Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدراما عندما تقدم العنف كانتقام لعذابات النساء

ليزي الجميلة والرقيقة تقتل والدها وزوجته بالفأس في أميركا القرن الـ19

الإبنة القاتلة تهوى تربية الحمام (نتفليكس)

ملخص

المشاهدات الغزيرة التي تحظى بها مواسم مسلسل "مونستر" ((monster يبدو أنها آخذة في الازدياد، مما يعكس ظاهرة قديمة ومتجددة حول "الغرام بالعنف"، وهو أمر يستحق التوقف عنده من لدن علماء النفس والتربية والاجتماع.

المسلسل (منصة نتفليكس)، بأجزائه الأربعة، مخصص لفئة (18 سنة فما فوق) لكنه متاح بحكم غياب الرقابة العائلية لكل الأفراد، مما يطرح أسئلة كبرى حول تفسير تزايد العنف واستساغته في الحياة المعاصرة. فما كان يخشى المخرجون من الاقتراب منه، لغايات صيانة المشاعر وعدم إرهاق أصحاب القلوب الضعيفة، تراجع إلى أدنى قائمة اهتمامات صناع الدراما المهووسين بالتكسب، وشهوة الحضور.

وبدافع من نجاحات المسلسل في مواسمه الثلاثة الأولى التي انطلقت على منصة "نتفليكس" منذ عام 2022، جاء الجزء الرابع الذي يعد أهم الأجزاء التي شارك في ابتكارها المخرج رايان ميرفي بالتعاون مع إيان برينان اعتماداً على مختارات من الجرائم الواقعية.

الجزء الرابع حمل عنوان "Monster: The Lizzie Borden Story" وعرض أخيراً في ثماني حلقات كتبها إيان برينان، وجاء بطريقة أكثر ذكاء وجاذبية من سابقيه، لأنه للمرة الأولى يسند البطولة إلى امرأة قاتلة تؤدي دورها بصورة أخاذة يسلب العقول، الفنانة الشابة إيلا بيتي (26 سنة) والتي تؤدي دور "ليزي بوردن"، التي اتهمت بقتل زوجة أبيها "آبي بوردن" ووالدها "أندرو بوردن" باستخدام فأس داخل منزلهما في ولاية ماساتشوستس في أغسطس (آب) 1892.

إرث الغضب الأنثوي

وفي تصريحات صحافية، أعربت بيتي عن سعادتها بتأدية شخصية الوحش، كونه يغوص في أعماق الغضب والكبت لدى النساء، وهي قضايا ذات صلة مدهشة وواقعية بالوقت الراهن. لذا ينظر إلى الجزء الرابع من السلسلة باعتباره مرافعة ضد القهر التاريخي الذي تعرضت له النساء من حيث الاغتصاب والعنف المنزلي والحمل والولادة والأعمال المنزلية القاسية ومشكلات الدورة الشهرية، والضغط من أجل الزواج والأهمية المفرطة التي تمنح للجمال الجسدي والحبس داخل المنزل والخضوع للأقارب من الرجال، وسواها من ممارسات جسدتها بيتي بطريقة إبداعية تبشر بنجمة كاسحة.

ما ميز أداء بيتي (التي جرى اختيارها من عشرات المتقدمات للدور) أنها تتمتع بهدوء استثنائي، إذ نالت من التعاطف ما جعل المشاهد يبرر جريمة القتل، ويصدق أكاذيبها التي ساقتها في المحكمة وإلقاءها اللوم في إحدى الجلسات العائلية على آخرين نفذوا العملية التي أصبحت بيتي (بفضلها!) من أكثر الشخصيات شهرة في الولايات المتحدة، حتى إن أغاني الأطفال كانت تردد فعلتها، كما لو أنها أهزوجة ترحب بالربيع: تمسك بفأس وتقتل زوجة أبيها آبي بـ40 ضربة، ثم تقتل والدها أندرو، بما يبدو أنه الضربة الـ41.

المفارقات التاريخية وعدم مطابقة الوقائع مع مجرياتها التي حدثت كانت من ضمن الانتقادات التي وجهت للمسلسل، لكن النقاد غفلوا عن أن التخييل هو لعبة ميرفي المستطابة التي جعلته يوصف بأنه "الرجل الأقوى في عالم التلفزيون الحديث".

اللعب بالزمن

 ولعل قدرته المبهرة في اللعب بالزمن وتداخل الأحداث القديمة وامتزاجها بالحديثة، فضلاً عن إضفاء روح مسرحية على الدراما التلفزيونية، جعلت أعمال ميرفي من سلسلة الوحش تتمتع بجرأة فنية لا تعبأ كثيراً بالمواضعات القارة والكلاسيكية المحافظة للدراما، وهذه الميزة تعد من ألمع المحطات في الجزء الرابع، ولا غرو في ذلك فميرفي المشهور بأسلوب السرد القصصي الشامل الذي قرب الشخصيات المهمشة من الجمهور، نال ست جوائز "إيمي"، واحدة عن أول فيلم أخرجه من إنتاج ستيفن سبيلبرغ، كما فاز بجائزتي "بافتا"، وجائزتي "غولدن غلوب"، وسواها.

لهذه الأسباب يبدو المسلسل صادماً من حيث التعاطي مع السرد الذي يعد من أكثر مزايا المسلسل إشراقاً، إذ يقدم رؤية متماسكة إلى حد بعيد لجهة التسلسل المنطقي للأحداث، وهو ما تفتقر إليه كثير من مسلسلات "نتفليكس" وأفلامها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المسلسل يستهل بمشهد صادم ودموي يخطف الأنفاس، إذ تملأ الأشلاء والدماء النافرة منها الشاشة، ثم يغدو هذا المشهد في الخلفية بعد تفعيل تقنية الاسترجاع والتداعي "الفلاش باك". فقبل أربعة أشهر من تلك الحادثة التي نالت شهرة طبقت الآفاق، كانت ليزي تعيش تحت الحكم الاستبدادي لآبي، التي لا تكف عن توبيخها واتهامها بالغباء، وتحاول باستمرار تزويجها من رجال يخبرون ليزي بأن وجهها يشبه وجه حصان. وكانت آبي منزعجة على نحو خاص من غزارة دورة ليزي الشهرية، ولا سيما حين تترك دماء الحيض على أريكة الاستلقاء التي كانت تستخدمها.

حلف نسائي

التطور الأبرز في السرد يحدث بعدما تطرد آبي وأندرو خادمتهما فجأة، فتحصل بريدجيت سوليفان، التي تؤدي دورها فيكي كريبس، على الوظيفة بعدما تتمكن من تنظيف بقعة الدم عن الأريكة التي ستغدو محوراً أساساً في المسلسل، بعدما احتضنت جثة الأب المضرج بالطعنات.

ولكي يخرج السيناريو الذكي ليزي من عزلتها الخانقة، ينشىء حالة جذب بينها وبين الخادمة الجريئة المفعمة بالمفاجآت، والتي تتطور علاقتها بالشابة "البريئة الساذجة" إلى حب تنقلب بفعله حياة ليزي، وتتفتح معرفتها بجسدها وبالعالم، لا سيما بعدما تروي بريدجيت لها قصة إليزابيث باثوري، التي تؤدي دورها كريبس أيضاً، وهي النبيلة التي عاشت في أواخر القرن الـ16، واشتهرت وفق الروايات المتداولة بالاستحمام في دماء العذارى اللاتي قتلن على يدها.

وما جعل العلاقة الدرامية تنضج، بحيث تشكل ما يمكن تسميته "حلف نسائي" هو دخول الممثلة المسرحية بيلي لورد التي تؤدي دور إيما. هذا الثلاثي يعد الأكثر تألقاً في المسلسل من حيث هوية الشخصية وتمثل الأداء بطريقة خلاقة. فإذا كانت ليزا وُلدت من جديد على يد بريدجيت التي خططت معها وحرضتها على جريمة القتل وتسترت عليها، فإن إيما أنقذتها من الإدانة في المحكمة، بعد إرشادات تمثيلية ذكية خدعت هيئة المحلفين، وجميعهم من الرجال الذين قضوا ببراءة ليزا، لاعتقادهم بأن امرأة شابة بهذه الرقة لا يمكن أن تكون قادرة على ارتكاب جريمة بهذه البشاعة والعنف.

محاكمة فكرة الحقيقة

وفي إطار يوصف بأنه محاكمة لفكرة الحقيقة، وبأنها نسبية قد تروى وتقدم بالهيئة التي يريدها صاحبها، يقدم المسلسل ثلاثة سيناريوهات لجريمة القتل يجري تمثيلها، مما يجعل المشاهد في حيرة بصرية ونفسية تأخذه، كما يفترض، بعيداً من معرفة هوية القاتل الحقيقي إلى التساؤل عن أسباب حدوث الجريمة التي سبقها تاريخ عنيف من القهر والاستلاب والغضب "الارتوازي" المشحون بالصخب واللارحمة.

ربما، في هذا المناخ الاستعراضي المرصع بجماليات التصوير والمشاهد الخلابة (حتى للجريمة)، قد تنهض من بين ركام الجثث أسئلة عن انقلاب العنف الذي طال النساء عبر التاريخ، إلى عنف مضاد يتوجه إلى المجتمع الذكوري بسلطته الكابحة التي زودت النساء بدوافع لا حصر لها للانتقام الذي لا يبقي ولا يذر!

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة