ملخص
كانت المسارح التي عرضت فيها مسرحيات شكسبير مختلفة جذرياً عن المسرح الحديث، حيث كان الجمهور يحيط بالخشبة من ثلاث جهات، وكان قسم منه يقف في الساحة المكشوفة قريباً جداً من الممثلين، بينما يجلس آخرون في الشرفات. وكان الجمهور متنوعاً اجتماعياً، من عامة الناس إلى الأغنياء والأرستقراطيين.
ما من باحث أو ناقد تعامل مع تاريخ شكسبير وأعماله المسرحية، الاستثنائية في تاريخ البشرية، إلا وجاء على ذكر الكيفية والإلحاح اللذين تعامل بهما كاتب الإنجليز الأكبر هذا، مع المسرح نفسه، وليس هنا تحديداً كمكان يقدم فيه أعماله وأفكاره أمام جمهوره، بل أيضاً كموضوع مباشر أو رمزي أو على شكل كناية.
ونحن نعرف طبعاً أن المسرح نفسه كثيراً ما يحضر في حوارات وأجواء المسرحيات الشكسبيرية، إلى درجة تبدو مبالغة فيها أحياناً، وفي أحيان عديدة كجزء من الفعل المسرحي نفسه. وليس أدل على ذلك مما يحدث في مسرحية "هاملت" حيث ثمة ما نسميه اليوم "مسرحية داخل المسرحية" لا يكون وجودها في الفعل المسرحي بريئاً أو للزينة، بل متعمداً بالنظر إلى أن هاملت نفسه يعتمد على تلك المسرحية للكشف عن حقيقة الجريمة المرتكبة ضد أبيه ملك الدنمارك.
والحقيقة أنه على رغم التعبير المتكرر عن حضور المسرح في الفعل الحدثي والحوارات في عدد كبير من المسرحيات الشكسبيرية وملاحظات الباحثين حول هذا الأمر وإشارتهم إليه، احتاج الأمر إلى اهتمام خاص أبداه باحث فرنسي هو جورج بانو، كي يصدر خلال عام 2009 كتاباً بعنوان "شكسبير: إنما الدنيا مسرح كبير" جمع فيه ما تيسر له من إشارات للمسرح في نصوص ومواضيع الكاتب الكبير.
ونعرف على أي حال أن العنوان نفسه مستعار من جملتين حواريتين شكسبيريتين متطابقتين بامتياز وردت إحداهما في مسرحية "ماكبث" والثانية من مسرحية "كما تشاء" ومع ذلك فإن الباحث، وهو أستاذ في جامعة السوربون يفيدنا بأن الكتاب إنما ولد لديه وهو في القطار عائد من مدينة ليموج حيث كان شهد عرضاً لمسرحية شكسبيرية ثالثة هي "حلم ليلة صيف".
المسرح ليس مكانا فقط
إذاً، يروي بانو أن الفكرة واتته وهو نصف نائم في القطار، فيما كان يقرأ الترجمة التي قدمت ويكتشف "ما كان معروفاً بوفرة من قبل" وهو بالتحديد أن المسرح عند شكسبير ليس مجرد المكان الذي تجري فيه الأحداث، ولا مجرد الوسيلة التي تقدم بها الحكاية إلى الجمهور. بل إنه، في عدد كبير من مسرحياته، "موضوع قائم بذاته، بل يكاد يكون أحياناً استعارة كبرى للحياة الإنسانية". فشكسبير، الذي كان في الوقت ذاته شاعراً وكاتباً للمسرح وممثلاً وشريكاً في فرقته المسرحية، كان يعرف المسرح من الداخل، ويعرف إمكاناته وحدوده، ويعرف كذلك أن الجمهور ليس كتلة صامتة تجلس في الظلام، كما أصبح الأمر في المسرح الحديث، بل طرف أساسي في عملية التخييل.
ويذكر الكاتب هنا بأن "المسارح التي عرضت فيها مسرحيات شكسبير كانت مختلفة جذرياً عن المسرح الحديث"، حيث في مسرح "الغلوب"، مثلاً "كان الجمهور يحيط بالخشبة من ثلاث جهات، وكان قسم منه يقف في الساحة المكشوفة قريباً جداً من الممثلين، بينما يجلس آخرون في الشرفات". وكان الجمهور متنوعاً اجتماعياً، من عامة الناس إلى الأغنياء والأرستقراطيين. وكان المتفرجون يتفاعلون مع العرض بالضحك والتصفيق والهتاف والاستنكار، ولم يكن مطلوباً منهم الصمت التام الذي أصبح قاعدة في المسرح الحديث.
الخشبة والجمهور
هذه الظروف تفسر جانباً أساسياً من فن شكسبير، فالخشبة لم تكن مزودة بالديكورات الضخمة التي نعرفها اليوم، ولم تكن الستارة تهبط بين المشاهد. كان المكان يتشكل أساساً بواسطة اللغة وحركة الممثلين وخيال الجمهور. يمكن أن تصبح الخشبة، في لحظات قليلة، قصراً أو غابة أو ساحة حرب أو مقبرة، ولذلك كان على شكسبير أن يجعل المتفرج شريكاً في خلق المكان.
