ملخص
تمتد التداعيات إلى قنوات التجارة والتحويلات المالية، وسط تقلص المنافذ التي اعتمدت عليها إيران عبر تركيا والإمارات ودول أخرى للالتفاف على القيود المصرفية والعقوبات.
يبدو إفلاس فرع بنك "سبه" في فرانكفورت وإلغاء ترخيص فرع بنك "ملت" في إسطنبول للوهلة الأولى حدثين منفصلين، إلا أن وضعهما في سياق واحد يكشف عن دخول الضغوط على الشبكة المصرفية الإيرانية مرحلة جديدة.
مرحلة لم تعُد فيها العقوبات تستهدف فقط التحويلات بالدولار أو التعامل المباشر مع البنوك الأميركية، بل تدفع أيضاً البنوك والحكومات في دول ثالثة إلى الاختيار بين الحفاظ على وصولها إلى النظام المالي العالمي ومواصلة التعامل مع إيران.
وفي سبتمبر (أيلول) الجاري، بدأت محكمة في فرانكفورت رسمياً إجراءات إفلاس فرع بنك "سبه"، وعينت مصفياً لإدارة أصوله وتسوية مطالبات الدائنين. ووفقاً لهيئة الرقابة المالية الألمانية "بافين"، أدت عقوبات الاتحاد الأوروبي وقطع وصول الفرع إلى أنظمة المدفوعات الأوروبية إلى عجزه عن رد ودائع عملائه.
وكان الفرع يمتلك في نهاية عام 2025 أصولاً بقيمة نحو 50.4 مليون يورو (58 مليون دولار)، ولم يكُن لديه سوى 11 مودعاً. ولذلك، فإن إفلاسه لا يعني إفلاس بنك "سبه" بأكمله، كما لا يشكل تهديداً للاستقرار المالي في ألمانيا، لكنه يمثل من الناحيتين السياسية والمصرفية نهاية نحو نصف قرن من الوجود المباشر لأحد أقدم البنوك الحكومية الإيرانية في ألمانيا.
وبعد أيام، ألغت هيئة الرقابة المصرفية التركية ترخيص عمل الفرع الرئيس لبنك "ملت" في إسطنبول. ولم يربط البيان الرسمي للهيئة القرار مباشرة بالعقوبات الأميركية، بل استند إلى مادة في قانون المصارف تتيح وقف نشاط أي بنك إذا كان يشكل تهديداً لحقوق المودعين أو لاستقرار النظام المالي. ومع ذلك، فإن توقيت القرار، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الأميركية على البنوك والشركات والحكومات التي تتعامل مع إيران، أدى إلى عدم النظر إلى إلغاء ترخيص بنك "ملت" على أنه مجرد قرار فني أو رقابي.
من أوروبا إلى دول الجوار... فروع مفتوحة على الورق
أظهر إفلاس فرع بنك "سبه" في فرانكفورت أن نهاية عمل بنك إيراني لا تحدث بالضرورة بقرار سياسي أو بإغلاق مفاجئ لمكاتبه، بل يمكن أن يؤدي قطع الوصول إلى منظومة تسوية المدفوعات باليورو وغياب البنوك المراسلة وتجميد الأصول وتعثر تحويل الأموال وارتفاع كلفة الامتثال للأنظمة واللوائح تدريجاً، إلى تحويل الفرع إلى مؤسسة تحتفظ باسمها وترخيصها، لكنها تصبح عاجزة عملياً عن أداء وظيفتها الأساسية.
ويظهر استعراض أوضاع البنوك المرتبطة بإيران في أوروبا أن مؤسسات مثل "بنك التجارة الإيراني الأوروبي" في هامبورغ، وبنك "ملي" في ألمانيا وبريطانيا، و"برشيا إنترناشونال بنك" في لندن، تواجه منذ أعوام قيوداً ناجمة عن العقوبات وتراجعاً في علاقاتها مع البنوك المراسلة وتشديداً في الإجراءات الرقابية.
وأدى إدراج البنوك الأم أو المساهمين فيها على قوائم العقوبات إلى تقييد نطاق النشاط الفعلي للشبكة المصرفية الإيرانية في الخارج بصورة حادة. وكانت وزارة الخزانة الأميركية استهدفت سابقاً بنوكاً مثل "برشيا إنترناشونال بنك" وشركات مرتبطة ببنك "ملت"، بسبب ملكيتها أو خضوعها لسيطرة جهات مدرجة على قوائم العقوبات.
ويتسع النمط نفسه في دول الجوار، وتكتسب الخطوة التركية ضد بنك "ملت" أهمية خاصة، لأن تركيا ظلت حتى خلال فترات العقوبات السابقة أحد أهم المسارات التجارية والمالية لإيران، فأتاحت التجارة بالعملات المحلية والذهب، فضلاً عن الصيرفة والشركات الوسيطة، لطهران الالتفاف على جزء من القيود المرتبطة بالدولار.
لكن الولايات المتحدة فرضت في سبتمبر الجاري عقوبات على بنك "غولدن غلوبال" الاستثماري وشركتين تابعتين له في تركيا، بتهمة تسهيل تحويل عائدات النفط الإيراني إلى أموال نقدية وذهب. وشكلت هذه الخطوة أول تحذير جدي، في إطار الحملة الجديدة لواشنطن، لمؤسسات مالية تعمل في دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
ولا تقتصر الضغوط على البنوك الإيرانية، إذ استهدفت وزارة الخزانة الأميركية أيضاً بنك "في تي بي" VTB الروسي بعقوبات مرتبطة بإيران، بسبب افتتاحه مكتباً فيها، وإقامة علاقات مراسلة مصرفية مع بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات، والمساعدة في تسوية المدفوعات بالروبل والريال، ورسالة هذه الخطوة واضحة، الاعتماد على روسيا أو تركيا أو البنوك الإقليمية لم يعُد بالضرورة يوفر هامشاً آمنا.ً
وما يتضح هنا هو وجود خطر مشترك، فقد تظل فروع بنك "ملي" في دبي، والمؤسسات الإيرانية أو المرتبطة بإيران في أوروبا، والبنوك الوسيطة في تركيا والعراق وعمان وآسيا الوسطى، عاملة في الظاهر، لكنها تفقد تدريجاً وظيفتها الاقتصادية مع خسارة حسابات المراسلة المصرفية والخدمات المصرفية بالدولار وخدمات التسوية الدولية.
الإمارات... إغلاق أهم غرفة تسوية غير رسمية للتجارة الإيرانية
وتلقت التجارة الإيرانية ضربة أكبر في الإمارات التي لم تكُن على مدى عقود مجرد شريك تجاري، بل شكلت مركزاً لتسجيل الشركات وشراء السلع وتوفير العملات الأجنبية والتأمين والنقل وإعادة التصدير للتجار الإيرانيين. وفي الـ19 من أغسطس (آب) الماضي، أعلنت الحكومة الإماراتية وقف جميع الأنشطة التجارية والتعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر. واستهدف القرار مساراً كان يستخدم لتوفير جزء كبير من السلع الاستهلاكية والمعدات الصناعية وقطع الغيار التي تحتاج إليها إيران.
وتقدر قيمة المبادلات المعرضة للتوقف بأكثر من 28 مليار دولار، وقبل وقف التعاون، كانت الإمارات توفر أكثر من 30 في المئة من واردات إيران، فيما كانت تستقبل نحو 13 في المئة من صادراتها. وتتضح الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام عند أخذ دور إعادة التصدير من الإمارات في الاعتبار، إذ كانت سلع كثيرة لا تباع مباشرة إلى إيران من أوروبا أو شرق آسيا أو الولايات المتحدة تدخل الإمارات أولاً، ثم ترسل إلى إيران عبر شركات وسيطة.
وفي الوقت نفسه، استهدفت الشبكة المالية التي تقوم عليها هذه التجارة، فطرحت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية مسألة قطع وصول فرع بنك "مصر" في الإمارات إلى حسابات المراسلة المصرفية الأميركية. وتزعم وزارة الخزانة الأميركية أن البنك عالج بين يناير (كانون الثاني) 2024 ويونيو (حزيران) الماضي، تعاملات بقيمة نحو 1.8 مليار دولار لمصلحة 103 شركات مرتبطة بشبكات الظل المصرفية الإيرانية، كما فرضت عقوبات على مدير فرع بنك "ملي" الإيراني في دبي، في خطوة تظهر أن بقاء فرع إيراني في الإمارات لا يعني بالضرورة قدرته على مواصلة نشاطه بصورة طبيعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا تقتصر تداعيات وقف التعاون مع الإمارات على انخفاض رقم في إحصاءات التجارة الخارجية، إذ سيضطر المستوردون الإيرانيون إلى البحث عن مسارات أطول وأكثر كلفة عبر الصين والهند وعمان والعراق أو آسيا الوسطى. وسترتفع كلفة الحوالات وتحويل العملات والتأمين والنقل، كما ستطول مدة وصول البضائع ويزداد احتمال تجميد الأموال. وفي الداخل الإيراني، يؤدي هذا الوضع إلى نقص المواد الأولية وارتفاع أسعار الأدوية والمعدات، وزيادة الطلب على العملات الأجنبية النقدية، واتساع نشاط الصيرفة غير الرسمية، ومزيد من الضغط على سعر صرف الريال الإيراني.
ومن جهة أخرى، يؤدي إغلاق مسار الإمارات إلى تقليص إمكان إعادة عائدات الصادرات بالعملات الأجنبية، ونتيجة لذلك، يواجه البنك المركزي ضغوطاً أكبر لتوفير العملة للمستوردين، وتتسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الحرة. وكلما انتقلت التعاملات بصورة أكبر إلى الشبكات غير الرسمية، ارتفعت كذلك الكلفة الخفية للتجارة والفساد ونفوذ الوسطاء الذين يمتلكون القدرة على الوصول إلى مسارات الالتفاف على العقوبات.
هل تغلق تركيا أيضاً أبواب قنواتها المالية؟
لا يثبت إلغاء ترخيص بنك "ملت" وحده أن الحكومة التركية قررت وقف تجارتها بالكامل مع إيران، إذ سعت أنقرة خلال فترات العقوبات السابقة أيضاً إلى الموازنة بين الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران وتجنب تعرض بنوكها وشركاتها للعقوبات. وأظهرت قضية مبادلة الذهب بالغاز الشهيرة، فضلاً عن استمرار التجارة الحدودية، أن مصالح الطاقة والسوق الإيرانية واقتصاد المحافظات الشرقية التركية حالت دون قطع العلاقات بالكامل.
إلا أن ما يميز المرحلة الجديدة عن سابقاتها هو ارتفاع أخطار العقوبات الثانوية، فالولايات المتحدة لم تعُد تستهدف البنوك الإيرانية وحدها، فمن الممكن أن يفقد أي بنك تركي أو روسي أو مؤسسة إماراتية تقدم خدمات لإيران إمكان الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي. وبالنسبة إلى بنك خاص أو حتى حكومي في تركيا، فإن خسائر قطع الصلة بالأسواق العالمية تفوق بكثير الإيرادات المتأتية من التجارة مع إيران. ولهذا، قد تسمح الحكومة التركية، من دون إعلان عقوبات شاملة، للبنوك بإغلاق الحسابات الإيرانية ووقف الحوالات أو رفض التعامل مع العملاء المرتبطين بإيران.
وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات إلى فرض قيود على التجارة البرية، إذ تفيد تقارير بانتظار مئات الشاحنات الإيرانية عند الحدود مع باكستان، وتزايد العوائق الإدارية والجمركية على حدود تركيا وتركمانستان وأفغانستان. ومن جهة أخرى، تقدر كلفة نقل البضائع براً من الصين إلى إيران أحياناً بما يصل إلى أربعة أضعاف كلفة النقل البحري. ولا شك في أن جزءاً من هذه الأزمة ناجم عن مشكلات إدارية وعدم كفاءة البنية الداخلية الإيرانية، وليس عن العقوبات الخارجية، لكن عندما تعجز الشبكة المصرفية عن إصدار الضمانات أو تسوية أجور النقل أو تحويل الأموال، تتحول العوائق المصرفية سريعاً إلى طوابير من الشاحنات وتوقف للبضائع ونقص في الأسواق الداخلية.
وتنتقل الضغوط الخارجية إلى الشبكة المصرفية الإيرانية في وقت تواجه البنوك أصلاً اختلالات مالية وأصولاً مجمدة وديوناً مشكوكاً في تحصيلها واعتماداً على موارد البنك المركزي. كما يؤدي انخفاض الإيرادات بالعملات الأجنبية وتزايد صعوبة إعادة عائدات الصادرات إلى زيادة حاجة الحكومة والشركات الحكومية إلى الاقتراض من البنوك، بما يفضي إلى نمو السيولة وتصاعد التضخم وزيادة السحب على المكشوف لدى البنوك ومزيد من تراجع قيمة الريال الإيراني.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى إغلاق البنكين الإيرانيين في فرانكفورت وإسطنبول على أنهما حادثتان منفصلتان. وبالطبع، لا يمكن حتى الآن الحديث عن قطع كامل للتعاون المالي والتجاري بين تركيا أو بقية دول الجوار وإيران، إلا أن اتجاه الحركة واضح، الدول التي أبقت خلال فترات العقوبات السابقة منافذ مفتوحة أمام التجارة الإيرانية باتت تنظر الآن إلى كلفة هذا التعاون على أنها أعلى.
وإذا استمر هذا الوضع، فستُدفع الشبكة المصرفية الإيرانية أكثر فأكثر بعيداً من النظام المصرفي الرسمي ونحو الصيرفة والشركات الواجهة والعملات المشفرة والتسويات السلعية. وهو مسار قد يبقي جزءاً من التجارة قائماً، لكنه يجعلها أكثر كلفة وأقل شفافية وأكثر عرضة للمصادرة والفساد.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"