ملخص
4 سيناريوهات متوقعة ما بين عودة السياسات الضريبية المشددة على الأرباح، ودخول السوق في اختبار حقيقي، وانتقال السيولة من العملات المضاربية إلى العملات الكبرى، واستقرار تنظيمي طويل الأمد بناءً على التشريعات المعتمدة.
خلال ساعات فحسب، انتقلت العملات المشفرة من خسائر قاسية إلى مكاسب صاروخية، إذ كانت الساعات التي أعقبت إعلان فوز دونالد ترمب في الانتخابات الأميركية، بمثابة خروج للسوق من عنق الزجاجة، خصوصاً أن السوق وجميع المتعاملين كانوا يراهنون على ترمب بوصفه أكبر داعم للسوق التي اكتسبت كثيراً من الزخم خلال فترة وجود ترمب في البيت الأبيض.
ومثلما كان قدومه إلى البيت الأبيض أكبر مكسب لسوق الـ"كريبتو"، تشير المعطيات إلى أن الصدمة الكبرى التي تنتظر السوق خلال الفترة المقبلة تتمثل في خروجه ورحيله عن البيت الأبيض. وما بين صدمة واحتمالية الانهيار تقف السوق على أعتاب محطة جديدة ربما تكون الأصعب في تاريخها.
ويرتبط مستقبل العملات المشفرة بصورة وثيقة بالبيئة التنظيمية الحالية، ورحيل دونالد ترمب مستقبلاً قد يسبب تقلبات حادة، نظراً إلى دعمه المعلن واستثماراته المرتبطة بقطاع الأصول الرقمية، إذ تعتمد استدامة السوق على المؤسسات المالية الكبرى أكثر من الاعتماد على الدعم السياسي الموقت.
مكاسب وخسائر و4 سيناريوهات مرتقبة
بالنسبة إلى المكاسب التي سجلتها السوق منذ إعلان فوز ترمب، فتتمثل في أربعة مكاسب، أولها تخفيف القيود التنظيمية التنفيذية، ثانياً، دعم صناديق الاستثمار المتداولة لـ"بيتكوين"، وثالثاً، ازدهار مشاريع عملات الميم المرتبطة سياسياً، وأخيراً، تعزيز تبني الأصول الرقمية مؤسسياً.
في المقابل، هناك أربعة أخطار كبيرة لهذا الارتباط بين العملات المشفرة وبخاصة التي تحمل اسم الـ"ميم"، ووجود ترمب في البيت الأبيض، أولاً، هناك احتمال بتوجه الإدارة الجديدة نحو تشديد الرقابة عند تغير الإدارة، وثانياً، تراجع المضاربات السعرية لعملات الشخصيات العامة، أما ثالثاً ففقدان الزخم الإعلامي السريع للأسواق، وأخيراً، احتمال حدوث صدمات سعرية عند انتهاء الولاية الرئاسية.
عقب رحيل الرئيس دونالد ترمب، هناك أربعة سيناريوهات: الأول يتمثل في عودة السياسات الضريبية المشددة على الأرباح، والثاني دخول السوق في اختبار حقيقي لقوة الأساسات التقنية بمعزل عن الدعم، أما الثالث فانتقال السيولة من العملات المضاربية إلى العملات الكبرى، وأخيراً، استقرار تنظيمي طويل الأمد بناءً على التشريعات المعتمدة.
3 مسارات رئيسة تحكم أسعار العملات
في ما لا يمكن الجزم بتراجع حتمي أو حدوث انهيار للسوق، لكن مغادرة ترمب للبيت الأبيض ستؤدي بالتأكيد إلى إعادة تسعير السوق بناءً على القوانين والمؤسسات، وليس التغريدات والدعم السياسي المباشر.