ومن هنا يأتي الحضور اللافت للمسرح بوصفه استعارة للحياة، ففي "كما تشاء" يقول جاك عبارته الشهيرة التي تبدأ بفكرة إن "العالم كله مسرح"، ثم يقسم حياة الإنسان إلى أدوار ومراحل. و"ليست الفكرة مجرد تشبيه شعري؛ إنها تكشف عن أحد المفاتيح العميقة لفكر شكسبير: الإنسان يؤدي دوراً أمام الآخرين، والمجتمع نفسه خشبة، والهوية قد تكون، إلى حد ما، قناعاً". لكن شكسبير يذهب أبعد من ذلك. ففي "هاملت" يصبح المسرح أداة لاكتشاف الحقيقة.
يطلب هاملت من الممثلين أن يقدموا أمام الملك مسرحية تعيد تمثيل جريمة قتل أبيه. هنا يصبح التمثيل أكثر صدقاً من الكلام العادي؛ فالمسرح الذي يبدو وهماً يستطيع أن يكشف حقيقة يخفيها الواقع. إن كلوديوس يستطيع أن يكذب، وأن يتظاهر بالبراءة، لكنه لا يستطيع أن يحتمل رؤية جريمته ممثلة أمامه. ولهذا ينهض المسرح في "هاملت" بوصفه نوعاً من الاختبار النفسي والأخلاقي للحقيقة.
"العاصفة" وصية مسرحية
وتتكرر الفكرة بأشكال مختلفة في "حلم ليلة صيف" فالعرض المسرحي الذي يقدمه الحرفيون أمام النبلاء يتحول إلى مسرح داخل المسرح، وفيه شيء من السخرية من الفن المسرحي نفسه، لكن شكسبير لا يكتفي بالسخرية. فالجمهور داخل المسرحية، مثل الجمهور الحقيقي خارجها، يضطر إلى قبول لعبة الخيال.
وهنا تصبح الحدود بين الواقع والتمثيل رخوة ومتحركة. أما في "العاصفة"، فإن فكرة المسرح تقترب من بعدها الفلسفي الأكثر وضوحاً. فبروسبرو، الذي يسيطر على الجزيرة وعلى الشخصيات من خلال السحر، يشبه المخرج الذي يصنع عالماً موقتاً ثم يتخلى عنه. وعندما يقرر التخلي عن سحره، يبدو كأنه ينسحب من المسرح نفسه. ولهذا ارتبطت المسرحية، على نحو متكرر، بفكرة وداع شكسبير للمسرح، حتى وإن كان من الصعب اعتبارها، تاريخياً، "وصية" شخصية منه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والأهم أن شكسبير لا يقيم جداراً صلباً بين الجمهور والخشبة. فالمونولوغ والمناجاة، كما في "هاملت" و"ماكبث"، يجعلان المتفرج شريكاً في معرفة ما لا تعرفه الشخصيات الأخرى. حين يقول هاملت "أكون أو لا أكون"، لا نراقب شخصية تفكر من الخارج، بل ندخل معها إلى فضاء تفكيرها الداخلي. "وهكذا يتحول المسرح، كما اعتاد الباحثون إخبارنا، من مكان للفرجة إلى مكان للمشاركة في الوعي".
ولذلك يمكن القول إن حضور المسرح عند شكسبير يحمل مفارقة أساسية: المسرح هو فن الوهم، لكنه يستطيع أن يكون أكثر الوسائل قدرة على كشف الحقيقة. والإنسان ممثل، لكنه من خلال تمثيله قد يكتشف حقيقته. والجمهور يتفرج على عالم متخيل، لكنه في الوقت ذاته يرى نفسه فيه. ولعل هذا هو أحد أسرار استمرار شكسبير: أنه لم يكتب فقط مسرحيات تعرض على الخشبة، بل كتب عن المسرح بوصفه صورة للحياة نفسها. وهذا هو، على أي حال الاستنتاج الذي يخلص إليه الكتاب الفرنسي الذي لعل أهم ما فيه أنه جمع كل ما كان معروفاً من قبل، بل متداولاً بكثرة عن العلاقة بين مسرح شكسبير والمسرح نفسه، في نص أخاذ يذكر القارئ بكل ما كان يعرفه من قبل حول موضوع لم يكن ليخطر في باله أنه يستحق أن يعيش بين دفتي كتاب ذات يوم، مؤكداً مرة أخرى، أن النصوص الشكسبيرية لم تقل، بعد، ولو جزءاً يسيراً مما تحمله رغم بحوث وتعليقات لا تتوقف عن الظهور منذ ما لا يقل عن نصف ألفية من السنين!