Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشمال يهيمن على الابتكار التكنولوجي

يعكس هذا الوضع عقوداً من التفاوتات المتراكمة في مجالات الثروة والتعليم وتمويل البحوث والبنية التحتية الرقمية

لا يوجد نموذج واحد لتشجيع الابتكار في القسم الشمالي من الكرة الأرضية (صورة مولدة بلذكاء الاصطناعي)

ملخص

ورثت الاقتصادات التكنولوجية الرائدة مزايا صناعية ومالية وعلمية كبيرة من موجات التصنيع السابقة، إذ راكمت كل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أسواقاً مالية ضخمة وجامعات ومؤسسات بحثية وبنية تحتية صناعية وشبكات اتصالات وخبرات هندسية وشركات متعددة الجنسيات ومجموعات كبيرة من رؤوس الأموال الاستثمارية.

تتسم الثورة العالمية في مجالي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بتفاوت جغرافي كبير، إذ تتركز أقوى شركات الذكاء الاصطناعي وشركات أشباه الموصلات ومزودو خدمات الحوسبة السحابية وشبكات رأس المال الاستثماري والمؤسسات البحثية في العالم بصورة رئيسة في أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا، في حين يظل كثير من دول "الجنوب" مستهلكاً للتقنيات المتطورة بدلاً من كونها منتجة لها.

ولا تقتصر المسألة على الجغرافيا أو حقيقة أن معظم هذه الشركات تقع في القسم الشمالي من الكرة الأرضية أي شمال خط الاستواء، بل يعكس هذا الوضع عقوداً من التفاوتات المتراكمة في مجالات الثروة والتعليم وتمويل البحوث والبنية التحتية الرقمية ورأس المال الاستثماري والقدرة على الوصول إلى تقنيات الحوسبة المتقدمة والكهرباء والبيانات والكوادر الماهرة، فضلاً عن السياسات الحكومية.

ويبرز هذا التركز بصورة لافتة في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تشير تقارير "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (أونكتاد) إلى أن 100 شركة وحسب استحوذت على 40 في المئة من إجمال الإنفاق المؤسسي على البحث والتطوير عام 2022، من دون أن يكون لأي منها مقر في دول الجنوب، فهل يكون الذكاء الاصطناعي وجهاً جديداً من أزمة غياب العدالة العالمية عنوانها شمال-جنوب؟

كيف نميز بين القسم الشمالي والجنوبي من الكرة الأرضية؟

في البداية لا بد لنا من الشرح أن دول القسم الشمالي من الكرة الأرضية تقع شمال خط الاستواء، بينما تقع دول نصف الكرة الجنوبي جنوبه. ويضم القسم الشمالي نحو 90 في المئة من سكان العالم ومعظم مساحة اليابسة على الأرض، وأهم دوله الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وجميع دول أوروبا وقارة آسيا بأكملها تقريباً (بما في ذلك الهند والصين واليابان)، والجزء الشمالي من أفريقيا (مثل مصر والجزائر).

أما القسم الجنوبي من الكرة الأرضية الذي يقع أسفل خط الاستواء، فيضم عدداً أقل بكثير من السكان ومساحة أقل بكثير من اليابسة، حيث تتكون غالبية مساحته من المحيطات، وأهم دوله أستراليا ونيوزيلندا ودول جنوب أفريقيا (مثل جنوب أفريقيا وزيمبابوي وناميبيا)، ومعظم أميركا الجنوبية (بما في ذلك الأرجنتين وتشيلي والجزء الأكبر من البرازيل).

القسم الشمالي من الكرة الأرضية

ورثت الاقتصادات التكنولوجية الرائدة مزايا صناعية ومالية وعلمية كبيرة من موجات التصنيع السابقة، فراكمت كل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أسواقاً مالية ضخمة وجامعات ومؤسسات بحثية وبنية تحتية صناعية وشبكات اتصالات وخبرات هندسية وشركات متعددة الجنسيات ومجموعات كبيرة من رؤوس الأموال الاستثمارية. وتميل التكنولوجيا إلى البناء على ما هو موجود بالفعل، فالبلد الذي يمتلك مصانع لأشباه الموصلات وجامعات وبنية تحتية للحوسبة السحابية ورأس مال استثمارياً، يجد سهولة أكبر بكثير في إنتاج الجيل المقبل من التكنولوجيا وشركات الذكاء الاصطناعي.