تاريخياً، شهدت أسواق العملات الرقمية تقلبات حادة ارتبطت بالإدارة الأميركية الثانية للرئيس دونالد ترمب، فبعدما قفز "بيتكوين" لتتجاوز 122 ألف دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تراجعت بحدة لتصل إلى 60 ألف دولار في فبراير (شباط) الماضي على رغم الدعم الحكومي المعلن، قبل أن تتعافى مجدداً وتقترب من حاجز 87 ألف دولار خلال التعاملات الأخيرة.
وهذا التذبذب يوضح أن العوامل السياسية محرك موقت، بينما ترسم ثلاثة مسارات رئيسة، مشهد الأسعار بعد رحيله، أولاً، تلاشي "علاوة التفاؤل السياسي"، إذ يرتبط جزء من القيمة الحالية للعملات الرقمية بالتسهيلات التنظيمية المباشرة التي تتبناها إدارة ترمب.
وعند مغادرته سيختفي هذا الزخم العاطفي والمضاربي، مما قد يدفع الأسعار إلى التراجع الفوري كـ"رد فعل أولي" نتيجة تخوف المستثمرين من عودة الديمقراطيين أو إدارة أكثر صرامة.
ثانياً، الصراع التنظيمي ومصير القوانين، فبينما نجحت الإدارة في تمرير تشريعات مثل قانون "جينوس أكت"، المنظم للعملات المستقرة، إلا أن حزماً تنظيمية كبرى مثل قانون الوضوح "كلاريتي أكت"، تعرضت لعرقلة في مجلس الشيوخ بسبب المخاوف من تضارب المصالح مع استثمارات ترمب الشخصية في سوق الـ"كريبتو".
ومغادرة ترمب قد تحرر هذه القوانين من الاستقطاب السياسي، مما يمنح السوق استقراراً تشريعياً طويل الأجل يدعم الأسعار، حتى لو كانت القوانين القادمة أكثر صرامة.
ثالثاً، النضج المؤسسي وفصل الارتباط، إذ تتوقع التحليلات المصرفية الكبرى، مثل توقعات "ستاندرد تشارترد"، صعوداً طويل الأجل قد يصل بسعر "بيتكوين" إلى مستويات قياسية قبل نهاية الولاية الرئاسية الحالية بناءً على التبني المؤسسي وصناديق الاستثمار المتداولة.
وبمجرد أن تصبح العملات المشفرة جزءاً راسخاً من النظام المالي التقليدي، سيتراجع تأثير هوية "ساكن البيت الأبيض" على حركة الأسعار اليومية.
قمة تاريخية وقاع مؤلم لأكبر عملة مشفرة في العالم
بالنسبة إلى تحركات السوق خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي، فقد اتسمت حركة أسعار العملات بتقلبات قياسية حادة وموجات صعود وهبوط عنيفة، مدفوعة بقراراته التنفيذية الجريئة تارة، ومخاوف تضارب المصالح والسياسات النقدية تارة أخرى.
خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) حتى أكتوبر من 2025، تحمل هذه الفترة لقب "طفرة البداية والقمة التاريخية"، وفي يوم تنصيب ترمب افتتحت عملة "بيتكوين" أول جلسة في ولايته الثانية بإغلاق قوي عند مستوى 103644 دولاراً.
وفي مارس (آذار) 2025 وقع الرئيس دونالد ترمب أمراً تنفيذياً تاريخياً بتأسيس "الاحتياط الاستراتيجي للبيتكوين"، متبوعاً بتوقيع قانون "جينيوس أكت"، في يوليو (تموز) 2025 لتنظيم العملات المستقرة، وخلال هذه الفترة التي حملت لقب "القمة المطلقة" فقد تسببت هذه التحركات في أن تسجل عملة "بيتكوين" أعلى مستوى لها على الإطلاق عند مستوى 122200 دولار خلال تعاملات أكتوبر 2025.
وخلال الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حتى فبراير الماضي، شهدت السوق الانهيار الأكبر، فمع نهاية عام 2025 وبداية 2026، عين ترمب كيفين وارش رئيساً جديداً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتسبب ذلك، إلى جانب فتور حماسة المستثمرين التقليديين، في موجة بيع واسعة.
