ملخص
بحسب متخصصين في التعليم وعلم الأعصاب والتكنولوجيا، فإن أحد أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الآباء اليوم هو إعداد الأطفال لنظام بدأ بالفعل في الاختفاء.
كثيراً ما اعتبرت الشهادة الجامعية والوظيفة المكتبية المستقرة والمعاش التقاعدي في نهاية مسيرة مهنية طويلة، المسار القياسي للنجاح، فعلى مدى أجيال شكل هذا النموذج أنظمة التعليم وأسواق العمل والتطلعات الشخصية. وعلى رغم ذلك يعتقد عدد متزايد من الباحثين أن الأطفال المولودين بعد عام 2025 قد يواجهون مستقبلاً مختلفاً جذرياً، وتضم هذه المجموعة الديموغرافية الجديدة والمعروفة باسم "جيل بيتا" الأطفال المولودين بين عامي 2025 و2039، فبحسب متخصصين في التعليم وعلم الأعصاب والتكنولوجيا، فإن أحد أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الآباء اليوم هو إعداد الأطفال لنظام بدأ بالفعل في الاختفاء.
تحول جذري
لعقود طويلة، كان النجاح يسير وفق مسار يمكن التنبؤ به نسبياً، ألا وهو الالتحاق بالمدرسة والحصول على شهادة جامعية وإيجاد وظيفة مستقرة والبقاء في المهنة نفسها طوال معظم الحياة العملية، لكن التغير التكنولوجي السريع يشكل تحدياً لهذا النموذج، إذ يجادل الباحثون بصورة متزايدة بأن النجاح في المستقبل سيعتمد بصورة أقل على حفظ المعلومات وأكثر على التفكير النقدي والإبداع والذكاء العاطفي والقدرة على التكيف وطرح أسئلة ذات مغزى، لذا فمن المتوقع أن يحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في جميع القطاعات تقريباً، إذ سيتعاون العاملون في المستقبل يومياً مع أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل المعلومات وإنشاء المحتوى وكتابة البرامج وتشخيص الأمراض، وأداء كثير من المهام التي يقوم بها البشر حالياً.
ولهذا السبب، يعتقد كثير من المتخصصين أن النماذج التعليمية التقليدية ستحتاج إلى إصلاحات جذرية. مع بقاء المواد الأساسية مثل الرياضيات والقراءة والعلوم المهمة، ولكن قد تركز المدارس بصورة كبرى على حل المشكلات والتواصل والعمل الجماعي ومحو الأمية الرقمية والتعلم مدى الحياة. وتشير الدراسات التي أجرتها مؤسسات مثل معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا وجامعة "ستانفورد" إلى أن العاملين في المستقبل سيحتاجون إلى تحديث مهاراتهم باستمرار طوال حياتهم بدلاً من الاعتماد على المعرفة المكتسبة خلال أعوام تعليمهم الأولى.
عالم مدمج
يشير مصطلح "جيل بيتا"، الذي صاغه عالم الديموغرافيا مارك ماكريندل، إلى الأفراد المولودين بعد عام 2025 ويمثلون الجيل الذي يلي "جيل ألفا"، إذ من المتوقع أن ينمو هذا الجيل في عصر تشكله بصورة كبيرة التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، مما قد يرسي معايير جديدة في التعلم والسلوك والتطور المعرفي، لذا تتطلب التحديات والفرص التي تتيحها هذه التطورات استراتيجيات تعليمية مبتكرة لإعداد هذا الجيل لمواجهة تعقيدات مستقبل قائم على الذكاء الاصطناعي، لكن "جيل بيتا" لن يتبنى الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي تبنى بها جيل الألفية الهواتف الذكية، فهم سينشأون في عالم مدمج فيه الذكاء الاصطناعي في كل عملية من التعليم والرعاية الصحية والخدمات اللوجيستية والاتصالات، ولكن لن يتعلموا استخدامه، بل سيفكرون به كما نفكر نحن باللغة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستكشف تقرير حديث صادر عن شركة "برودنشال فاينانشيال" بعنوان "جيل بيتا: إعادة تعريف الحياة وطول العمر والتقاعد"، كيف قد تبدو الحياة والعمل والتقاعد بالنسبة إلى هذا الجيل، فقال "بالنسبة إلى الحياة، ستختلف طريقة عمل وعيش (جيل بيتا) اختلافاً كبيراً، إذ يعتقد 86 في المئة أن هذا الجيل سيحصل على وظائف لم يتم اختراعها بعد، ويعتقد 68 في المئة أن (جيل بيتا) سيمتلك حيوانات أليفة أكثر من الأطفال، مما سيغير ديناميكيات التقاعد والحلول المالية ورعاية الأجيال".