ويتطلب تطوير الذكاء الاصطناعي مبالغ هائلة من المال، لذا فإن رأس المال يخلق شركات ناشئة ومواهب وشركات ناجحة، مما تتفوق به دول القسم الشمالي من الكرة الأرضية.

وتستفيد مراكز تكنولوجية كبرى مثل "وادي السيليكون" وبوسطن وسياتل ولندن وتورونتو وغيرها من التقارب المكاني بين الجامعات والمختبرات والشركات والمستثمرين والشركات الناشئة، حيث يمكن للباحث الانتقال من مختبر جامعي إلى شركة ناشئة، والحصول على تمويل استثماري، والتعاون مع شركة كبرى من دون مغادرة النظام البيئي التكنولوجي نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتظهر بيانات الابتكار الصادرة عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية لعام 2025 أن أكبر 100 مجمع للابتكار في العالم تستحوذ على ما يقارب 70 في المئة من طلبات براءات الاختراع العالمية وأنشطة رأس المال الاستثماري، في حين تولّد المراكز الـ10 الأولى وحدها نحو 40 في المئة من طلبات براءات الاختراع الدولية و35 في المئة من صفقات رأس المال الاستثماري.

وتتمتع كل من الولايات المتحدة والصين بأسواق استهلاكية وتجارية هائلة، ويمكن لشركة تكنولوجية هناك تطوير منتج ما وبيعه فوراً إلى مئات ملايين المستخدمين المحتملين، وبذلك تسهّل الأسواق الكبيرة استرداد الكلف الباهظة المرتبطة بتطوير تقنيات جديدة.

وأخيراً يعتمد الذكاء الاصطناعي على البنية التحتية المادية، وتحتاج الدولة إلى إمدادات كهرباء موثوقة وشبكات اتصالات عالية السرعة، ومراكز بيانات ومعالجات متطورة وبنية تحتية للحوسبة السحابية وسلاسل توريد أشباه الموصلات وأنظمة تبريد وشبكات رقمية عالية الجودة.

صعوبة في تطوير منظومات تكنولوجية مكافئة؟

الوجود في نصف الكرة الجنوبي لا يسبب بحد ذاته ضعفاً تكنولوجياً، فعلى سبيل المثال تقع أستراليا في نصف الكرة الجنوبي وتمتلك منظومة تكنولوجية وبحثية متطورة، إذ تصنفها المنظمة العالمية للملكية الفكرية في المرتبة 22 عالمياً من ناحية الابتكار لعام 2025. لذا، فإن المشكلة اقتصادية ومؤسسية في المقام الأول وليست جغرافية.

وتكمن أهم عوامل تخلف دول الجنوب في انخفاض الإنفاق على البحث والتطوير، إذ لا يستطيع كثير من البلدان النامية تخصيص النسبة نفسها من الموارد الوطنية للبحوث المتقدمة مقارنة بالاقتصادات الغنية. وغالباً ما ينتقل المهندسون والعلماء ذوو الكفاءة العالية إلى بلدان توفر رواتب أفضل ومرافق بحثية وفرصاً وظيفية أرقى.

 

 

ويفتقر كثير من الأنظمة المالية النامية ببساطة إلى حجم رأس المال الاستثماري المتاح في مراكز الابتكار الكبرى مثل "وادي السيليكون"، أو لندن، أو بوسطن. وعادة ما تمتلك الدول ذات الصناعات التكنولوجية القوية أعداداً كبيرة من مهندسي البرمجيات وعلماء الحاسوب وعلماء الرياضيات ومهندسي أشباه الموصلات وباحثي الذكاء الاصطناعي وعلماء البيانات، وقد يستغرق بناء هذه القوى العاملة عقوداً من الزمن.

وفوق هذا وذاك تمتلك غالبية البلدان النامية أسواقاً محلية صغيرة نسبياً، ففي حين يمكن لشركة ناشئة في "وادي السيليكون" أن تبيع منتجاتها عالمياً منذ اليوم الأول، من الممكن أن تواجه الشركات في الاقتصادات الأصغر صعوبة في العثور على طلب محلي كافٍ للتوسع والنمو.

كيف تشجع دول القسم الشمالي الابتكار التكنولوجي؟

لا يوجد نموذج واحد لتشجيع الابتكار في القسم الشمالي من الكرة الأرضية، إذ تستخدم الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وكوريا الجنوبية أساليب مختلفة، فمثلاً يجمع النموذج الأميركي بين أسواق رأس مال استثماري هائلة وجامعات عالمية المستوى، والبحث والتطوير في القطاع الخاص، والبحث العلمي الذي تموله الحكومة، وشركات التكنولوجيا الكبرى.

واتبعت الصين استراتيجية أكثر توجهاً من الدولة، واستثمرت بصورة كبيرة في بحوث الذكاء الاصطناعي وتصنيع أشباه الموصلات والروبوتات والحوسبة الفائقة، وأصبحت الآن واحدة من قوتين رئيستين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم.

وتعتمد الدول الأوروبية على البحوث العامة والجامعات والبحث والتطوير الصناعي وبرامج البحوث في الاتحاد الأوروبي وتمويل الابتكار الحكومي ولوائح التكنولوجيا المصممة لإنشاء معايير مشتركة. وتتمتع أوروبا بقدرات علمية هائلة، على رغم أنها كافحت تاريخياً لمجاراة الولايات المتحدة في رأس المال الاستثماري والتسويق. وتظهر البيانات أن أوروبا لديها 15 اقتصاداً من بين أفضل 25 اقتصاداً في العالم في مجال الابتكار.

أزمة عدالة بين الشمال والجنوب؟

للأسف، يفاقم الذكاء الاصطناعي التفاوت العالمي بين نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي، وهذا يعود لتركز قوة الحوسبة ورأس المال والمواهب والبيانات والبنية التحتية والملكية الفكرية للذكاء الاصطناعي في عدد محدود نسبياً من الدول، إذ تمتلك الولايات المتحدة والصين وكثير من الدول الأوروبية حصة غير متناسبة من شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومراكز البيانات وقدرات أشباه الموصلات ومؤسسات البحث ورأس المال الاستثماري في العالم، في حين غالباً ما تعتمد الدول النامية على البنية التحتية والنماذج الأجنبية للذكاء الاصطناعي.

ويتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة رقائق متطورة ومراكز بيانات ضخمة وكميات هائلة من الكهرباء، بينما تواجه الدول ذات رأس المال المحدود وشبكات الكهرباء غير الموثوقة أو البنية التحتية الرقمية الضعيفة صعوبة في المنافسة في هذا المجال.

وقد ينشئ الذكاء الاصطناعي نوعاً جديداً من التبعية التكنولوجية إذا اعتمدت الدول النامية بصورة أساس على أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة في الخارج، وتميل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى اتباع النظم التكنولوجية القائمة، فالدول التي تمتلك بالفعل جامعات ورأس مال استثمارياً ومهندسين ذوي مهارات عالية وشركات تكنولوجية كبيرة تجذب مزيداً من الاستثمارات، أما الدول التي تفتقر إلى هذه الأسس، فقد تتخلف أكثر.

كذلك، يؤثر الذكاء الاصطناعي في سوق العمل في الدول النامية، فبعض اقتصادات نصف الكرة الجنوبي يعتمد بصورة كبيرة على خدمات مثل مراكز الاتصال والأعمال الإدارية والترجمة والاستعانة بمصادر خارجية لتطوير البرمجيات، وغيرها من المهمات التي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها اليوم بصورة متزايدة، ويثير ذلك مفارقة، فالذكاء الاصطناعي قد يحسّن إنتاجية الاقتصادات المتقدمة، بينما يهدد في الوقت نفسه بعض الوظائف منخفضة الكلفة التي تعتمد عليها الاقتصادات النامية.

في الخلاصة، إذا ظلت الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والنماذج التقنية وبراءات الاختراع والبيانات والشركات التي تتيح قيام ثورة الذكاء الاصطناعي، متركزة بصورة كبيرة في القسم الشمالي من الكرة الأرضية، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي محركاً قوياً جديداً لتعميق التفاوت العالمي. أما إذا أتيحت فرص أوسع بكثير للوصول إلى القدرات الحاسوبية والمعرفة والتعليم وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي بدلاً من ذلك إلى واحدة من أقوى الأدوات التي ابتكرت على الإطلاق لتقليص الفجوة التكنولوجية بين الدول الغنية والدول النامية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير