ملخص
تختلف المشاعر المتعلقة بشراء الحقيبة بين حرقة فراق وفرحة لقاء، ويأمل السوريون أن تكون الأيام المقبلة بداية جديدة عنوانها "التطلع إلى غد أفضل يستقطب أبناء سوريا المهاجرين".
بحرص بالغ أمسكت دموعها في محجر عينها المتعبة خشية سقوط قطرة تكشف ما بداخلها أمام ولدها المقبل على الهجرة، في لحظة اختياره حقيبة سفره بدأ ناقوس الخطر يقرع فؤادها، غصّة تغلغلت إلى القلب، وكأن لحظة الفراق حقاً بدأت تواً، هذه القطعة المصنوعة من القماش والجلد ذات اللون الأسود بدت كرصاصة البداية لمشوار طويل وفراق يعتصر أفئدة الأحبة.
معاني الانتقال
حال أم عرفان كحال كثر قصدوا "سوق الخجا" في أول خطوة من خطوات الرحيل. هذه السوق التي تعد من أكثر الأسواق الشعبية شهرة في العاصمة دمشق والمتخصصة ببيع الحقائب، عاشت ذروة نشاطها وحركتها التجارية مع بداية الحرب السورية عام 2011 حين اندلع الحراك الشعبي لإسقاط نظام الأسد. حينذاك وقع صراع مسلح اتسع في ريف دمشق دفع السوريين للارتماء بأحضان البحار حاملين حقائبهم ومعها أحلامهم، يشقون طريقهم ترحالاً بأصقاع الدنيا الواسعة بعدما ضاقت بهم الأرض بما رحبت.
في الأثناء، ظلّت السوق طيلة أعوام مركزاً يزوره كل راغب بالهجرة، فالحقيبة في هذا المكان لها سمعة لا تضاهى، فضلاً عن وجود تنوع واسع لن تشاهده في مكان آخر. تروي أم عرفان "فضلت اختيار حقيبة ولدي الوحيد المقبل على السفر لإكمال دراسته خارج البلاد، هنا تشاهد أنواعاً من الحقائب لن تراها إلا في هذه السوق، لا سيما الخاصة بالسفر".
في المقابل يتحدث أحد اللاجئين في ستوكهولم، العاصمة السويدية، عن رحلة وصوله إلى هذا البلد، وأن البداية كانت من شراء الحقيبة من "سوق الخجا" التي "قصدناها بهدف شراء حقيبة تحمل وزناً خفيفاً وتعلق على الكتف بناء على توصيات المهرب المسؤول عن إيصالنا عبر القارب المطاطي من الجزيرة التركية إلى الضفة الأخرى. كان يمنع الركاب من حمل حقائب كبيرة ويطلب منهم استبدالها بأخرى صغيرة تتسع لبضعة كيلوغرامات لتفادي غرق المركب، وأيضاً إفساحاً في المجال أمام مزيد من الأشخاص الراغبين بالمغادرة. حملت في حقيبتي جواز السفر وبعض الوثائق الشخصية وصور عائلتي".
وسجلت سوريا حينها أكبر موجة نزوح في العالم مع مغادرة ملايين السوريين إلى دول مختلفة، ولكن مشاهد الجثامين على الشواطئ كشفت حجم الكارثة الإنسانية، ولولا العثور على حقائبهم وهوياتهم لدفنوا في بلاد غريبة بأسماء مجهولة.
تاريخ السوق
"سوق الخجا" وإن يغلب عليها الطابع التجاري فإن اسمها ارتبط بالأسواق الشعبية الدمشقية كسوق متخصصة بالمستلزمات الجلدية من كافة أنواع الحقائب سواء السفر أو المدرسة أو تلك الخاصة بالسيدات وكذلك حقائب طلاب الجامعات والشبان والأحزمة وغيرها. إنها سوق معاصرة بطراز عربي تقليدي تقع في شارع الثورة بمنطقة ساروجة الأثرية وسط العاصمة دمشق، وعلى رغم أنها شيدت عام 1985 إلا أن لها عمقاً تاريخياً إذ إنها أنشئت كسوق بديلة لـ"سوق الخجا" القديمة التي تقع إلى جانب سوق الحميدية والملاصقة لقلعة دمشق، التي هدمت بهدف إحياء مشروع السور الغربي للقلعة.
