ملخص
لا يصنع الذكاء الاصطناعي منا قطيعاً بالمعنى البسيط، ولا تزرع الخوارزمية رأياً واحداً في رؤوس الجميع. ما تفعله أكثر تعقيداً، فهي تضيق أحياناً مساحة ما نراه، وتعيد إلينا أفكارنا بعد صقلها حتى تبدو أكثر يقيناً مما تستحق، والخطر ليس أن نفكر جميعاً في الشيء نفسه، إنما أن نتعلم من دون أن ننتبه أن نفكر داخل الحدود نفسها.
في البدء عملت الأديان على توحيد العقول في فكر مشابه يجعل الجماعة تتقبل بعضها بعضاً وتكون لديها قواسم مشتركة، وتختلف عن غيرها بخطوط قد تكون جوهرية أو هامشية، بعدها دخلت العقائد على الخط وسحرت العقول ووضعت قواعدها التي تشبه إلى حد بعيد منطق الانتماء الديني لكن في صيغة أكثر أحادية قلما اتسع صدرها للاختلاف، وهكذا بتنا نرى المجتمعات كقبائل توحدها الأفكار المشتركة حول العالم، ويعمل الإعلام معها لتكريس صورتها، ومن يسير عكس التيار غالباً ما يدفع الثمن، وقد ينبذ من جماعته، وقد يخلق جماعة أخرى، أو يغرد وحيداً خارج السرب.
إلى الواجهة البيضاء المنافقة
شهد توحيد العقول أدوات عدة، كثيراً ما كان الإعلام بصوره المختلفة أداته الأكثر فاعلية، لكن المهمة اليوم باتت أكثر تهذيباً ومواربة في آن، عبر واجهة بيضاء تسألنا كيف تستطيع مساعدتنا، نطلب منها فكرة مميزة، فتمنحنا اقتراحاً ذكياً مرتباً وقابلاً للنشر أحياناً، ثم تمنح الاقتراح نفسه مع تبديل لون البدلة لآلاف آخرين يبحثون بدورهم عن فرادتهم، نغادر جميعاً مسرورين لأن البدلة فصلت على مقاسنا، ولا نلاحظ أننا خرجنا من المصنع نفسه بفوارق طفيفة جداً.
في سياق مواز تتولى خوارزمية المنصة ترتيب العالم على الشاشة المجاورة، فتقرر ماذا ومن يظهر أولاً، وأي خبر يستحق الإعادة والظهور، وما الذي يضمن بقاءنا خمس دقائق إضافية على المنصة، نظن أننا نتجول في ساحة عامة ولنا ملء الحرية في النظر في الأفق اللامتناهي، وإذا بنا في غاليري يعيد ترتيب لوحاته وفق حركة أعيننا وحواراتنا مع الأصدقاء واهتماماتنا التي لم نبحث عنها حتى، كأن لصاً صغيراً يجول في أدمغتنا ويسجل ما يخطر ببالنا ويرميه أمام أصابعنا المتراكضة على الشاشة.
لكن سؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يجعلنا نفكر بالطريقة نفسها لأنه يهبنا جوهراً واحداً للمحتوى بقوالب مختلفة، لا يحتمل جواباً جاهزاً، فنحن لا نستطيع أن نلوم الآلة على إنتاجها، وما ترصده الأبحاث أدق وأكثر إثارة للقلق، فقد لا تتطابق آراؤنا، لكن طرق الوصول إليها قد تتشابه، وكذلك الأمثلة التي نقدمها والجمل التي نراها مقنعة، وحتى نوع الاختلاف الذي نمارسه.
التشابه بواجهة واحدة
لا بد أولاً من الفصل بين أداتين نضعهما عادة في سلة واحدة، فخوارزمية التوصية التي تتجلى في وسائل التواصل تنتقي محتوى موجوداً وتعيد ترتيب فرص رؤيتنا له، أما النموذج اللغوي التوليدي المتمثل بالذكاء الاصطناعي فينتج إجابات وصياغات انطلاقاً من أنماط تعلمها ومن تعليمات المستخدم، فتتدخل الأولى في قائمة ما نطالع، ويستطيع الثاني المشاركة في كتابة ما سنقوله بعد المطالعة، ويمكن للأثرين أن يتعاونا بكفاءة ممتازة، كأن تغذي المنصة اهتماماً ما بمنشور أو فكرة معينة، ثم نطلب من المساعد الذكي كتابة مقال يشرح أو بالأحرى يؤيد هذا الرأي، وتأتي النتيجة أن الانتقاء غير المرئي أو الخفي يقود إلى جواب مصقول وحجة صلبة لفرضية لم نختبرها حتى.