وفي جلسة السادس من فبراير الماضي سقطت السوق في القاع المؤلم، إذ هوى سعر عملة "بيتكوين" بأكثر من 50 في المئة لتصل إلى 60 ألف دولار، مسجلة بذلك أدنى مستوى لها خلال 16 شهراً.
ومنذ مارس حتى الوقت الحالي انتقلت السوق إلى مرحلة التعافي والجدل التشريعي، وتشير تقارير سابقة إلى أن ترمب حقق نحو 1.4 مليار دولار من مشاريعه ونشاطه في سوق الـ"كريبتو"، وأدى هذا التداخل إلى عرقلة "قانون وضوح الأصول الرقمية" في مجلس الشيوخ الأميركي خوفاً من تضارب المصالح.
في الوقت الحالي، وعلى رغم تعطل القوانين في الكونغرس، استعادت الأسعار توازنها بدعم من مساعي التبني المؤسسي المستمرة، وجرى تداول عملة "بيتكوين" خلال التعاملات الأخيرة عند مستوى قرب 85 ألف دولار ترقباً للمستجدات الاقتصادية واللقاءات الدولية.
ركائز تحمي السوق من الانهيار الكامل
لا يمكن الجزم بانهيار السوق بصورة كاملة عند خروج ترمب من البيت الأبيض، لكن من شبه المؤكد أن السوق ستواجه موجة تصحيح سعري قوية وتراجعاً موقتاً نتيجة زوال ما يعرف بـ"علاوة التفاؤل السياسي".
ويعود السبب في عدم حدوث انهيار شامل إلى أن العملات المشفرة انتقلت من مرحلة "الأصول المضاربية القائمة على دعم الأفراد" إلى مرحلة "النضج المؤسسي"، وهناك عدة ركائز راسخة تحمي السوق من الانهيار بمعزل عن هوية الرئيس القادم.
أولاً، التبني المؤسسي الضخم وصناديق الاستثمار المتداولة للعملات المشفرة، إذ لم يعد قطاع الـ"كريبتو" معتمداً على التغريدات السياسية فحسب، بل أصبح مدعوماً بسيولة مليارية ضخمة من صناديق استثمارية عالمية كبرى مثل "فيدليتي" و"بلاك روك".
وهذه المؤسسات تدير صناديق استثمار متداولة لـ"بيتكوين" و"إيثيريوم"، وضخت استثمارات طويلة الأجل لا تخرج من السوق بمجرد تغير الإدارة السياسية في واشنطن.
ثانياً، الاتجاه إلى تحرر التشريعات من "الاستقطاب السياسي"، فخلال الفترة الماضية، تعرضت بعض القوانين التنظيمية المهمة مثل قانون الوضوح "كلاريتي أكت" لعرقلة واعتراضات داخل مجلس الشيوخ الأميركي، ويرجع ذلك جزئياً إلى مخاوف المشرعين من تضارب المصالح بسبب مشاريع عائلة ترمب الشخصية في الـ"كريبتو" وربحه المالي منها.
وخروج ترمب قد يؤدي إلى إزالة هذا الاستقطاب، مما يسهل صياغة إطار تنظيمي مستقل وواضح تتبناه الهيئات التشريعية بصورة دائمة، وهو ما يمنح السوق استقراراً شرعياً على المدى الطويل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثالثاً، تحول الـ"كريبتو" إلى أصل تحوطي عالمي، إذ أصبحت العملات الكبرى، بخاصة "بيتكوين"، تعامل كأصل تحوطي واحتياط استراتيجي دولي تتنافس عليه القوى العظمى، حتى إن تخلت الإدارة الأميركية القادمة عن بعض الحماسة، فإن التبني العالمي المستمر من أطراف دولية ومستثمرين حول العالم يمنع تسييل السوق بالكامل.
