ملخص
يمكن وصف العلاقة بين أميركا وأوكرانيا بأنها "توافق استراتيجي مع تحفظ تكتيكي"، إذ تتفق واشنطن وكييف على الهدف النهائي وهو "النيل من قدرات روسيا"، لكنهما تختلفان أحياناً على الوسائل والأهداف المحددة.
كان غريباً أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انضمامه إلى أوكرانيا بصورة غير مباشرة في عمليتها الهجومية الأخيرة التي قامت بها "مسيراتها" ضد روسيا، وشلت حركة الطيران في موسكو نهاية الأسبوع الماضي. وكان ترمب صادق على مرسوم الكونغرس الذي حمل اسم السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، وينص على فرض عقوبات جديدة واسعة النطاق على روسيا، ويستهدف على وجه الخصوص قطاعي الطاقة والدفاع، إلى جانب ما يمنحه القانون للرئيس الأميركي من فرض الرسوم الجمركية على السلع الواردة من كبار مشتري النفط والغاز ومنها الصين والهند بنسب تصل إلى 100 في المئة. أما وجه الغرابة فيتلخص في أن ترمب كان قد استبق مصادقته على هذا المرسوم بمناشدة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التوقف عن استهداف قطاع الطاقة الروسي الذي اتخذه هدفاً رئيساً للهجمات الأخيرة، ومنها ضد مصفاة النفط المركزية ووحدات التكرير في موسكو.
وفي أول رد فعل على هذه العقوبات، أعلن الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف "أن الوثيقة التي أقرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد روسيا، لا تسهم في إحياء العلاقات الثنائية بين البلدين"، مضيفاً "أن روسيا سبق وتعرضت لما يزيد على 30 ألف عقوبة متنوعة، وتكيفت مع الوضع ووجدت السبل اللازمة للحد من تأثير هذه العقوبات".
العملية "M&Ms"
جاءت الهجمات الأخيرة التي شاركت فيها زهاء 1600 مسيرة أوكرانية، للمرة الأولى منذ بدء الحرب ضد أوكرانيا، بموجب خطة تستهدف النيل من قدرات روسيا الاقتصادية والعسكرية، والضغط على موسكو للجلوس إلى مائدة المفاوضات، في وقت كثيراً ما جاهرت السلطات الروسية بما تطرحه من شروط لذلك.
وكانت السلطات الأوكرانية اختارت لهذه الهجمات توقيتاً مواكباً لبداية العملية الانتخابية التي استهدفت اختيار أعضاء مجلس الدوما، لمنع المواطنين من الخروج للإدلاء بأصواتهم وإثارة البلبلة والارتباك في أوساطهم، والضغط على موسكو للعودة إلى مائدة المفاوضات، وإظهار قدرات أوكرانيا على نقل العمليات العسكرية إلى العمق الروسي.
وكم كان غريباً أن تحمل هذه العملية العسكرية الأخيرة اسم "M&Ms"، وهو الاسم الذي يقول وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخائيل فيدوروف إنه "ولد بصورة عفوية خلال اجتماع شتوي سري خُصص لمناقشة مشروع المسيرات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي". وكان فيدوروف وزع آنذاك محتويات علبة من حلوى "M&Ms" كانت وصلته كهدية في عيد ميلاده على الحاضرين، وذلك ما استلهم منه الحضور الاسم الرمزي للعملية.
ومن اللافت أن هذا الاسم "ارتبط لاحقاً بما حدده الأوكرانيون لطبيعة الهجوم نفسه، إذ تعتمد الاستراتيجية العسكرية للعملية على إطلاق أسراب ضخمة تصل إلى 1000 طائرة مسيرة صغيرة، رخيصة الثمن خلال ليلة واحدة، للحد من مقاومة الدفاعات الجوية الروسية. علاوة على أن هذا العدد الهائل من المسيرات الصغيرة المتشابهة شبهه المسؤولون بقطع حلوى ’M&Ms‘ الملونة والمتراصة".
وكان عمدة العاصمة الروسية سيرغي سوبيانين أعلن إسقاط ما يزيد على 400 من المسيرات التي هاجمت موسكو، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط نحو 297 من المسيرات التي هاجمت مقاطعات بيلغورود وكورسك وبريانسك المتاخمة للحدود الأوكرانية.
وعلى رغم ما أحدثته المسيرات من ارتباك في حركة الطيران، وإلغاء أو تأجيل عدد من الرحلات المدنية الجوية، فإن ما اتخذته السلطات الروسية من تدابير أمنية كان كفيلاً بالحيلولة دون وصول هذه المسيرات إلى سماء المطارات الرئيسة ومنها "شيريميتييفو" و"دوموديدوفو" و"فنوكوفو"، وإن استطاعت الوصول إلى مصفاة النفط المركزية في ضواحي موسكو.
