين الانتخابيتين متباعدتان اجتماعياً وثقافياً، "مما يجعل التقارب مكلفاً سياسياً للطرفين أمام ناخبيهما، لذلك، فالأقرب إلى الواقع هو تحالفات القضية محدودة الأفق، لا التحالف السياسي المستقر، وهو نمط شائع في أنظمة تعدد الأحزاب حين تلتقي أطراف متباعدة أيديولوجياً حول عدو أو ملف مشترك موقت"، وخلص العلام إلى أنه "يجب ألا يُستغرب هذا التقارب المحتمل، فالعدالة والتنمية سبق له أن تحالف مع حزب التقدم والاشتراكية خلال حكومة عبد الإله ابن كيران، ولم ينفرط تحالفهما على رغم كل التحديات، كما سبق لليساريين والإسلاميين أن تحالفوا في مناسبات أخرى عدة".
تنسيقات تكتيكية
لا يبدو أن مثل هذا التقارب بين الإسلاميين واليساريين في المغرب، إن حصل، سيكون بالضرورة في صورة تحالف سياسي شامل داخل البرلمان، بالنظر إلى استمرار التباينات العميقة بين المرجعيتين في شأن قضايا مجتمعية وحقوقية وأيديولوجية عدة. في المقابل، قد يوفر وجود تقاطعات بين الطرفين في ملفات من قبيل حقوق الإنسان وحريات التعبير والعدالة الاجتماعية ودعم فلسطين أرضيات مناسبة لتنسيق برلماني تكتيكي قادر على تعزيز حضور المعارضة في مواجهة الحكومة الجديدة المقبلة.
وسبق أن التقت مكونات من الطرفين في عدد من الملفات والقضايا، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إذ شاركت قوى يسارية وإسلامية، فضلاً عن فعاليات سياسية ومدنية من خلفيات مختلفة، في تحركات وفعاليات داعمة للفلسطينيين. وتعود إحدى أبرز سوابق التلاقي بين الإسلاميين واليساريين لحركة الـ20 من فبراير (شباط) عام 2011، خلال مرحلة "الربيع العربي" التي جمعت تيارات سياسية وأيديولوجية متعددة حول مطالب الإصلاح السياسي والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، ولم تكُن الحركة تحالفاً حزبياً منظماً بين "العدالة والتنمية" واليسار، لكنها شكلت تجربة لافتة في إمكان اشتغال تيارات مختلفة داخل فضاء احتجاجي واحد.
ويشمل التقارب الممكن بين الإسلاميين واليساريين أيضاً قضايا مرتبطة بالإنصاف والعدالة الانتقالية ومناهضة بعض أنواع التضييق السياسي والحقوقي، وهي ملفات قد توفر أرضية لتنسيق محدود حول مبادرات أو مواقف بعينها، من دون أن تعني بالضرورة نشوء تحالف سياسي أو فكري بين الطرفين، غير أن السابقة الأهم التي تتجاوز التنسيق الظرفي تظل في تجربة "العدالة والتنمية" و"التقدم والاشتراكية" داخل الحكومة، إذ شارك الحزبان في حكومتي عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني، على رغم الاختلاف الواضح بين مرجعيتيهما الإسلامية واليسارية.
ضيق الهوامش
أمام هذه التحليلات في شأن التحالفات والاصطفافات الممكنة والمستحيلة، ضيّق الأمين العام لـ"الحزب الاشتراكي الموحد" (اليساري) جمال العسري هامش التكهنات والتوقعات، عندما استبعد بصورة كاملة التحالف مع أحد مكونات اليسار، وهو "حزب التقدم والاشتراكية".
وهذا التأكيد الصريح بعدم تحالف "تحالف اليسار"، المشكل من "الحزب الاشتراكي الموحد" و"فيدرالية اليسار الديمقراطي"، مع يساريي "التقدم والاشتراكية"، جاء ليضع حداً لآمال محمد نبيل بنعبد الله الذي لم يُخفِ إمكان التحالف مع اليساريين لتقوية عضد هذا الطيف السياسي داخل قبة البرلمان.
وحول التحالف مع إسلاميي "العدالة والتنمية"، يبقى موقف تحالف اليسار متحفظاً جداً من إمكان إقامة أي ارتباط في هذا الصدد، من خلال تأكيد العسري أن الحلفاء الطبيعيين لحزبه هم "الأحزاب اليسارية التقدمية الديمقراطية التي تنهل من نضالات الشعب المغربي"، غير أنه ترك الباب موارباً بالقول إنه يمكن التحالف أيضاً مع من سماهم "الحلفاء الموضوعيين"، من دون أن يحدد من هم هؤلاء الحلفاء الموضوعيون.
أما بخصوص "حزب العدالة والتنمية"، فلم يُطرح إلى اليوم أي سيناريو عن إمكان التحالف مع اليساريين لتكبير وتوسيع قاعدة المعارضة، إذ يبدو منتشياً بحصيلته وغلته التي تزايدت أربع مرات داخل مجلس النواب، لكنه ليس مستبعداً تماماً أن يمد يده إلى قوى يسارية عند التصويت على قوانين يرفض إخراجها أو يطالب بتعديلها، أو في ملفات اجتماعية واقتصادية مهمة.