وإذا حدث تراجع، فلن يكون فناءً للسوق، بل سيكون عبارة عن "عملية تصفية وغربلة" لبعض القطاعات، والبداية ستكون في عملات "الميم" السياسية، وهي العملات الرقمية المرتبطة مباشرة باسم ترمب أو شعاراته (مثل عملة ترمب وماجا)، وهذه العملات قد تفقد قيمتها بالكامل لزوال سبب وجودها.
رابعاً، هناك ما يتعلق بالمشاريع الوهمية، وهي المشاريع التي صعدت فقط مستفيدة من ضعف الرقابة الموقت، من المتوقع أن هذه المشاريع ستختفي. خامساً، من المتوقع أن تتخارج أموال المضاربين السريعة خوفاً من القوانين الضريبية للإدارات المقبلة، لتستقر الأموال في العملات القيادية ذات الأساس التقني القوي (مثل بيتكوين وإيثيريوم).
كيف تتحرك السوق وسط الضغوط المتوقعة؟
بحسب تقارير صادرة عن شركات تحليلية مثل "نانسن" وجماعات رقابية مثل "ببليك سيتيزن"، فقد تكبد المستثمرون في مشاريع العملات المشفرة التي تحمل علامة دونالد ترمب التجارية أو المرتبطة بعائلته خسائر تراوح ما بين 3.8 مليار دولار و4.7 مليار دولار، حتى في وقت جنى فيه ترمب نفسه مكاسب بلغت 1.4 مليار دولار من الإيرادات المتعلقة بالعملات المشفرة.
وفي حال غادر ترمب البيت الأبيض أو طرأ تحول في موازين القوى السياسية (كأن يسيطر الديمقراطيون على الكونغرس أو البيت الأبيض في انتخابات مستقبلية)، فإن التأثير في هذه الأصول المضاربية المحددة وعلى المشهد العام لسياسات العملات المشفرة ينطوي على عدة ديناميكيات رئيسة:
أولاً، تأثير مباشر في الرموز الرقمية التي تحمل علامة ترمب التجارية، إذ تستمد أصول رقمية - مثل عملة "الميم" جزءاً كبيراً من حجم تداولها واهتمام المستثمرين الأفراد بها من منصبه السياسي النشط وحضوره الإعلامي المستمر.
ثانياً، فقدان الزخم، إذ إنه من المرجح أن يؤدي الخروج من البيت الأبيض إلى تقليص الضجة الثقافية والسياسية التي تدفع هذه الرموز التجارية المتخصصة، مما يؤدي إلى تسريع الخسائر غير المحققة وتحويلها إلى تدمير دائم لرأس المال بالنسبة إلى المشترين الأفراد في المراحل المتأخرة.
ثالثاً، تراجع فرص الترويج، ففي غياب منصة الرئاسة، يتلاشى إمكان استغلال المنصب التنفيذي للترويج المستمر للعملات المشفرة أو إبرام صفقات تجارية خاصة بارزة (مثل الارتباطات السابقة بالعملات المستقرة أو المنصات).
رابعاً، تحول في الدعم التنظيمي والتشريعي وتعثر أجندة دعم العملات المشفرة، فقد مثلت إدارة ترمب الدرع السياسية الرئيسة والمدافع الأول عن تخفيف الرقابة الفيدرالية ودعم المبادرات التشريعية (مثل "قانون كلاريتي أكت") المتعثر.
خامساً، يشير المحللون إلى أن تغيير الإدارة أو انقلاب الغالبية في الكونغرس سيفتح الباب أمام تحقيقات مكثفة من قبل هيئة الأوراق المالية والبورصات والكونغرس في تضارب المصالح السابق بين صنع السياسات التنفيذية وإثراء العائلات بالعملات المشفرة.
سادساً، سيكون هناك حال عدم اليقين في السوق الأوسع، وفي حين تعمل الأصول اللامركزية الرئيسة - مثل "بيتكوين" - بصورة مستقلة عن السياسيين الأفراد، فإن الزخم السائد في القطاع - الذي يعتمد على "مظلة" تنظيمية داعمة في واشنطن - قد يواجه عقبات فورية.