ملخص
أظهرت التطورات التي أعقبت احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، أن التهديد وفتح الملفات القضائية لا يعيدان المجتمع بالضرورة لما كان عليه سابقاً، فقد اتسعت الفجوة بين نمط حياة شريحة كبيرة من المواطنين، وما تريده المؤسسات الرسمية، إلى درجة تجعل كل إجراء قسري جديد، بدلاً من حل المشكلة، يكشف وجهاً آخر من أوجه هذه الفجوة.
أعاد انتشار مقاطع مصورة من فعالية ترفيهية، أقيمت في أحد فنادق مدينة نوشهر، النيابة العامة والأجهزة الأمنية مجدداً لواجهة حدث اجتماعي، ووصف المسؤولون المحليون في إيران الفعالية بأنها خارجة عن الأعراف، من دون تقديم توضيح دقيق لطبيعة المخالفة التي وقعت، وأعلنوا بدء التحقيقات واحتمال اتخاذ إجراءات قضائية بحق المنظمين.
وقال قائد "الحرس الثوري" في منطقة نوشهر، العقيد عابدين داغمه تشي، إن الصور المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي تخضع للمتابعة، وفي الوقت نفسه، أكد المدعي العام في نوشهر أنه ستتخذ إجراءات قانونية حيال الحالات التي يرى أنها تُوجب التحقيق، ولم يتضح في المعلومات الأولية ما إذا كانت الفعالية قد أقيمت بترخيص أم لا، ولا ماهية اللوائح التي جرى انتهاكها، أو الأشخاص الذين قد يخضعون للملاحقة القضائية.
وبات هذا الغموض، خلال الأعوام الأخيرة، أحد العناصر الثابتة في التعامل مع الفعاليات الثقافية والاجتماعية، إذ يبدأ الأمر بانتشار مقطع مصور، ثم تنطلق حملة إعلامية تستخدم تعبيرات من قبيل "خرق الأعراف" و"خدش العفة العامة"، لتنتهي بتدخل النيابة العامة أو "الحرس الثوري" أو الشرطة، ووفق هذا النمط، يوضع منظمو الفعالية ومديرو المكان، وأحياناً المشاركون فيها، في موقع المتهم قبل إثبات وقوع أية مخالفة، من خلال مسار قانوني شفاف.
ولا يمكن النظر إلى واقعة "فندق نوشهر" باعتبارها حادثة منفصلة، فالإجراءات القضائية بحق ماراثون طهران، وإغلاق المقاهي بالشمع الأحمر، وفرض القيود على أماكن تجمع الشباب، وتصاعد الضغوط على النساء، وتهديد البرامج التي تبث عبر الإنترنت، كلها مؤشرات إلى عودة اتساع نطاق سياسة تسعى إلى ضبط وجود المواطنين في الفضاء العام، من خلال التهديد بالملاحقة القضائية وفرض أعباء اقتصادية عليهم.
ترخيص لم يمنع فتح ملف قضائي
صباح الجمعة، 18 سبتمبر (أيلول) الجاري، شارك آلاف النساء والرجال في سباق طهران لمسافة 10 كيلومترات، الذي أقيم في متنزه "ولاية"، وأظهرت الصور المنشورة مشاركة عدد من النساء من دون الحجاب الإلزامي، واختلاط المشاركين من النساء والرجال، وبعد ساعات من إقامة السباق، أعلن المركز الإعلامي للسلطة القضائية أن نيابة طهران وجهت اتهامات إلى منظمي السباق والقائمين عليه، بسبب عدم الالتزام بالضوابط القانونية والشرعية، وفتحت ملفاً قضائياً في القضية.
وأكد المدير العام للرياضة والشباب في محافظة طهران، حبيب ستوده نجاد، أن السباق أقيم بترخيص من مجلس أمن المحافظة، وأنه لم تكن هناك من الناحية القانونية أية مشكلة تحول دون إقامته، مضيفاً أن الرياضيين طُلب منهم تقديم تعهد بالالتزام بالضوابط الإسلامية، وأنهم تلقوا تنبيهات خلال مسار السباق، بل ومنعت بعض النساء من الدخول، وعلى رغم صدور الترخيص، وانتشار عناصر الحراسة والأمن، وأخذ تعهدات من المشاركين، وجهت النيابة اتهامات إلى المنظمين، وفتحت ملفاً قضائياً بحقهم.