وبالنسبة إلى طول العمر، فمن المتوقع أن يعيش "جيل بيتا" عمراً أطول من الأجيال السابقة، وتكشف الدراسة عن تفاؤل في شأن ثورة في الرعاية الصحية ستغير حياتهم جذرياً، إذ يعتقد نصف البالغين أن "جيل بيتا" سيتمكن من علاج السرطان، وسيؤدي هذا التقدم إلى زيادة متوسط العمر المتوقع، مما سيتطلب استعداداً مالياً أكبر ونماذج تقاعد متطورة، أما بالنسبة إلى التقاعد فقد يصبح مفهوم التقاعد السائد اليوم من الماضي، إذ يعتقد أكثر من نصف الآباء (58 في المئة) والآباء المحتملين أن أبناءهم لن يتقاعدوا أبداً، ويقدر المشاركون في الاستطلاع أن "جيل بيتا" سيحتاج إلى نحو 1.88 مليون دولار أميركي لتغطية نفقات التقاعد.
مساهم فاعل
بالنسبة إلى التعليم، تكشف نتائج الأبحاث التي أجريت على "جيل زد"، الجيل السابق مباشرة لـ"جيل ألفا"، عن الأهمية المتزايدة للمهارات الرقمية والتحليلية في التكيف مع متطلبات التعليم الحديث وسوق العمل، إذ يمثل "جيل بيتا" تحديات وفرصاً لقطاع التعليم، فمن خلال توظيف الذكاء الاصطناعي تستطيع الأنظمة التعليمية التكيف لتلبية حاجات هذا الجيل، ويمكن لاستراتيجيات مثل التعلم الشخصي والمناهج الدراسية المدمجة بالذكاء الاصطناعي والتعليم التكنولوجي الأخلاقي، أن تهيئ "جيل بيتا" للنجاح في عالم يعتمد على التكنولوجيا.
وعلى رغم ذلك، فإن معالجة قضايا مثل الفجوة الرقمية وخصوصية البيانات واستعداد المعلمين أمر ضروري لتطبيق الذكاء الاصطناعي بصورة شاملة ومسؤولة، ولكن بالتخطيط المدروس يمكن لـ"جيل بيتا" أن يبرز ليس فقط كمستفيد من التكنولوجيا، بل كمساهم فاعل في بناء مستقبل أكثر ابتكاراً وإنصافاً.
أما في ما يخص العمل ومكانه فقد أصبحت المكاتب التقليدية أقل أهمية بالنسبة إلى كثير من المهن، فالعمل من بعد ومنصات التعاون الرقمي وفرق العمل العالمية القائمة على المشاريع، تغير طريقة عمل الشركات. وبدلاً من قضاء عقود في مهنة واحدة، قد ينتقل أفراد "جيل بيتا" بين مسارات مهنية عدة خلال حياتهم، إذ يمكن لكثيرين الجمع بين مصادر دخل عدة في آن، والعمل على مشاريع بدلاً من شغل وظيفة دائمة واحدة.
وفي هذا السياق، قدرت شركة "ماكينزي" الاستشارية أن الأتمتة والذكاء الاصطناعي قد يحدثان تحولاً جذرياً في شريحة كبيرة من الوظائف الحالية خلال العقود المقبلة، فقد تختفي بعض الوظائف تماماً، بينما ستتطور وظائف أخرى بصورة جذرية. ونتيجة لذلك يجادل المتخصصون بأن التعليم في المستقبل قد يعتمد بصورة أقل على الشهادات المطولة وأكثر على نماذج التعلم المرنة، بما في ذلك الشهادات المتخصصة والبرامج عبر الإنترنت والمشاريع العملية والتطوير المهني المستمر.
تقاعد جزئي
في هذا الوقت، قد يتغير مفهوم التقاعد بصورة جذرية أيضاً، فقد صممت أنظمة التقاعد الحديثة في فترة كان الناس يعملون فيها عادة لمدة 40 عاماً تقريباً، ويقضون فترة تقاعد قصيرة نسبياً. أما اليوم فإن التقدم في الطب والرعاية الصحية يزيد بصورة مطردة من متوسط العمر المتوقع. ويعتقد بعض علماء المستقبل أن كثيراً من الأطفال الذين يولدون اليوم قد يعيشون حتى التسعينيات من العمر أو حتى أكثر من 100 عام، وقد تشكل هذه التغييرات الديموغرافية ضغطاً هائلاً على أنظمة التقاعد في جميع أنحاء العالم، فبدلاً من الانتقال المباشر من العمل إلى التقاعد، قد تشهد الأجيال القادمة تحولات مهنية عدة وفترات تعلم ممتدة وفترات انقطاع موقتة عن العمل، وأشكالاً مرنة من التقاعد الجزئي.
ولا يعني هذا أن المدارس أو الجامعات أو المكاتب أو المعاشات التقاعدية ستختفي تماماً، إذ يتفق كثير من المتخصصين على أن المجتمع من المرجح أن يشهد تغيرات أسرع خلال الـ30 عاماً المقبلة، مقارنة بما شهده خلال معظم القرن الماضي، وبالنسبة إلى "جيل بيتا" قد يصبح الفضول والقدرة على التكيف والمرونة والاستعداد للتعلم المستمر أكثر قيمة من أية شهادة أو مسمى وظيفي.