I just had a positive and productive meeting with President Trump @POTUS at UNGA. Both the U.S. and Ukraine want to see this senseless Russian war ended before winter. We discussed potential de-escalatory steps that can open up the way to diplomacy. I am grateful that in the… pic.twitter.com/Ayvsj9It3m
— Volodymyr Zelenskyy / Володимир Зеленський (@ZelenskyyUa) September 22, 2026
محاولة استهداف العملية الانتخابية
ثمة ما يصل إلى حد الإجماع حول أن هذه الهجمات المكثفة للمسيرات لم تكن مجرد عملية عسكرية فحسب، بل كانت "أداة ضغط استراتيجية تهدف إلى إحداث ألم اقتصادي ونفسي مباشر في قلب روسيا، لإجبارها على تغيير مسارها في الحرب"، على حد قول عدد من المراقبين. وسارعت السلطات الروسية إلى إعلان اتهاماتها الصريحة لأوكرانيا ومن يقف وراءها، بمحاولة ترهيب المواطنين وتعطيل الانتخابات، وذلك تزامناً مع ما شنته هذه المسيرات من هجمات على موسكو خلال أيام التصويت من الـ18 إلى الـ20 من سبتمبر (أيلول) الجاري. وتباينت الروايات حول هذا الشأن بين اتهامات روسية مباشرة، وتقارير عن انتهاكات داخلية، وتبريرات أوكرانية ضمنية.
وأعلن عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، أن الهجوم غير المسبوق بالمسيرات، كان "محاولة واضحة لعرقلة الانتخابات"، لكنه أكد في الوقت نفسه أن "العدو فشل في تحقيق هدفه". وأكدت السلطات الروسية أن "الهجوم استهدف أيضاً البنية التحتية للاتصالات، إذ لم يستهدف المطارات فحسب، بل ضرب أيضاً أنظمة التصويت الإلكتروني والبنية التحتية عبر هجمات سيبرانية، مما كان يشير إلى نية ممنهجة لضرب العملية الانتخابية نفسها".
ومن اللافت في هذا الصدد أن اختيار القيادة الأوكرانية لتوقيت هذه العملية في موعد إجراء الانتخابات البرلمانية نفسه في روسيا، جاء دليلاً دامغاً على عدم صحة ما يطرحه الرئيس الأوكراني من أسانيد لتبرير عدم إجرائه للانتخابات الرئاسية، وتمديده حال الطوارئ منذ انتهاء فترة ولايته الدستورية منذ مايو (أيار) 2024، وهو ما سبق وأشار إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة.
تعمد التنسيق بين كييف وواشنطن
وثمة من يقول إن "تحديد توقيت الهجوم الأوكراني المكثف على موسكو ليكون مواكباً لتوقيع الرئيس الأميركي ترمب على "حزمة العقوبات الجديدة"، لم يكن مجرد مصادفة، بل يعكس توافقاً استراتيجياً واضحاً بين واشنطن وكييف، وإن اتسم ببعض التناقض التكتيكي في شأن أهداف محددة، مثل مصافي النفط". كما أن التوقف عند مثل ذلك التوقيت الذي يقول مراقبون كثر إنه "توقيت مدروس بعناية"، يكشف عن "استراتيجية ضغط مزدوجة"، إذ يجمع بين الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بما يمنح الرئيس ترمب من صلاحيات فرض رسوم جمركية هائلة على مشتري النفط والغاز الروسي، ويستهدف قطاعي الطاقة والدفاع و"أسطول الظل"، سعياً وراء تجفيف الموارد المالية للعملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما عن الضغوط العسكرية فتتمثل في ما وافقت وزارة الخارجية الأميركية عليه من صفقة أسلحة دفاعية لأوكرانيا بقيمة 2.68 مليار دولار، تشمل صواريخ ومنصات إطلاق ورادارات مضادة للمسيرات. وهنا تبدو الرسالة واضحة بما تمنحه واشنطن لأوكرانيا من منظومات للدفاع الجوي، فضلاً عما توفره لها من غطاء سياسي يتمثل في مرسوم أقره الكونغرس ينص على توسيع دائرة العقوبات والضغوط الاقتصادية غير المسبوقة. وذلك إلى جانب استئناف توفير المعلومات اللوجيستية الاستخباراتية، بما يتفق مع مستويات ما قبل بداية "العملية العسكرية الروسية الخاصة"، وهو ما تمكنت أوكرانيا معه من توجيه ضربات دقيقة لأهداف في العمق الروسي، فضلاً عن "دور أميركي في التخطيط" يتمثل في ما تقدمه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من "تقارير استخباراتية أكدت أنها ووكالات غربية ساعدت أوكرانيا في رسم خرائط انتشار الدفاعات الجوية الروسية، وتحديد مسارات الطائرات من دون طيار لتجنبها وضرب أهداف بعيدة المدى، بما في ذلك مصافي النفط". وكانت المصادر الأميركية كشفت عن نقل مسؤولين أميركيين للمعلومات التي ساعدت أوكرانيا على "ضرب أهداف داخل العمق الروسي"، مما يسهم إلى حد كبير في تعزيز مواقعها في ساحة المعركة.