هذا السلوك ليس حتمياً على الجميع، فقد تعرض المنصات آراء مختلفة أحياناً، ويستطيع الذكاء الاصطناعي تفنيد رأيك ونقده إذا طلبت منه ذلك بصدق، وهي مهارة نادرة حتى لدى البشر من دون الوقوع في فخ المجاملات أو الحكم المسبق.
لكن المفارقة أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لا يحولان العالم إلى نسخة واحدة متشابهة تماماً، لكنهما يعزلان الناس في جزر فكرية متخاصمة، لكل جزيرة حقائقها المفضلة ومفرداتها وطريقتها في تسفيه الآخرين، وشعورها المريح بأنها ربما آخر مكان مأهول بالعقل، بينما يتسع الخلاف والتباعد بين الجزيرة والأخرى.
إبداع أكثر وبصمات أقل
ظهر هذا عام 2024 عندما قدمت دراسة أنيل دوشي وأوليفر هاوزر، المنشورة في "ساينس أدفانسز" اختباراً مباشراً، فكتب المشاركون قصصاً قصيرة، وحصل بعضهم على أفكار مولدة بالذكاء الاصطناعي، ثم قيم قراء مستقلون النصوص، فبدت القصص المدعومة بالآلة أكثر إبداعاً وجودة ومتعة في المتوسط، لا سيما لدى من كان أداؤهم الإبداعي الأولي أضعف، وقد يظهر هذا خبراً ساراً للأفراد، إلى أن ننظر إلى القصص التي أصبحت أكثر تشابهاً.
هذه التجربة لم تثبت أن عقول المشاركين توحدت، كما لم تؤكد أن كل استعانة بالآلة تقتل الأصالة، لكنها أظهرت أن تحسن المنتج الفردي لا يضمن ثراء المشهد الجماعي، فإذا تخيلت معرضاً تحسنت فيه كل لوحة قليلاً، لكن اللوحات تقاربت حتى بدت كأن رساماً واحداً يغير توقيعه، سيحتفل كل فنان بارتفاع تقييمه، ولن يجد أحد خانة يسجل فيها خسارة المعرض، لكن التنوع قد يضيع بينما تبدو حسابات الجميع رابحة.
في مراجعة منهجية وتحليل نتائج شملا نتائج 19 دراسة و61 قياساً للأثر وجدا اتجاهاً نحو زيادة التشابه في المخرجات الإبداعية عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، بحجم يقارب 0.33، قد لا يبدو هذا الرقم مقلقاً ومؤثراً إلى حد يهدد انسياب الخيال البشري حتى الآن، لكنه يقول في الوقت نفسه إن الآلة قد تساعد كل واحد منا على تحسين إنتاجه، لكنها تجعل مجموع ما ننتجه أقل تنوعاً وتفرداً.
في أبحاث قارنت نحو 2200 مقال قبول جامعي بنصوص مولدة بواسطة GPT-4، أضاف كل نص بشري جديد إلى المجموعة أفكاراً جديدة أكثر مما أضافه نص إلى جديد، واتسعت فجوة التنوع كلما كبرت المجموعة، مما يؤكد أن البشر يمتلكون تنوعاً فكرياً وتجارب شخصية متجددة، فكلما كتب شخص جديد مقالاً أضاف أفكاراً وزوايا غير متوقعة، في حين يميل الذكاء الاصطناعي إلى تكرار الأنماط الأكثر شيوعاً التي تدرب عليها، مما يجعله يبدو وكأنه يدور الأفكار ذاتها بأساليب مختلفة من دون إبداع حقيقي جديد.
في دراسة أخرى نشرت مطلع مارس (آذار) الماضي بعنوان "هل يجعل الذكاء الاصطناعي التفكير الطلابي متجانساً؟"، شملت 6875 مقالاً طلابياً، ظهر وجود ما يعرف بـ"المقايضة بين الجودة والتجانس" عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، ففي حين يحسن الذكاء الاصطناعي الجودة الظاهرية للمقالات من ناحية سلامة اللغة وتنظيم الأفكار، فإنه في الوقت ذاته يتسبب في تراجع التنوع بنسبة كبيرة قد تصل إلى 78 في المئة. وتكمن المشكلة الحقيقية في أن الآلة التي تنسخ فكرة واحدة في عقول الجميع، تجعل الطرق والأساليب التي ننظم بها أفكارنا ونقدمها متماثلة ومتشابهة إلى حد كبير.
الواقع أن الثقافة لا تعيش من جودة القطعة الواحدة فحسب، وتستمد حيويتها وتنوعها من الفروق الفردية والتجارب الخاصة وغير المألوفة، وحتى الأفكار الشاذة عن المعتاد التي لم يتوقعها أحد، فالذكاء الاصطناعي بارع جداً في حساب الأحكام والتنبؤ بالكلمة أو الفكرة الأكثر احتمالاً وتوقعاً بناءً على البيانات السابقة التي لقم بها، أما الإبداع البشري فيكمن جماله وقوته في المفاجأة والخروج عن المألوف في تقديم أفكار وزوايا جديدة تماماً لم يكن من الممكن قياسها أو التنبؤ بها إحصائياً.
أكثر إبداعاً... وتشابهاً
في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري نشرت مجلة "نيتشر" تقريراً علمياً موسعاً للكاتب ماثيو هاتسون بعنوان Bland New World: Is AI Making Us All Think the Same?، جمع فيه نتائج سلسلة من الدراسات الحديثة حول ظاهرة بات الباحثون يسمونها التجانس المدفوع بالذكاء الاصطناعي، ووجد الباحثون في دراسة أخرى على اللغة أن الاستعانة بالنماذج اللغوية تميل إلى محو بعض العلامات الأسلوبية التي تميز الكاتب، فيما أظهرت تجربة شملت مشاركين من الهند والولايات المتحدة أن أدوات الإكمال التلقائي لم تجعل نصوص المجموعتين أكثر تشابهاً فحسب، لكنها دفعت بعض الكتابات الهندية إلى الاقتراب من الأنماط الأميركية وفقدان شيء من تفاصيلها الثقافية المحلية.
ويصف الباحثون أحد أسباب ذلك بأثر الارتساء، أي حين تقترح الآلة الفكرة الأولى، تصبح هذه الفكرة مرساة تشد التفكير نحوها، فتضيق من دون أن نشعر مساحة الاحتمالات التي كان يمكن أن نصل إليها وحدنا، لكن بعض الأبحاث لا تؤكد هذا التجانس، فلقد اختبر بحث في مؤتمر ACM Collective Intelligence عام 2025 تداول الأفكار لدى أكثر من 800 مشارك من أكثر من 40 دولة، ضمن تصميم يسمح بانتقال أفكار المشاركين السابقين إلى اللاحقين، وجاءت النتيجة أن التعرض المرتفع لأفكار الذكاء الاصطناعي زاد من تنوع الأفكار الجماعي، من دون تحسن في إبداع الفكرة الفردية، مما يظهر أن الآلة جعلت الأفكار مختلفة من دون أن تكون أفضل أو أكثر فرادة.
الجملة الأولى
من المؤكد أنه حين تضع الأداة أمامنا إجابة مكتملة تختصر علينا الوقت، لكنها في الوقت ذاته تغير في طريقة تفكيرنا من حيث لا ننتبه، وبدلاً من أن نبحث نحن في دماغنا وفضولنا وخلفيتنا عن المقدمة أو الأسئلة أو الإشكالية مثلاً، ننشغل أكثر بتحسين تلك التي اقترحتها، وقد لا يحدث ذلك بالضرورة في كل مرة، لكنه فخ تحريري من السهل الوقوع فيه، لأن الموجود أمام العين يغري بالتنقيح، أما الفكرة التي لم تقترحها الآلة أصلاً قد لا تخطر لنا.
ولهذا لا يكفي أن نطلب من الذكاء الاصطناعي مثلاً 10 أفكار مختلفة، لأننا قد نحصل بالفعل على 10 عناوين لكنها تنظر جميعها من الزاوية نفسها أو بصورة متقاربة مع التغيير في صياغتها، فإذا طلبنا مثلاً أفكاراً لمادة عن السكن، قد يقترح الديكور وتنظيم المساحات واختيار الحي وارتفاع الأسعار، في حين يترك أسئلة أكثر عمقاً عن الملكية والإيجارات والضرائب وغيرها خارج القائمة، عندها تكون الأداة قد نوعت الاقتراحات من دون أن تنوع التفكير حقاً، فيبدو الاختلاف العددي حاضراً، مع غياب كبير للاختلاف الفكري.
من علم الآلة؟
قبل التحدث عن الإجابات المتشابهة لا بد من معرفة من أي عالم تعلم الذكاء الاصطناعي أصلاً ما يعتبره جواباً طبيعياً. ففي ورقة بحثية عام 2021 بعنوان "أخطار الببغاوات الاحتمالية"، حذرت الباحثات إميلي بندر وتيمنيت جيبرو وأنجلينا ماكميلان-ميجور ومارغريت ميتشل من أن ضخامة البيانات التي تتدرب عليها النماذج اللغوية لا تجعلها مرآة عادلة للبشر، فالإنترنت ليس اجتماعاً عاماً للبشرية أخذ فيه الجميع وقتاً متساوياً للكلام وتقديم التجربة، إنه حيز تتكلم فيه بعض اللغات أكثر، وتنشر بعض المجتمعات أكثر، والأهم أن بعض المؤسسات تملك قدرة أكبر على إنتاج النصوص وتعميمها، لذا ما يغيب عن البيانات لا تستطيع الآلة استحضاره لأنها لم تتعلمه أصلاً.
مما لا شك فيه أن هذا يصبح أكثر حساسية عندما نكتب بالعربية، إذ إن التدفق إلى داخل الآلة شحيح مقارنة باللغات الأخرى، ويظهر الخطر الذي يستحق الانتباه، إذ يساعدنا الذكاء الاصطناعي في تحسين لغتنا ربما بالكتابة الإملائية واللغوية الصحيحة، لكنه يجعلنا نكتب تجاربنا بالقوالب التي يعرفها بدلاً من القوالب التي تشبهنا وتشبه حاراتنا وتقاليدنا، فإذا أردنا مثلاً الكتابة عن ترك مفاتيح بيوتنا لدى الجار، وتبادل الأطباق الرمضانية مثلاً أو وضع الكراسي على الشارع ليصبح كأنه غرفة جلوس في الأحياء، ستقرأه الآلة بصورة محايدة بعنوان بناء مجتمع متضامن، لكنها في الواقع تنزع عنه الحياة والحيوية والدفء، فيصبح وصفاً صالحاً لتقرير أممي ربما، لذا لا بد من الدفاع عن الصوت الخاص وحمايته من التحرير الرقمي الذكي الجاف الذي يبدو من شدة عموميته بارداً، فلبعض النتوءات في الكتابة بصمات، واستخدام كلمة محلية أو استعارة شعبية قد يحمل وراءه طريقة كاملة في رؤية العالم، وإذا جعلنا السلاسة المعيار الأعلى، انتهينا إلى نصوص لا يمكن الاعتراض عليها، كما لا يمكن أيضاً معرفة من كتبها، فالآلة التي تصقل قد تمحو الهوية أحياناً وهي تنعم النص وتنظفه وتجعله أكثر قابلية للقراءة، فيصبح مع هذا التنظيف أقل قابلية للحفر في القلب والوجدان.
المتملق!
كذلك لا يخفى على أحد يستخدم الذكاء الاصطناعي ميله المبالغ فيه في تملقنا، فهو يحبنا أكثر مما نحب أنفسنا ويغرقنا بالمجاملات المجانية، ولا يجادلنا ولا يفسد علينا الفكرة حين نكون قد وقعنا في غرامها، فيجلس أمامنا مثل مستشار يعرف أن أسهل طريقة للاحتفاظ بوظيفته هي أن يجد عبقرية ما في ما قلناه، ثم يساعدنا على إثباتها، فيبيعنا وهماً ويتغزل بنا بسبب ومن دون سبب.
وفي دراسة نشرها مرينانك شارما وزملاؤه عام 2023، اختبر الباحثون خمسة مساعدين يعملون بالذكاء الاصطناعي عبر مهام مختلفة، ووجدوا ميلاً متكرراً إلى مجاراة المستخدم وتكييف الإجابة مع رأيه حتى عندما تصبح الدقة هي التي تدفع الثمن، ووجدوا أيضاً أن المشكلة لا تأتي من الآلة وحدها، فنحن البشر نميل بدورنا إلى استحسان الإجابة التي تشبه ما نعتقده، نطلب الحقيقة أولاً لكننا نعطي علامة أعلى للإجابة التي تشعرنا أننا كنا نعرفها منذ البداية.
وهنا تبدأ الحلقة الأكثر خطراً، فنحن نكافئ الآلة لأنها توافقنا، ونرسل لها إشارة إلى أن الموافقة مرضية، فتعيد إلينا أفكارنا بصياغة أكثر ترتيباً وليس بالضرورة ذكاء، فنقتنع بها أكثر، ندخل إليها برأي فنخرج منه بحجج وهوامش وثقة بالنفس مع كم من الرضا والإعجاب بذواتنا.
والتملق لا يعني استخدام الآلة لعبارة إعجاب مباشرة دائماً، إذ يكفي أن يقبل الذكاء الاصطناعي الفرضية المختبئة داخل سؤالنا، ثم يبدأ العمل كموظف مجتهد في خدمتها، فإذا قلنا له مثلاً إن الخوارزميات تجعل البشر أغبياء، يبدأ بترتيب الأسباب والدراسات والأمثلة والمقدمة والخاتمة التي تؤكد نظرتنا، وبعد دقائق يصبح انطباعنا الأول على شكل ملف أنيق ومرتب بدلاً من أن يخرج لنا زميل ويحاججنا في الفكرة ويدحض أصلها وفصلها، وأخطر ما في المستشار المتملق أنه لا يجعل الفكرة الكاذبة أكثر صحة، إنما يلبسها هنداماً أفضل.
وهكذا يجب معرفة كيفية الاستفادة من مخزون الآلة بأن نعرف كيف نصيغ سؤالنا، فبدلاً من أن نطلب مثلاً إثباتاً في أن الخوارزميات تجعلنا أغبياء أو محدودين، نسأل عن الأدلة التي تدعم هذه الفرضية والأدلة التي تناقضها والتفسيرات البديلة، فإذا لم نطلب من الآلة أن تبحث عما يزعزع فرضيتنا ويدحضها، فهي تساعدنا على بناء منزل فكري جميل فوق أساس لم نفحصه واكتفينا برأينا الخاص من دون بحث حقيقي لإثباته أو نفيه.
لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يخدعنا، فهو أحياناً يساعدنا ببراعة على خداع أنفسنا بسبب الطريقة التي نقاربه فيها، إذ من الأفضل أن نطلب منه محاججتنا وإخبارنا إن كنا بالغنا أو مثلاً ماذا كان سيقول باحث أو فيلسوف لدحض فكرتي، فما نحتاج إليه فعلاً هو آلة لا تجيد المجاملة على حساب البحث الحقيقي.
آلة تساعدنا على الشك
في الجهة المقابلة للتملق واعتبار أن الذكاء الاصطناعي يعمل دائماً كمرآة لأفكارنا، اختبر الباحثون المتخصص في علم النفس السياسي توماس كوستيلو، والباحثان في علم النفس والسلوك واتخاذ القرار غوردون بينيكوك وديفيد راند، ما إذا كان يمكن استخدامه لفعل العكس تماماً في جعل الناس يشككون بما يؤمنون به.
في دراسة لهم نشرتها "ساينس" عام 2024، أجرى 2190 شخصاً حوارات مع نظام ذكاء اصطناعي ناقش نظريات المؤامرة التي يؤمنون بها، ورد على أدلتهم بحجج مصممة لكل حالة، وكانت النتيجة انخفاض قوة الاعتقاد بتلك النظريات بنحو 20 في المئة في المتوسط، واستمر الأثر بعد شهرين، مما يظهر أن الآلة التي تستطيع أن تجامل أوهامنا، تستطيع أيضاً أن تساعدنا على تفكيكها، لذا لا يقتصر السؤال على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يغير تفكيرنا، إنما كيف نطلب منه أن يفعل ذلك، وهكذا يمكن أن نستخدمه محامياً يجمع الأدلة لمصلحتنا، أو خصماً يسألنا السؤال الذي لا نريد سماعه أو الإجابة عنه، فالآلة قد تساعدنا على الشك، لكنها لا تستطيع أن تشك مكاننا.
