ملخص
تبقى ندوب الحرب حاضرة في الخرطوم. فجسر شمبات الذي كان شرياناً حيوياً بين شطري المدينة، لا يزال جزء منه مفقوداً منذ تعرضه لغارة جوية. وفي وسط العاصمة، تنتشر سيارات متروكة سرقت إطاراتها ونخر الرصاص هيكلها.
بعد فرارهم أثناء الحرب، عاد قسم كبير من سكان الخرطوم إليها آملين باستعادة حياتهم، لكنهم باتوا أمام خيار المغادرة مجدداً أو البقاء على مضض، في ظل افتقارها لمقومات حياتية أساسية، على رغم مرور أشهر على عودتها إلى كنف الجيش.
ترك نحو 4 ملايين شخص العاصمة بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" خلال أبريل (نيسان) 2023. ويقدر أن 2.7 مليون شخص عادوا بعدما استعاد الجيش المدينة عام 2025.
لكن بالنسبة إلى كثر، زالت فرحة العودة أمام الواقع المعيشي الصعب. وأبلغ مسؤولون حكوميون طُلبت منهم العودة إلى الخرطوم، بأنهم يعتزمون كذلك إبقاء أسرهم في الخارج.
من هؤلاء رجل الأعمال عماد خالد أحمد (43 سنة) الذي عادت أسرته من القاهرة قبل شهر، لكنه بات يستعد لإعادتها مجدداً إلى العاصمة المصرية. ويضيف، "لا أقول إني نادم، لكن قرار عودة الأسرة كان خطأ".
تبقى ندوب الحرب حاضرة في الخرطوم. فجسر شمبات الذي كان شرياناً حيوياً بين شطري المدينة، لا يزال جزء منه مفقوداً منذ تعرضه لغارة جوية. وفي وسط العاصمة، تنتشر سيارات متروكة سرقت إطاراتها ونخر الرصاص هيكلها.
وفي حين سعى قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان إلى تسويق عودته إلى الخرطوم كمحطة مفصلية، تكشف خلفية المشاهد التي نشرها الجيش حجم الدمار، فالقصر الجمهوري مجرد هيكل لما كان عليه، وداخله فارغ بمعظمه بعدما تعرض للنهب والتخريب على يد قوات "الدعم السريع".
"في حلقنا غصة"
على رغم ذلك، يشجع الجيش السكان على العودة، وأعاد بناء المطار وافتتحه من جديد لتسيير الرحلات الداخلية، وبدأ بتأهيل بعض البنى التحتية. إلا أن ذلك لم يكف لعودة الخدمات فالكهرباء والمياه لا تزالان تقطعان لأيام متتالية، ويعاني كثر للتبضع في ظل أسعار باهظة تواصل الارتفاع يومياً.
وتقول سعاد محمد إدريس (49 سنة) إنها عادت إلى منزلها في الخرطوم بحري لتجد أن أثاثه قد سرق. في ظل عجزها عن شراء ثلاجة جديدة، باتت تضطر إلى شراء المواد الغذائية يومياً.
وتضيف السيدة، وهي أرملة وأم لستة أولاد "لا بد أن أشتري الخضراوات واللحمة يومياً والأسعار مرتفعة وكل يوم في زيادة... صحيح جئنا بشوق لبلدنا، لكن الغلاء طاحن".
تركزت العودة في الأحياء الشعبية، بينما تبقى مناطق راقية تنتظر أهلها، مثل الخرطوم 2 حيث ينتشر الزجاج المتكسر في شوارعها المظللة بالشجر، بين منازل فخمة بعضها مدمر، في صمت لا تخرقه سوى زقزقة العصافير.
وبعد ثلاثة أشهر من العودة، تحزم ثريا بابكر (86 سنة) حقائبها مجدداً. وتقول، "أنا وزوجي وابنتي الصغيرة سنغادر... طبعاً لم نكن نريد أن نغادر، لكن وضعنا الصحي وصعوبة الحصول على العلاج" يحتمان ذلك.
ويشكّل وضع القطاع الصحي الذي تعرض لضرر بالغ في الحرب، أولوية لكثر. وعلى رغم أن جمعيات خيرية أعادت تأهيل بعض المستشفيات مع بدء عودة السكان عام 2025، يبقى كثير من المستلزمات الطبية غير متوافر.
وتقول الطبيبة هيفاء عمر "نحاول بقدر الإمكان ألا يضطر المريض وأهله إلى إجراء أي فحوص أو صور أشعة خارج المستشفى". وتضيف "لكن بعض الأدوية لا تتوافر... نطلب من المريض شراءها من خارج المستشفى وفي حلقنا غصة لأننا نعرف ظروف الناس".
حتى خارج المستشفى، ليس من السهل العثور على الدواء، بحسب ما يؤكد إمام بكر عباس الذي عاد إلى جنوب الخرطوم برفقة زوجته وطفليه ووالديه، بعدما أمضوا ثلاثة أعوام في القاهرة.
وأمام صيدلية، يقول الرجل البالغ 34 سنة، "والدي مصاب بضغط الدم، وللحصول على الدواء، علي أن أدخل 10 صيدليات لأجده، وسعره يتغير يومياً".
ويعاني عباس لحفظ الأنسولين مبرداً لوالدته المصابة بداء السكري. ويوضح أنه ابتاع ثلاجة "لكن الكهرباء تنقطع 12 ساعة في اليوم، فيتلف".
"الأمور ليست بخير"
أصبحت الخرطوم حالياً ظلاً لما كانت عليه ذات يوم: عاصمة أفريقية كبرى يزيد سكانها على 8 ملايين نسمة. ويقول مسؤول أممي في الخرطوم إن حجم الدمار يفوق كل النزاعات التي شهدها ومنها أوكرانيا.
وعلى رغم أن قوات "الدعم السريع" تشن هجمات متفرقة بالمسيرات على الخرطوم، تتمسك السلطات بعودة الأمور إلى طبيعتها.
وهي أنهت نظام التعليم عن بعد في الجامعات خلال يوليو (تموز) الماضي، وبات لزاماً على الطلاب العودة. ودفعت هذه الخطوة أساتذة الطب في جامعة الخرطوم إلى التلويح بتقديم استقالة جماعية.
وتقول إحدى طالبات الماجستير، "رفضت الجامعة مناقشة بحث للماجستير عبر الإنترنت"، على رغم أن المشرف عليها "موجود في دولة أخرى".
أما طالبة أخرى كان من المقرر أن تبدأ العام الأخير من مرحلة الإجازة في إدارة الأعمال، فباتت تسابق الزمن للحصول على منحة في مصر لبدء الدراسة من جديد، بعدما فاتتها الاختبارات الحضورية هذا الصيف. وتقول بحسرة "لم يصغوا إلينا، كل ما كان يهمهم هو أن يعود الناس".
وتختم الشابة التي طلبت عدم ذكر اسمها "الأمر سياسي، فهم يريدون عودة الناس ليظهروا أن الأمور على ما يرام، لكنها... ليست على ما يرام أبداً".