ويثير هذا الإجراء تساؤلاً حول مدى اعتبار التراخيص الحكومية، فعندما تقام فعالية بعد استكمال الإجراءات الإدارية، والحصول على ترخيص من مجلس أمن المحافظة، ثم يكون في إمكان نشر بضع صور إبطال مفعول جميع تلك التراخيص، تصبح المسؤولية القانونية للمنظم عملياً بلا حدود، إذ لا يعود مطلوباً منه الالتزام باللوائح المعلنة وحسب، بل يتعين عليه أيضاً استباق ردود الفعل المحتملة لوسائل الإعلام المتشددة، وأئمة الجمعة، والجهات التي قد تقدم لاحقاً تعريفاً جديداً لما يعد عُرفاً مقبولاً.
ويتّبع التعامل مع "ماراثون طهران" و"قضية نوشهر" نمطاً مشتركاً، ففي كلتا الحالين تحوّل نشاط اجتماعي اعتيادي، بعد تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى ملف قضائي وأمني، ولا تقتصر المسألة هنا على وجود الترخيص أو غيابه، بل تتعلق أيضاً بطبيعة حضور المواطنين، وملابس النساء، وقيام فضاء يجتمع فيه الأفراد من دون أشكال الفصل التي يفرضها النظام الإيراني.
ويتجلى المنطق ذاته في الإجراءات المتكررة بحق الحفلات الموسيقية، والاحتفالات، والرحلات السياحية، ومراكز التسوق والفعاليات الرياضية، إذ يصبح مديرو هذه الأماكن ملزمين بمراقبة السلوك الفردي لجميع الحاضرين، والنتيجة هي نقل دور الجهة الرقابية إلى أصحاب الأعمال، إذ يتعين على مدير الفندق أو صاحب المقهى أو منظم المسابقة أن يتحول إلى مراقب لملابس الزبائن وعلاقاتهم الاجتماعية، وإلا واجه إغلاق منشأته بالشمع الأحمر، أو الاستدعاء أو فتح ملف قضائي بحقه.
تعريف النظام الأمني لتجمعات الشباب
إضافة إلى الملفات القضائية، أصبح إغلاق المحال والمنشآت بالشمع الأحمر أحد أسرع أدوات ممارسة الضغط الاجتماعي، وخلال الأعوام الأخيرة، أُغلقت عشرات المقاهي والمطاعم والمكتبات وأماكن الإقامة والمنشآت السياحية في مدن مختلفة، في الغالب تحت عناوين من قبيل خلع الحجاب وخرق الأعراف أو عدم مراعاة الضوابط، ولا يقتصر إغلاق مقهى بالشمع الأحمر على معاقبة مالكه وحسب، إذ ينقطع دخل العاملين فيه فوراً، وهم غالباً يعملون بعقود موقتة، ويحرم الزبائن من مكان تجمعهم المعتاد، فيما تتلقى الأعمال التجارية الأخرى في الحي رسالة تهديد، وبهذه الطريقة يتحول إجراء، يبدو في ظاهره مهنياً، إلى عقوبة جماعية، من دون أن تسبقه بالضرورة محاكمة علنية أو تتاح فرصة فعلية للدفاع.
ويعد "شارع سنائي" في طهران أحد نماذج تغير وظيفة الفضاءات الحضرية، بفعل حضور الجيل الشاب، فقد حُولت المقاهي والمقاعد والأماكن العامة المحيطة بالشارع في هذه المنطقة إلى ملتقى للشباب، من أجل اللقاء والحوار والسهر، لكن التقارير والصور المنشورة عن إزالة أو تخريب جزء من الأثاث الحضري في المنطقة، عززت الانطباع بأن إدارة المدينة تسعى، بدلاً من تنظيم فضاء حيوي، إلى تفريق تجمعات الشباب.