الدماغ في إجازة
بعدما سلمنا بأنفسنا للذكاء الاصطناعي مهمة البحث والتلخيص والمسودة والعنوان، لا بد من أن نسأل ماذا تركنا لأنفسنا؟ ففي دراسة عرضت عام 2025، جمع هاو بينغ لي وزملاؤه 936 مثالاً من 319 عاملاً في المهن المعرفية، ووجدوا أن ارتفاع الثقة بالأداة ارتبط بتفكير نقدي أقل، في حين ارتبطت الثقة بالقدرة الشخصية بمزيد منه. لم تخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يجعلنا أغبياء، فهي تعتمد على وصف المشاركين لممارساتهم، وليس على قياس تراجع قدراتهم العقلية، لكنها وجدت أن التفكير لم يختف دائماً، فلقد انتقل من إنتاج المادة إلى التحقق منها ودمجها ومراقبة النتيجة، وقد يكون الأمر صحياً، إذ لا يجوز إهمال استخدام الآلة في العمل في عصر انتشارها، لكن المشكلة تكمن حين يستقيل المشرف أيضاً ولا يدقق في المعلومات، فهناك فرق بين أن نوفر وقتنا للتفكير، وأن نوفر على أنفسنا التفكير بالمطلق لنخرج بعمل متشابه لا روح فيه ولا تدخلات إنسانية حقيقية، مما يجعلنا نرفع إنتاج الكلام بدل إنتاج الأفكار، ويظهر الأمر بصورة جلية في الجامعات والأعمال التي تحتاج إلى بحوث تنطلق من دراسات وأبحاث وتحتاج إلى أن تناقش وتفند بحسب الباحث نفسه وثقافته ونهجه وخلفيته، فالعقل موظف إذا وجد من يقوم بعمله عنه، قد يعتاد الإجازة أسرع مما نتوقع، ويمكن التأكد من هذا عندما نوقف تمرين العقل مثلاً على الكتابة أو الحفظ فإنه يستقيل تدريجاً، وإذا أردنا العودة قليلاً إلى ما قبل الهاتف الخلوي كان أهالينا، وكنا نحن، نحفظ كثيراً من الأرقام من دون أن نفتح ذلك الدليل الصغير في جيوبنا، والآن يستعصي علينا أحياناً حفظ أرقام أقرب المقربين.
الخوارزمية لا تقرأ الروح
إذا كان الذكاء الاصطناعي قد تولى بعض العمل عن أدمغتنا، فإن خوارزميات المنصات سبقته إلى عمل أكثر هدوءاً وتسللاً يتجلى في اختيار ما سيصل إلى هذه الأدمغة أصلاً، فلا يحتاج "تيك توك" مثلاً إلى فهم طفولتنا وعقدنا وفلسفتنا في الحياة، تكفيه إشارات أبسط نقدمها له تتمثل في ما نشاهد حتى النهاية وأين نتوقف وماذا نمرر بسرعة تحت أصابعنا المستعجلة، وما الذي يدفعنا إلى التعليق أو المشاركة، ومن هذه الآثار الصغيرة يبني تخميناً كبيراً عما نريد رؤيته بعد ذلك.
لكن الانتباه في الواقع ليس موافقة، فقد نشاهد مقطعاً لأننا نحبه، أو لأن صاحبه يستفزنا أو لأنه قفز إلى الشاشة وانشغلنا عن تمريره، لكن عين الخوارزمية عمياء، كل ما تراه أننا بقينا حتى النهاية، فتفهم الرسالة على أنها اهتمام وتعيد علينا ما يشبهه مراراً وتكراراً، فتكمن قوتها الحقيقية في ترتيب ما يحضر أمامها، وما يتكرر يبدو أكثر أهمية وانتشاراً مما قد يكون عليه فعلاً، والأهم أن ما لا يظهر لا نعرف دائماً أننا نفتقده.
ونرى اللعبة نفسها بين أصدقائنا على "فيسبوك"، يظهر فجأة صديق لم نسمع أخباره منذ أشهر، فنضع إعجاباً على صورة ونعلق على أخرى، وربما نتبادل تعليقين، فتلتقط الخوارزمية هذه الإشارات وتزيد احتمال رفع منشوراته في ترتيب ما نراه. يصبح الصديق لأيام أو أسابيع جارنا الرقمي الذي نعرف ماذا أكل وأين سافر وماذا قال ابنه في المدرسة، ثم تخف التفاعلات أو تتغير الإشارات والمنافسة بين آلاف المنشورات فيتراجع حضوره وقد لا نراه طويلاً إلا إذا بحثنا عنه بالاسم، وفي الأثناء يصل فوج آخر إلى واجهة الشاشة، وهكذا نحن لا نرى بالضرورة من ينشر من أصدقائنا، إنما من رجحت الخوارزمية أننا نريد أن نراه الآن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فقاعات وسائل التواصل
نخلط كثيراً بين فقاعة الترشيح filter bubble وغرفة الصدىecho chamber الأولى تضيق وتفلتر ما يصل إلينا بفعل التخصيص personalization، أما الثانية فنشارك نحن في بنائها حين نختار من نتابع ونثق بمن يشبهنا ونبتعد عمن يزعج يقيننا، ولهذا حذرت مراجعة لمعهد "رويترز" لدراسة الصحافة بجامعة "أوكسفورد" عام 2022 من الصورة المريحة التي تجعل الخوارزمية المتهمة الوحيدة، فالأدلة على حجم غرف الصدى وتأثيرها ليست حاسمة كما توحي الكلمة، والناس لا يأخذون أخبارهم من منصة واحدة، كذلك فإن السياسة والبيئة الاجتماعية واختياراتنا الشخصية تشارك في رسم ما نراه.
يمكن القول إن الخوارزمية لم تخترع رغبتنا في سماع من يوافقنا، هي فقط أصبحت ماهرة كفاية في خدمتها، وقبلها كانت لدينا الصحيفة الحزبية وجلسات العشيرة أو العائلة التي لا تحتمل رأياً مخالفاً في معظم الأحيان.
الخوارزمية ليست زراً
ولكن لو كانت الحكاية بسيطة لكان العلاج سهلاً، فنكتفي حينها بتقليل المحتوى الذي يشبهنا ونطلب رؤية الرأي الآخر، فينخفض الاستقطاب ونخرج جميعاً أكثر اعتدالاً، لكن التجارب أفسدت هذه النهاية السهلة، ففي تجربة نشرتها "نيتشر" عام 2023، خفض برندان نايهان وزملاؤه بنحو ثلث ما يراه 23377 مستخدماً أميركياً على "فيسبوك" من مصادر تشبههم سياسياً خلال انتخابات عام 2020. تغير المحتوى الذي وصل إليهم فعلاً، لكن لم يظهر تغير قابل للقياس في مؤشرات مثل الاستقطاب العاطفي والتطرف الأيديولوجي.
لكن تجربة أخرى على منصة "إكس"، أجريت عام 2023 ونشرتها "نيتشر" عام 2026، شملت العينة النهائية 4965 مشاركاً أميركياً، امتدت نحو سبعة أسابيع وأعطت نتيجة مختلفة، وعندما تولت الخوارزمية اختيار ما يظهر للمستخدمين بدلاً من عرضه زمنياً، تحركت آراؤهم في بعض القضايا نحو مواقف أكثر محافظة، لكنهم لم يغيروا انتماءهم الحزبي ولم يزدد نفورهم من الطرف الآخر بشكل قابل للقياس.
فالخوارزمية أثرت في بعض الآراء، من دون أن تؤثر في الهوية السياسية نفسها، واللافت أن بعض الأثر استمر حتى بعد إيقاف الخلاصة الخوارزمية، لأن المستخدمين كانوا قد بدأوا بمتابعة حسابات اكتشفوها من خلالها.
وحتى النصيحة الشائعة بأن تتابع من يخالفك ليست وصفة مضمونة، فرؤية الرأي الآخر لا تعني فهمه بالضرورة، وأحياناً نراه فقط كي نتأكد أننا لا نحبه!
الجدار الصلب
في حين لا تزرع الخوارزمية رأياً جاهزاً في الدماغ، لكنها تستطيع أن تختار المواد التي سنبني منها رأينا، وما يتكرر يصبح مألوفاً، أما ما يغيب فيفقد فرصة الدخول في الحساب أصلاً، فلا تقول لنا المنصة بالضرورة بماذا نفكر، يكفي أحياناً أن تقرر ما الذي سنفكر فيه كثيراً وما الذي بالكاد سنراه.
فإذا أردنا متابعة حرب أميركا وإيران مثلاً، يستطيع مستخدم ما أن يعيشها عبر صور الضربات الأميركية والخسائر الإيرانية، وآخر عبر تهديدات طهران وهجماتها وتداعيات الحرب على دول المنطقة، الاثنان يتابعان الحرب نفسها، لكن كلاً منهما قد يكون قد تسلم نسخة مختلفة من الواقع.
وكذلك غزة مثال أشد وضوحاً على خطورة ما لا نراه، فمن يتعرض باستمرار لصور القتل والدمار والنزوح لا يكون انطباعه من المادة نفسها التي يراها شخص يصل إليه فقط محتوى عن السابع من أكتوبر (تشرين الأول) والرهائن والأمن الإسرائيلي، فإضافة إلى الآراء المعلبة ذات الخلفيات السياسية الشديدة الاختلاف، تأتي وسائل التواصل لتعزز رواية كل طرف عبر خوارزميات محددة، وكثيراً ما سمعنا عن تحيز وسائل تواصل للرواية الإسرائيلية وحذفها أو حد انتشار حسابات فلسطينية أو داعمة للفلسطينيين، وقد خلص تحقيق مستقل أجرته مؤسسة BSR بطلب من "ميتا" بعد أحداث عام 2021 إلى أن تطبيق سياسات الشركة ترك أثراً سلبياً في حقوق المستخدمين الفلسطينيين، وأظهر إفراطاً أكبر في إزالة المحتوى العربي مقارنة بالعبري نسبة إلى عدد المستخدمين، ثم وثقت "هيومن رايتس ووتش" عام 2023 أكثر من 1000 حالة من أكثر من 60 دولة شملت حذف محتوى وتعليق حسابات وتقييد التفاعل والوصول، وما يعرف بالـ Shadow Banning، أي خفض ظهور المحتوى أو الحساب من دون إبلاغ صاحبه.
كذلك فإن تطبيق قواعد "المنظمات والأفراد الخطرين" المرتبطة أيضاً بقوائم الإرهاب الأميركية جعل كلمات وأسماء وسياقات فلسطينية أكثر عرضة للفحص والحذف. اعترفت "ميتا" بالحاجة إلى تحسين أدواتها في التعامل مع العبرية واللهجات العربية، وهي حجة يصعب ابتلاعها في عالم رقمي يتحدث بكل اللغات، فالخلل اللغوي ليس تفصيلاً تقنياً حين يقرر ما يحذف وما ينتشر، والخوارزمية لا تعرف أنها تشارك في كتابة التاريخ، فهي تحسب إشارات ومخالفات واحتمالات، لكن حساباتها تقرر في النهاية أي رواية تصل أبعد وأيها تبقى خارج الشاشة، وهكذا يبدأ الانحياز قبل أن نختلف على تفسير الصورة، إذ يبدأ بتحديد أي صورة سمح لنا أن نراها لنكون رأياً أو موقفاً.
إلى اللامركزية سر
لكن هل تظل هذه الجدران الخوارزمية عصية على الكسر؟ في الأفق، تبشر تقنيات "الويب 3" و"البلوكتشن" بعصر "لا مركزي" يعيد ملكية البيانات والقرار للمستخدم، بعيداً من سطوة المنصات الكبرى وحساباتها الخفية، قد يكمن الأمل هنا، ليس في استبدال مستشار بآخر إنما في بناء فضاءات رقمية نملك فيها للمرة الأولى القدرة على اختيار المعايير التي تشكل وعينا الجماعي من دون وصاية ربما.