ملخص
تكشف علاقة ديانا بشقيقها تشارلز سبنسر عن رابطة وثيقة صنعتها طفولة مضطربة، قبل أن تتسلل إليها الخلافات والمسافة مع تعقد حياة الأميرة ودخولها قلب المؤسسة الملكية. ويعيد كتاب سبنسر الجديد فتح ملفات حساسة من حياة ديانا ووفاتها وعلاقتها بآل وندسور، فيما يواصل شقيقها الدفاع عن إرثها بعد نحو ثلاثة عقود على رحيلها.
حين ألقى تشارلز، إيرل سبنسر التاسع، كلمة التأبين في جنازة شقيقته ديانا، بدت كأنها أولى طلقات حرب كلامية مع آل وندسور، فقد قال إن عائلة ديانا "بالدم"، أي آل سبنسر، ستفعل كل ما بوسعها لضمان ألا ينغمس وليام وهاري "ببساطة في الواجب والتقاليد"، في انتقاد واضح لثقافة القصر الخانقة التي عانت شقيقته في ظلها، وساد بعدها صمت مذهول، قبل أن تنطلق موجة من التصفيق بين الحشود المتجمعة خارج دير وستمنستر.
وبعد نحو 30 عاماً، أطلق شقيق ديانا الأصغر، البالغ اليوم 62 سنة، قنبلة كلامية أخرى في وجه العائلة المالكة، إذ يُقال إنه يروي في كتابه المرتقب "أغنية البجعة: ديانا، شقيقتي" Swan Song: Diana, My Sister أن تشارلز، زوج ديانا السابق، قال له بعد أيام قليلة من وفاة أميرة ويلز عام 1997: "اطمئن، لن يطول الوقت قبل أن ننساها!".
وهو ادعاء لافت دفع القصر إلى رد نادر، وقال متحدث باسم العائلة المالكة "على رغم أننا لا نعلق على الكتب من حيث المبدأ، فإن جلالته يدرك أن ألم فقدان الشقيقة قد يحجب صفاء التفكير، ويؤثر في القدرة على الحكم، ويلون الذكريات بطرق قد لا يدركها الآخرون، حتى بعد أعوام طويلة من مثل هذه الخسارة".
ولعلها نسخة الملك تشارلز من عبارة والدته الشهيرة والمقتضبة: "قد تختلف الذكريات"، لكن من المرجح ألا يكون هذا الادعاء المثير الوحيد الذي سيجد آل وندسور أنفسهم مضطرين إلى التعامل معه عند صدور "أغنية البجعة" الأسبوع المقبل. ووفقاً لناشري الكتاب، فإنه يمثل "المرة الأولى التي يتحدث فيها إيرل سبنسر علناً وبإسهاب عن شقيقته".
ويقول سبنسر إن هدفه كان "قول الحقيقة عن ديانا من وجهة نظر شقيقها، تماماً كما حاولت أن أفعل عندما تحدثت في جنازتها"، مضيفاً "وكما فعلت في كلمة التأبين، أريد أن أتحدث نيابة عن ديانا، وأن أفعل ذلك بصورة إيجابية وصريحة". وربما كانت عبارة "كما فعلت في كلمة التأبين" وحدها كافية لرفع درجة التأهب لدى الفريق الإعلامي في القصر، عندما أُعلن عن الكتاب قبل شهر فقط.
وبالطبع، صدرت على مر السنين كتب وأفلام ووثائقيات وبرامج تلفزيونية لا حصر لها، واقعية وخيالية، ادعى أصحابها جميعاً أنهم يقدمون لنا ديانا "الحقيقية"، لكن شقيقها، الذي رافقها في طفولتها الصعبة وقدم نفسه خلال الأعوام التي أعقبت وفاتها، بوصفه مدافعاً عن إرثها، يتمتع بموقع فريد يؤهله للحديث عنها، فقد تشكلت الرابطة بينهما في ظل الحزن والعزلة اللذين طبعا نشأتهما الأرستقراطية المضطربة، قبل أن توضع هذه العلاقة تحت الاختبار مع ازدياد تعقيد حياة ديانا العامة والخاصة.
