ملخص
بلغ عدد الدارسين المسجلين في فصول محو الأمية خلال العام الدراسي الماضي أكثر من 262 ألفاً، 91 في المئة منهم إناث.
كشفت الأرقام والإحصاءات عن تراجع نسبة الأمية في الجزائر إلى 4.7 في المئة، بعد أن بلغت 7.4 في المئة عام 2022، مما يطرح تساؤلات حول السياسات المتبعة لتحقيق هذه النسب، ويبقى الاستفادة من التكنولوجيا عبر رقمنة الكتب والمناهج المستخدمة في عملية التعليم والتعلم، وكذا تجاوز تعليم القراءة والكتابة نحو تمكين المستفيدين من مواصلة مسارهم التعليمي والتدريبي، من أهم الاستراتيجيات المعتمدة.
انخفاض بعد استثمار في الإنسان
وأبرز مدير الديوان الوطني لمحو الأمية وتعليم الكبار في الجزائر هشام بريم أن انخفاض نسبة الأمية في بلاده يعود سببه إلى الجهود المتواصلة من أجل تعزيز فرص التعليم والتكوين لفائدة مختلف الفئات، اعتماداً على مقاربة تشاركية تجمع القطاعات والمؤسسات المعنية والجمعيات على المستويين الوطني والمحلي، موضحاً أن هذه الجهود سمحت بتحقيق نتائج ملموسة، إذ بلغ عدد الدارسين المسجلين في فصول محو الأمية خلال العام الدراسي الماضي أكثر من 262 ألفاً، 91 في المئة منهم إناث.
وأضاف بريم أنه في إطار مواصلة الدارسين في صفوف محو الأمية لمسارهم التعليمي والتكويني، بما يدعم فرص إدماجهم الاجتماعي والمهني، انتقل 2434 دارساً، خلال عام 2026، إلى برامج التعليم عن بعد، فيما انتقل 313 آخرين إلى قطاع التكوين المهني، مشيراً إلى إحصاء 919 دارساً في مراكز التضامن الوطني عبر 26 ولاية، و306 من المكفوفين يستفيدون من هذه البرنامج بتقنية "البرايل". وختم أن محو الأمية لم يعد يقتصر على تعلم القراءة والكتابة، بل أضحى استثماراً في الإنسان، مع تمكينه من المعرفة والمهارات، وكذا تعزيز قدرته على المشاركة الفاعلة في التنمية وبناء مجتمع المعرفة.
وسبق أن أشار الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون إلى أن نسبة الأمية كانت بلغت 90 في المئة، غداة استقلال البلاد في عام 1962، فيما لم يتجاوز عدد الطلبة الجامعيين آنذاك 800 طالب.
"لا يعني انتهاء المعركة"
وفي السياق، أبرز عضو الجمعية الجزائرية لمحو الأمية "اقرأ" جمال بوحجر أن الجزائر حققت تقدماً كبيراً في مجال مكافحة الأمية خلال العقود الماضية، بفضل توسع منظومة التعليم والجهود التي بذلتها الدولة والجمعيات الناشطة في هذا المجال، موضحاً أن تصاعد عدد المسجلين في فصول محو الأمية أسهم في توسيع فضاءات استقبال الراغبين في التعلم، وأشار إلى أن الأمية لا تزال تظهر في المناطق النائية والأرياف، بسبب جملة من الظروف الجغرافية والاجتماعية التي تجعل الوصول إلى بعض الفئات في المناطق المعزولة أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يجدون صعوبة في التنقل إلى أقسام محو الأمية الموجودة في مراكز البلديات أو المدن، مضيفاً أن توفير قسم لمحو الأمية بالقرب من مكان إقامة المستفيد يمكن أن يشكل عاملاً أساسياً في ضمان التحاقه.
وشدد بوحجر على أن الجزائر مقارنة بما كانت عليه عند الاستقلال تمكنت من تحقيق قفزة كبيرة في مجال محاربة الأمية، بالنظر إلى التطور الذي عرفه قطاع التربية والتعليم وانتشار المدارس ومراكز التعليم وبرامج محو الأمية في مختلف مناطق البلاد، وهو ما أسهم تدريجاً في خفض أعداد الأشخاص الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، مشيراً إلى أن انخفاض نسبة الأمية لا يعني انتهاء المعركة، وإنما يستدعي مواصلة الجهود للوصول إلى الفئات التي لا تزال تعاني الظاهرة، مع ضرورة توفير الإمكانات اللازمة لفتح أقسام جديدة وتقريبها من المواطنين، حتى لا تتحول صعوبة التنقل أو غياب القسم إلى سبب يمنع الاستفادة من التعليم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حملات وسياسات واستراتيجيات
وعرفت سياسة مكافحة الأمية بالجزائر مراحل عدة، إذ جرى في عام 1963 إعلان حملة وطنية هدفها مكافحة الجهل والأمية شارك فيها معلمون وموظفون من كل القطاعات وحققت نتائج لافتة، مما شجع على التفكير في ضرورة استحداث جهة إدارية تتكفل بهذا المجال، وهو الأمر الذي أدى إلى إنشاء مركز وطني لمحو الأمية.
ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، بل تواصلت مكافحة الأمية بإطلاق مشاريع عدة، على غرار مشروع محو الأمية الوظيفي بين 1967 و1974، الذي يستهدف إكساب العمال المهارات الأساسية وإعطائهم تكويناً متخصصاً لتأهيلهم مهنياً.
وحققت هذه السياسات نجاحات مقبولة، إذ تراجعت نسبة الأمية إلى 43.6 في المئة عام 1987، ولتنخفض إلى 31.6 في المئة في 1998 بعدما كانت تفوق 75 في المئة عام 1966.
ولتعزيز هذه الجهود، أقرت الدولة في عام 2007 الاستراتيجية الوطنية لمحو الأمية، تميزت بوضع برامج واسعة واعتماد مناهج مدروسة وتسخير كل الإمكانات المادية والموارد البشرية الضرورية، كذلك منحت الأولوية للمرأة والمناطق الريفية والنائية وللشريحة العمرية من 15 إلى 49 سنة، بغية تمكين هذه الفئات من المساهمة بصورة فعالة في التنمية بمختلف أنواعها.
اعترافات تاريخية
وتذكر كتب التاريخ أن نسبة الأمية في وسط المجتمع الجزائري يوم دخول الاستعمار الفرنسي عام 1830، قدرت بخمسة في المئة، أي أن 95 المئة من الشعب الجزائري يعرف الكتابة والقراءة، وقال الرحالة الألماني فيلهالم شيمبرا في كتاباته، حين زار الجزائر في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1831، "بحثت قصداً عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب".
كذلك كتب الجنرال الفرنسي فالز عام 1834، أن كل الجزائريين تقريباً يعرفون القراءة والكتابة، نتيجة توفر مدرستين في كل قرية.
ولاحظ مؤرخون فرنسيون، أمثال الجنرال ولسن استرهازي وإسماعيل أوربان، أن الجزائريين الذين يكتبون ويقرأون كانوا في ذلك العهد أكثر عدداً من الفرنسيين، وتزيد نسبتهم على 55 في المئة.
المناطق الريفية تعاني قلة الاهتمام
إلى ذلك، يرى الباحث في علم الاجتماع جمال طاهيري أن الأمية ظاهرة اجتماعية تعوق تقدم الأفراد والمجتمعات، وتحتاج إلى اتخاذ عمل جماعي منظم بغية مواجهتها والتحرر من آثارها الهدامة، مبرزاً أن من أهم أسبابها الخلل الذي أصاب البناء الاجتماعي للمجتمعات، نتيجة للظروف التي عاشتها في فترة الاحتلال الأجنبي لأوطانهم، وقال إن محاولات كثيرة اتخذت بعد خروج الاستعمار، إلا أن الخلل ظل موجوداً، إذ على رغم مرور فترة طويلة على استقلال الدول العربية، "إلا أن مجتمعاتنا لم تتوصل حتى الآن إلى النتيجة التي بلغتها مجتمعات أخرى انطلقت من النقطة ذاتها"، مضيفاً أن الخلل لا يرتبط بفقدان الوسائل وإنما يرجع إلى فقدان الأفكار، وإن كانت الوسائل مهمة، ولكن أهميتها تبقى مرتبطة بقدرة الرجال على الإبداع والتفكير.
وتابع طاهيري أن "النتائج المحققة في الجزائر بقدر ما هي مفرحة إلا أنها تصطدم ببعض الفشل، إذ لا تزال المناطق الريفية تعاني قلة الاهتمام في ما يتعلق بمحو الأمية، لا سيما المرأة التي تواجه التقاليد المحافظة"، مبرزاً أنه بات لزاماً البحث عن سبل تقريب أقسام محو الأمية من سكان الأرياف والقرى، وشدد على أن اعتماد برامج محددة مثل استقبال الدارسين في المؤسسات التربوية خلال العطل المدرسية تبقى إحدى أهم الأفكار التي من شأنها القضاء على الظاهرة، كذلك يمكن اللجوء إلى الأقسام المتنقلة خلال فترات معينة من أجل رفع الإقبال.