ويحكي أحد أقدم البائعين في "سوق الخجا"، أسامة النحلاوي أبو باسل (80 سنة) عن فترة حياته التي قضاها في السوق منذ عام 1958، يقول كانت تتوفر فيها كل المنتجات قبل هدمها في زمن حكم حافظ الأسد الذي كان يخشى أمنياً من النزول والصلاة في الجامع الأموي، وإثر ذلك هدم حي المسكية بأكمله قبل يومين من صلاة العيد، بحسب حديثه.
وتابع "بعد عملية الهدم عملنا على إنشاء جمعية تعاونية لـ’سوق الخجا‘ ضمت 270 محلاً تمتد نحو النهر خاصة بالحقائب، أما السوق من جانب القلعة مخصصة للألبسة والثريات وغيرها من التراثيات، وامتدت حتى سوق الحميدية. وفي فترة الثمانينيات أنشئت السوق الحالية بطابقين أول وثان إضافة إلى الطابق الأرضي".
ويعتقد النحلاوي، الملقب بأبو باسم، أن سبب تسمية "سوق الخجا" بهذا الاسم يعود، حسب ما جرى تداوله حينها، إلى الفترة العثمانية نسبة لصاحب السوق الذي كان يرخي لحيته ووقتها كانوا يسمونه "الخجا".
من الانكشارية إلى زمن الطائرات
في غضون ذلك، يعود سبب إنشاء السوق إلى الجنود الانكشارية في العهد العثماني الذين اضطروا إلى العمل في إعمار سوق "الخجا القديم" للحصول على المال اللازم لمعيشتهم بعدما عجزت الحكومة في ذلك الوقت عن تأمين مرتباتهم، بحسب رواية المؤرخ قتيبة الشهابي، وامتدت على طول الجدار الغربي لقلعة دمشق وموازية لجادة السنجقدار، وتأسست بتشجيع من الوالي العثماني، حسين كاظم باشا، إبان ولايته الأولى.
وبنيت السوق في العهد العثماني وشيدت بطريقة تشبه إلى حد كبير سوق "الحميدية" الشهير، ومنذ إنشاء السوق كانت تحوي كثيراً من البضائع والمنتجات، ولكن غالبها من منتجات الجلديات، وتقول الروايات التاريخية إلى عرض السوق كذلك للملابس العسكرية وأشغال الخرز المصنوعة من قبل سجناء قلعة دمشق منها حقائب نسائية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشتكي أحد البائعين القدامى (نصف قرن) بالعمل، محمد جلال الحلبي (أبو هيثم)، تراجع شراء حقائب السفر بعد رواجها بصورة غير مسبوقة في فترة الحرب مقابل طلب جديد على ما يطلق عليه (الحافظات) وهي حقائب محشوة بمواد خاصة من شأنها أن تحافظ على برودة أو سخونة المأكولات، وتستخدم بالرحلات حيث تحتفظ بالحرارة أو البرودة لمدة ثماني ساعات.
ويضيف "السوق معروفة وقديمة ولا تزال تحافظ على عملها، وعلى رغم تجديدها لا تزال تشتهر بالحقائب على أنواعها المخصصة للسفر أو الدراسة وغيرها".
بين الحزن والفرح
في "سوق الخجا" تختلط مشاعر الحزن مع مشاعر الفرح، إذ تلحظ السوق أيضاً وجود عائلات تريد شراء حقائب لتوضيب أمتعة السفر استعداداً للمغادرة إلى حيث يلتقون بأولادهم أو أقربائهم.
يقول ضياء قواف "سنلتقي مع ابننا المهاجر إلى السويد منذ أكثر من عقد من الزمن، التقينا سابقاً في لبنان قبل أعوام، واليوم سنسافر إليه مجدداً، فرحتنا كبيرة اشترينا حقائب وسنملأها بالمؤونة التي يحبها".
وتختلف المشاعر المتعلقة بشراء الحقيبة بين حرقة فراق وفرحة لقاء، ويأمل السوريون أن تكون الأيام المقبلة بداية جديدة عنوانها "تطلع إلى غد أفضل يستقطب أبناءه المهاجرين".