وُلدت ديانا عام 1961، وكانت الابنة الثالثة لجون سبنسر، الذي أصبح لاحقاً إيرل سبنسر الثامن، وزوجته فرانسيس، وجاءت ولادتها بعد وقت قصير من وفاة أول أبنائهما الذكور، في وقت كانت الأسرة تتطلع بشدة إلى إنجاب وريث ذكر يتولى لاحقاً ملكية ألثورب، ولم يغب هذا التطلع عن ديانا حتى وهي طفلة، إذ نشأت وهي تحمل شعوراً مؤلماً بأنها لم تكن الابنة التي كان والداها ينتظرانها.
تذكرت ديانا لاحقاً أنها كانت تسمع شقيقها الأصغر ليلاً وهو يبكي طلباً لوالدته، لكنها كانت تخشى الظلام إلى حد يمنعها من مغادرة غرفتها للذهاب إليه ومواساته
وعندما وُلد الطفل المنتظر عام 1964، وسط ارتياح كبير من والديهما، لم تشعر ديانا بالغيرة من الوافد الجديد، بل سرعان ما نشأت بينها وبين تشارلز علاقة وثيقة، وكانت ديانا الصغيرة تمشي إلى جانب المربية، وهي تدفع عربة شقيقها، وأحياناً كان الطفلان يصادفان الملكة إليزابيث الثانية أثناء تجوالهما في حديقة ساندرينغهام، حيث كانت الأسرة تقيم، وقال ابن عمهما روبرت لاحقاً لكاتبة السيرة تينا براون إن "ما جعل الإقامة معهما ممتعة حقاً هو أنها كانت أختاً كبرى رائعة".
لم يكن زواج جون وفرانسيس سعيداً، وفاقم الضغط من أجل إنجاب وريث ذكر التوتر بينهما، وحين كانت ديانا في السادسة وتشارلز في الثالثة، تركت فرانسيس زوجها من أجل بيتر شاند كيد، المنحدر من عائلة ثرية تعمل في صناعة ورق الجدران، ولم يُفسر غيابها للأطفال على نحو واضح، فوجدوا صعوبة في فهم سبب رحيل والدتهم المفاجئ.
وتذكرت ديانا لاحقاً أنها كانت تسمع شقيقها الأصغر ليلاً وهو يبكي طلباً لأمه، لكنها كانت تخشى الظلام فلا تجرؤ على مغادرة غرفتها لمواساته، ثم يلاحقها الشعور بالذنب لأنها تركته وحيداً بعدما غابت عنه والدتهما أيضاً، وفي نهاية المطاف، حصل جون على حضانة أطفاله الأربعة، وبينما كانت الشقيقتان الأكبر سارة وجين تقيمان في مدرسة داخلية، كان ديانا وتشارلز يقضيان عطلات نهاية الأسبوع متنقلين بين منزل العائلة وشقة والدتهما في لندن.
وتركت تلك التجربة أثراً عميقاً في الشقيقين، حد أن تشارلز استعادها بعد أعوام في كلمته خلال جنازة ديانا، قائلاً "لم تتغير قط عن الأخت الكبرى التي اعتنت بي عندما كنت رضيعاً، وتشاجرت معي في المدرسة، وتحملت معي رحلات القطار الطويلة بين منزلي والدينا في عطلات نهاية الأسبوع".
ولم يكن والدهما بدوره أباً شديد الدخول في حياة أبنائه، حتى بمعايير ذلك الزمن. كان الأطفال يتناولون وجباتهم في غرفة الحضانة مع المربية، بينما يتناول جون طعامه في غرفة الطعام الفخمة، وقد شغلته المخاوف المالية وتداعيات الطلاق، فظل حضوره بعيداً في حياتهما، مما زاد أهمية العلاقة التي جمعت ديانا وتشارلز.
وكانت علاقتهما وثيقة إلى درجة أن ديانا لم تستطع الجلوس بهدوء في اليوم الأول لالتحاق شقيقها بالمدرسة في نورفولك، إذ استبد بها القلق لمعرفة كيف يتأقلم هناك، واستعاد تشارلز قائلاً "كانت تتحرك في مقعدها، ولم تكن قادرة على التركيز".
وبإذن من المعلمة، خرجت من الصف لتطمئن إليه، ثم عادت وقالت لمديرة المدرسة: "إنه بخير!" وجلست في مكانها.