"توافق استراتيجي مع تحفظ تكتيكي"
وعلى رغم هذا التوافق الاستراتيجي المعلن في معظمه، فقد ظهر ما قد نصفه بـ"التناقض التكتيكي"، وهو ما يتمثل في تعمد أوكرانيا استهداف مصافي النفط تحديداً. وكان ترمب أجرى في اليوم التالي لهجوم المسيرات المكثف، اتصالاً هاتفياً مع زيلينسكي عاد فيه إلى طلبه حول وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، وربط ذلك صراحة بارتفاع أسعار الديزل العالمية. وعلى رغم ما يبدو فيه ترمب من تناقض يتمثل في دعمه لاستراتيجية خنق الاقتصاد الروسي عبر العقوبات التي يستهدفها قانون "ليندسي غراهام"، فإنه يبدو وكأنه "يخشى أن تؤدي الضربات على المصافي إلى ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، مما قد يضر باقتصاد الولايات المتحدة ويؤثر في أسواق الطاقة".
وذلك يعني في حقيقة الأمر أن هناك ما يجمع بين ترمب وزيلينسكي من توافق استراتيجي عميق بين الهجوم الأوكراني وسياسة الإدارة الأميركية، إذ تعمل الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية كأداتين متكاملتين لزيادة الضغط على موسكو، فيما يبدو دور واشنطن واضحاً في تنسيق الضربات في العمق الروسي عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية.
غير أن ترمب وعلى المستوى التكتيكي، يظهر تحفظاً حيال استهداف مصافي النفط تحديداً، خوفاً من تداعيات ذلك على أسواق الطاقة العالمية. ولذا، يمكن وصف العلاقة بأنها "توافق استراتيجي مع تحفظ تكتيكي"، إذ تتفق واشنطن وكييف على الهدف النهائي وهو "النيل من قدرات روسيا"، لكنهما تختلفان أحياناً على الوسائل والأهداف المحددة. ولا يغيب ذلك عن دائرة نظر ومتابعة الكرملين، وأجهزته الأمنية والتنفيذية.
بوتين يتذكر شعار شبابه في "لينينغراد"
أعلن بوتين في الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وفي معرض حديثه أمام منتدى فالداي الدولي في سوتشي، أنه يتوارد إلى خاطره مقولة من "ذكريات الشارع" في لينينغراد، تقول "إنه وإذا كان العراك حتمياً، فلتكن أنت البادئ به".
وكانت هذه العبارة وردت إلى خاطر الرئيس بوتين ابن مدينة "لينينغراد" (سان بطرسبيرغ حالياً)، في مناسبة المواجهة بين القوات الروسية و"داعش" في عام 2015 داخل سوريا، وشرح فيها منطق موسكو من العملية العسكرية الروسية التي قامت بها آنذاك، وما تعنيه هذه المقولة من تفسير لضرورة توجيه "الضربة الاستباقية" وتطبيقها في الجغرافيا السياسية. وأشار بوتين إلى أنه تعلم هذه القاعدة قبل 50 عاماً في شوارع لينينغراد. وذلك في إطار المقصود منه أنه إذا أصبح خطر الإرهاب حتمياً ويشكل تهديداً مباشراً لأمن البلاد، فمن الضروري التحرك استباقياً، وتدمير المسلحين في مناطق بعيدة، بدل انتظار وصولهم إلى الأراضي الروسية.
ومنذ ذلك الحين تُستذكر هذه المقولة كثيراً سواء من جانب بوتين أو كبار المعلقين الروس المعروفين بميولهم القريبة من الكرملين، ومنهم فلاديمير سولوفيوف في برنامجه اليومي الليلي على شاشة القناة الإخبارية الرسمية "روسيا -1". وفي هذا الصدد نشير إلى أن سولوفيوف كثيراً ما يدعو إلى قصف العواصم الغربية وبلدان الناتو، بوصفها أهم الاخطار التي تهدد أمن روسيا.
وكانت المصادر الروسية سبق وأشارت إلى أن روسيا قد تستخدم ميثاق الأمم المتحدة لتبرير ضرباتها على ألمانيا. وننقل عن موقع "سترانا-رو" ما نشره حول "أن ميثاق الأمم المتحدة لا يزال يتضمن بنداً يتعلق بـ"الدول المعادية". كما أن المواد 53 و77 و107 من ميثاق هذه المنظمة الدولية تسمح للحلفاء السابقين باستخدام القوة ضد ألمانيا دون عقوبات من مجلس الأمن الدولي، بما يعني ضمناً أن روسيا يمكنها قانوناً ضرب المصانع الألمانية التي تنتج طائرات من دون طيار لأوكرانيا". وننقل عن النائب السابق في البرلمان الأوروبي، مايكل فون دير شولنبرغ، الدبلوماسي الألماني، العضو السابق في البرلمان الأوروبي عن حزب "تحالف صحرا فاغنكنيشت"، ما قاله حول أن "روسيا قد تستخدم ميثاق الأمم المتحدة نظرياً لتبرير شن ضربات ضد الشركات الألمانية التي تصنع طائرات مسيرة بعيدة المدى لمصلحة أوكرانيا". وفي هذا الصدد نستذكر ما سبق وطالب به المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ضرورة بناء أكبر جيش في أوروبا، وما يفعله على صعيد حشد الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، وهو ما يفتح الباب أمام مختلف التقديرات والاتهامات بكل ما تحمله من تأويلات.