وتظهر مراجعة الأحداث المرتبطة بـ "شارع سنائي" أن المسألة تجاوزت التعامل مع ارتداء الحجاب بصورة اختيارية، وأن الجهاز القضائي يستهدف الحد من الملتقيات الثقافية وأماكن التجمعات الليلية للشباب، وكان هذا النهج قد برز سابقاً مع نشر أخبار عن الإغلاق المتعمّد للمقاهي المحيطة بالجامعات، وهو مسار أظهر أن حكومة إبراهيم رئيسي سعت، بذريعة "تسييس أجواء المقاهي والملتقيات الثقافية في وسط المدينة"، إلى مواجهة نشوء مثل هذه التجمعات، وشكّلت اتهامات من قبيل الترويج لـ "عبادة الشيطان"، أو تنظيم تجمعات سياسية داخل المقاهي، محاولة ممنهجة لتصعيد الضغوط الأمنية على أصحاب المقاهي في المناطق المركزية.
وعلى رغم أن هذه السياسة خرجت ظاهرياً من دائرة الأولوية، باعتبارها مشروعاً واسع النطاق، في أعقاب التطورات المرتبطة بنهاية حكومة رئيسي ثم حرب الأيام الـ12، فإن الشواهد على الأرض تشير إلى أن هذا النهج لا يزال مدرجاً على أجندة النظام،
وفي إطار هذه السياسة، لا ينظر إلى الفضاء العام باعتباره مكاناً لمشاركة المواطنين، بل بوصفه بيئة يمكن أن تثير مشكلات، فتجمع الشباب في شارع، أو مشاركة النساء والرجال في سباق، أو إقامة احتفال داخل فندق، يتحول إلى قضية أمنية بمجرد خروجه عن الأنماط الرسمية.
من جهة أخرى، يُبعد إغلاق المنشآت الخاصة النظام عن المساءلة المباشرة، فإغلاق مقهى أسهل من تقديم تفسير للأساس القانوني لمراقبة ملابس الزبائن، وكذلك فإن صاحب العمل، بسبب الخسائر اليومية التي يتكبدها، يضطر غالباً إلى قبول الشروط المفروضة عليه، وهكذا يحل الضغط الاقتصادي محل المسار القضائي الشفاف.
تأتي هذه الإجراءات في وقت تمثل المقاهي والأماكن المشابهة، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، بديلاً عن المنازل الصغيرة، ونقص المراكز الثقافية، وغياب الفضاءات الحضرية الحرة، وإغلاق هذه الأماكن لا يلغي الحاجة الاجتماعية إلى اللقاء والحوار، بل يدفعها إلى فضاءات أكثر خفاء، ويزيد المسافة بين الشباب والمؤسسات الرسمية.
من تهديد النساء إلى إسكات الحوار على الإنترنت
لا تزال النساء المحور الرئيس لجزء كبير من هذه الضغوط، وخلال الأسابيع الأخيرة، عاد عدد من أئمة الجمعة للتحذير من انتشار عدم ارتداء الحجاب، مطالبين بتحرك منسق للأجهزة التنفيذية والشرطية والقضائية، وقال إمام جمعة طهران الموقت، محمد جواد حاج علي أكبري، خلال خطبة صلاة الجمعة في الـ 30 من أغسطس (آب) الماضي، إن النظام لن يسمح بعودة ثقافة خلع الحجاب وانعدام الحياء، لتأتي هذه اللغة بعد فترة حاولت فيها الحكومة الابتعاد من المواجهة المباشرة، كمؤشر إلى تصاعد الضغوط من أجل إعادة تدخل مؤسسات النظام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا تقتصر هذه التصريحات على كونها توصيات دينية، فقد أظهرت تجربة الأعوام الماضية أن تكرار قضية معينة على منابر صلاة الجمعة، يهيئ الأرضية السياسية لتنفيذ خطط أمنية، وإرسال رسائل نصية، وحجز السيارات، والحرمان من الخدمات، وفتح الملفات القضائية، وفي هذه الآلية تُستهدف النساء، لا بسبب ارتكاب جريمة بحق شخص آخر، بل بسبب وجودهن في الشارع أو مكان العمل أو فعالية رياضية.