وعندما آلت ملكية ألثورب إلى جون بعد وفاة والده عام 1975، انتقلت الأسرة من نورفولك إلى نورثهامبتون، وكتبت براون أن ديانا وتشارلز أخذا يستكشفان أروقة المنزل الجديد الذي لم يألفاه بعد، أما شقيقتاهما الأكبر، سارة وجين، فكانتا قد انتقلتا إلى لندن لبدء حياتيهما الخاصة، فوجد الشقيقان الأصغر نفسيهما في مواجهة التغيير الأكبر، وسط أجواء ذلك العقار الضخم وما كان يفرضه من أعباء مالية.
وكان تشارلز لا يزال مراهقاً يدرس في إيتون عندما أُعلنت خطوبة ديانا إلى الأمير تشارلز، ولذلك لم تكن آراؤه في حياة شقيقته العاطفية معروفة على نطاق عام، ولا يصعب تخيل ما كان يدور في ذهنه بعدما ارتبطت ديانا برجل سبق أن واعد شقيقتهما الكبرى الليدي سارة، وقال لاحقاً لتينا براون "بدت لي سعيدة كما لم أرها من قبل. كانت سعادتها حقيقية، إذ لا يمكن لمن تحركه دوافع غير صادقة أن يبدو سعيداً إلى هذا الحد".
ومع دخول ديانا دائرة الضوء، رأى سبنسر منذ وقت باكر أن دوره هو أن يظل صريحاً ومباشراً معها، وأن يواصل معاملتها بوصفها شقيقته لا أميرة ويلز، كي تبقى واقعية، في وقت كان المحيطون بها عرضة لأن يتحولوا إلى مجرد متملقين يوافقونها على كل شيء.
ويتذكر في حديث لاحق إلى صحيفة الـ "تايمز": "أتذكر أنني حضرت مأدبة عشاء بعد وقت قصير، منذ أن أصبحت في المكانة التي أصبحت عليها، أقامها بعض الأصدقاء في غرفة خاصة داخل مطعم في فولهام، وفكرت وقتها: يا إلهي، إنهم جميعاً يتملقونها بصورة جنونية. وأدركت أن مهمتي هي أن أظل ثابتاً في موقفي كأخ، وأن أبقى كما أنا".
واعترف بأن هذا الدور كان "صعباً" أحياناً، إذ وجد نفسه مضطراً إلى "قول أشياء لم يكن الآخرون يقولونها لها، ولكن بمحبة وبطريقة بناءة"، مضيفاً "أعتقد أنه كان من الصعب عليها أن تسمع أي شيء سوى أن الحياة رائعة، لكنني كنت أرى أن ذلك واجبي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي عام 1992، ورث تشارلز ألثورب عقب وفاة والده، وبعد وقت قصير من إعلان رئيس الوزراء جون ميجور، في ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام، انفصال ديانا عن الأمير، قضت عيد الميلاد في ألثورب مع شقيقها وزوجته الأولى فيكتوريا، بينما انضم ابناها الصغيران إلى احتفالات العائلة المالكة في ساندرينغهام من دونها.
كانت فترة قاسية ومؤلمة، ونقلت صحيفة "صنداي ميرور" أنها "ذهبت إلى الفراش باكراً، كئيبة وغارقة في الدموع"، ويبدو أن تلك التجربة دفعتها إلى التفكير في مقر عائلتها باعتباره ملاذاً محتملاً، وبعد فترة وجيزة، وضعت نصب عينيها الانتقال إلى "غاردن هاوس"، وهي فيلا شُيدت على طراز معماري مستوحى من أعمال أندريا بالاديو.
لكن المنزل لم يكن مناسباً لإقامة ديانا، نظراً إلى موقعه المكشوف وقربه من الطريق، وهو ما كان يصعب معه توفير الخصوصية لامرأة تلاحقها عدسات المصورين في كل مكان، وقال سبنسر لاحقاً لإذاعة "راديو بي بي سي 4"، إن "ديانا كانت تأمل بأن تتمكن بعد ذلك من عيش حياة طبيعية، لكن المنزل الوحيد داخل ملكية ألثورب الذي رغبت في الإقامة فيه كان يضم ثلاث غرف نوم فقط، ويقع على مسافة 100 ياردة من الطريق، ولذلك لم يكن الأمر ممكناً، وكانت الشرطة تدرك أن الإقامة فيه لن تكون عملية".
وعرض عليها شقيقها بعد ذلك جميع العقارات الأخرى الملائمة ضمن أملاك ألثورب، ومن بينها قصر وورمليتون التاريخي، مؤكداً أنه كان مقتنعاً بأن ذلك هو الخيار الأنسب لها، وإن كانت هي ربما لم تر الأمر بالطريقة نفسها.