وفي الوقت نفسه، امتدت حدود الرقابة من الشارع إلى الفضاء الإلكتروني، فقد تحولت البرامج الحوارية عبر الإنترنت والـ "بودكاست" والإنتاجات الرقمية، خلال الأعوام الأخيرة، إلى مساحة لعرض التجارب الشخصية والروايات المختلفة، حول العلاقات وأنماط الحياة والقضايا الاجتماعية، وتنبع شعبية هذه البرامج تحديداً من ابتعادها من اللغة الرسمية لـ "هيئة الإذاعة والتلفزيون" الإيرانية.
لكن هذه السمة نفسها حوّلتها إلى هدف جديد للجهات الرقابية، فالتهديد برفع دعاوى قضائية، واستدعاء القائمين على البرامج، وحذف الحلقات، ووقف بث البرامج، تخلق شكلاً من أشكال الرقابة اللاحقة للإنتاج، وفي أغسطس الماضي أُوقف برنامج "درجام" على الإنترنت، عقب نشر جزء من محتوى إحدى حلقاته، في نموذج يظهر أنه حتى البرامج الترفيهية قد تختفي فجأة من التداول، بسبب موجة اعتراض أو قرار رقابي.
التضييق من الشارع إلى البرامج الحوارية
سبق أن ترتبت على نشر حوارات تتناول الحجاب والعلاقات الشخصية والموسيقى والهجرة أو تجربة الاعتقال، تبعات قضائية وأمنية على منتجي بعض البرامج عبر الإنترنت، والقاسم المشترك بين هذه القضايا هو غموض حدود المحظور، فالمنتج لا يعرف مسبقاً أي عبارة يقولها الضيف قد تعتبر مصداقاً لترويج انعدام العفة، أو تشويش الرأي العام، أو نشر محتوى مخالف للضوابط، وهذا الغموض يتحول في حد ذاته إلى أداة للرقابة، ويدفع المنتجين إلى حذف المواضيع الحساسة بصورة استباقية.
وتشير مجمل هذه المؤشرات إلى تشكّل جولة جديدة من الرقابة الاجتماعية، وهي جولة لا تبدأ بالضرورة بعودة علنية لدوريات الإرشاد، بصورتها السابقة، بل تعتمد على شبكة مترابطة تضم النيابات العامة والشرطة و"الحرس الثوري"، وأجهزة الحراسة وأئمة الجمعة والهيئات المهنية والجهات المنظمة للفضاء الإلكتروني، وفي هذا النموذج تتوزع مسؤولية المحاسبة، وجهات تنفيذ الإجراءات، لكن النتيجة واحدة، وهي زيادة كلفة عيش المواطنين، وحضورهم بحرية في المجال العام.
تُظهر قضية "فندق نوشهر" و"ماراثون طهران" أن الحصول على ترخيص لا يوفر بالضرورة حماية قانونية، ويُظهر إغلاق المقاهي أن مصادر رزق أصحاب الأعمال يمكن أن تتحول إلى أداة للضغط عليهم، وإجبارهم على قبول دور المفتش أو المراقب لسلوك زبائنهم، ويؤدي التضييق على ملتقيات الشباب إلى حرمان المدينة من إمكان نشوء علاقات اجتماعية عفوية، فيما يدفع تهديد البرامج عبر الإنترنت الحوار إلى الصمت مسبقاً، وما يطلق عليه في الخطاب الرسمي "مواجهة خرق الأعراف"، تحوّل عملياً إلى تدخل واسع في تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من ملابس النساء وطريقة مشاركتهن في سباق، مروراً بموسيقى احتفال والجلوس في مقهى، وصولاً إلى الأسئلة التي يطرحها مقدم برنامج عبر الإنترنت، وفي هذا المسار يظهر الجهاز القضائي، بدلاً من أن يكون حكَماً في النزاعات وحامياً لحقوق المواطنين، وفي موقع أداة لتنظيم أنماط الحياة.
ومع ذلك أظهرت التطورات التي أعقبت احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، أن التهديد وفتح الملفات القضائية لا يعيدان المجتمع بالضرورة لما كان عليه سابقاً، فقد اتسعت الفجوة بين نمط حياة شريحة كبيرة من المواطنين، وما تريده المؤسسات الرسمية، إلى درجة تجعل كل إجراء قسري جديد، بدلاً من حل المشكلة، يكشف وجهاً آخر من أوجه هذه الفجوة.