ويقال إن ديانا رفضت جميع البدائل التي اقترحها، ويبدو أن تلك الواقعة أدت إلى فتور العلاقة بينهما، من دون أن تصل إلى حد القطيعة. وفي وقت لاحق، عرض الصحافي مارتن بشير على سبنسر وثائق مزورة في إطار محاولاته الحصول على مقابلة ديانا الشهيرة في برنامج "بانوراما" عام 1995، بعدما سعى في البداية إلى كسب ثقة عائلتها للوصول إلى الأميرة.
لكن العلاقة بين الشقيقين لم تخل من التوتر، ففي عام 2003، نشر كبير خدم ديانا بول بوريل في مذكراته "واجب ملكي" A Royal Duty مراسلات خاصة من أفراد عائلتها وأصهارها، من بينها رسالة بعث بها سبنسر إلى شقيقته الكبرى عام 1996.
وبحسب ما ورد في الرسالة، كتب سبنسر إلى شقيقته: "تقبلت منذ زمن طويل أنني أصبحت شخصاً هامشياً في حياتك"، مضيفاً أنه وجد، هو وعائلته، أن الابتعاد منها بات أسهل، بعدما رأى ما سببه تقلب صداقاتها من حيرة وأذى لكثيرين، كما كتب، في إشارة إلى معاناتها من النهام العصبي، أن "التلاعب والخداع جزء من المرض"، معرباً عن أمله في أن تتلقى "العلاج المناسب والمتعاطف مع مشكلاتها النفسية".
ولم تكن العلاقة بين بوريل وآل سبنسر ودية بأي حال، فقد وصف كبير الخدم الإيرل بأنه "منافق" بعد كلمة التأبين التي ألقاها في جنازة ديانا، وقال إنه شعر بالغثيان وهو يستمع إليها.
أما سبنسر، فقال إن الرسالة كانت "مراسلة خاصة اقتُطعت من سياقها ومن الظروف التي كُتبت فيها"، مضيفاً أن "كل الرسائل المفعمة بالمحبة التي بعثت بها لا تحظى بالقابلية نفسها للبيع التي تحظى بها هذه الرسالة"، ووصفها بأنها "محاولة صادقة لمساعدتها حين كانت تمر بواحدة من أكثر مراحل حياتها تعقيداً".
وشكلت كلمة التأبين بداية جهود سبنسر للحفاظ على إرث شقيقته، وبصفته المسؤول عن ألثورب، حرص على دفن ديانا في مكان خاص ضمن أراضي العائلة، بعيداً من أنظار العامة، ولا يزال يزور قبرها "كل يوم تقريباً"، وفق ما قال في مقابلة عام 2024، وشبّه حزنه على فقدان شقيقته في سن باكرة بـ "بتر أحد الأطراف"، موضحاً "لم يعد هناك أحد أتقاسم معه ذكريات طفولتي، وهذه خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها حقاً".
وعلى رغم أن ديانا سمّت سبنسر في وصيتها وصياً على وليام وهاري، فإنه قال عام 2002 إن آل وندسور أقصوه، وقال لصحيفة الـ "غارديان" إن "ما يمكنني قوله هو أنه ربما لا يجري تشجيعهما على البقاء على صلة بعائلة والدتهما"، ووصف القصر الأمر آنذاك بأنه "مسألة عائلية خاصة".
ومع ذلك، يبدو أن التباعد داخل العائلة قد تقلص بمرور الوقت، ولا سيما بين سبنسر وابن شقيقته الأصغر هاري، فالأخير يبدو أنه مثل والدته، اتخذ من ألثورب ملاذاً له، وأصبح يلجأ إليها خلال زياراته من كاليفورنيا إلى المملكة المتحدة، في ظل استمرار ابتعاده من الجانب الآخر من عائلته، والعام الماضي ظهرت تقارير تفيد بأن هاري بحث إمكان تغيير اسم عائلته إلى سبنسر.
ولا يسع المرء إلا أن يتخيل أن الخال وابن شقيقته تبادلا الحديث عن كيفية كتابة مذكرات تثير غضب العائلة المالكة حقاً، وعلى نحو ما، أليس في ذلك أيضاً امتداد لإرث ديانا؟
© The Independent