ملخص
بدأت دوائر "إصلاح التعليم" تدور مجدداً، لكن كل دائرة ومن فيها تغني على ليلاها، دائرة ترى في الكتاتيب وتمكين المؤسسات الدينية من رقبة التعليم الحل، وأخرى ترى أن هذا الحل هو بداية طريق الهلاك، وثالثة تعتبر المشكلة في الطوب والخرسانة والصرف الصحي والكهرباء وسور المدرسة الباحث عن الطلاء، ورابعة تبحث عن المحتوى قبل السور والابتكار قبل التحفيظ والثقافة العامة في نفس مكانة الامتحان والدرجات، وخامسة تختزل الإصلاح في عدد المدارس التي جرى ترميمها وأضيفت فصول إلى مبانيها وكتبت عبارة "التعليم كالماء والهواء" على سورها وسد عجز المعلمين بالعقود الموقتة والطلاب المتسربين بوضع حدود دنيا للغياب، وتستمر دوائر الإصلاح في الدوران، كل في فلكها، من دون أن تلتقي واحدة بأخرى، فقط القليل من الصدامات.
عقود طويلة من عمر الآباء، وإلى حد ما من عمر الأجداد، والمصريون كلما وجدوا أنفسهم في مأزق عملي، أو صدموا جراء نتائج اختبار علمي، أو ضربتهم الدهشة بسبب نوعية الأخبار الواردة من مدارس بين حين وآخر من احتفال طلاب بنهاية العام بتكسير المقاعد وتهشيم الأبواب، أو تعرض معلمة للضرب من بعض أولياء الأمور، لأنها منعت فلذات أكبادهم من الغش في الامتحان، أو مرّت بهم أزمات بطالة تكشف عن هوة سحيقة بين مهارات خريج الجامعة ومتطلبات سوق العمل، أو خرجت عليهم مؤسسة بحثية أو جهاز إحصائي يخبرهم أنهم ينفقون الغالي والنفيس في نظام تعليم موازٍ اسمه الدروس الخصوصية، وعلى رغم ذلك تضيع تحويشة العمر على باب الجامعة المرجوة أو في امتحان القدرات، إذ "لم ينجح أحد" على رغم الدرجات النهائية المحرزة في امتحانات الثانوية العامة، التي على الأرجح لن يحصل آينشتاين وأرسطو ونيوتن وهوكنغ مجتمعين فيها أكثر من 70 أو 80 في المئة، رفعوا راية "إصلاح التعليم".
تحولت العبارة من مطلب إلى منظومة، تقع جريمة بشعة يقتل الأب أبناءه وزوجته قبل أن ينتحر، فينتهي النقاش الطويل إلى ضرورة إصلاح التعليم، يسطع نجم "فنان" لا يغني سوى كلمات هابطة، أو يؤدي سوى حركات خارجة، أو يرتدي إلا ملابس صادمة، فتؤول عمليات التنديد والشجب والترحم على زمن الفن الجميل إلى ضرورة إصلاح التعليم.
يحقق "مؤثر" خريج كلية إدارة أعمال على "تيك توك" شهرة طاغية ويصبح مليونيراً في أشهر معدودة، وذلك عبر فيديوهات تقوم على مخارج ألفاظ مشوهة، وأسلوب سوقي، وأفكار ملتوية، ومبادئ منبعجة، فتتفق آراء الجماهير الغفيرة على ضرورة إصلاح التعليم. تجتاح مجموعات الكبار على السوشيال ميديا شكاوى عارمة من قلة ذوق الأجيال الصغيرة، وضياع بوصلة التربية، وفقدان أبجديات الأخلاق الكريمة، ويتفق الجميع على ضرورة إصلاح التعليم.
يتحول الغش في امتحانات الشهادات العامة إلى وباء طاغٍ، ويواكب العصر وأحياناً يسبقه عبر تفنن وتمعن وتبحر في ابتكار أساليب رقمية حديثة ودمجها مع الطرق البشرية التقليدية، وحين يتعرض للحصار أو التضييق يفاجأ المصريون بوجود قاعدة "ألتراس" تدافع عنه، وتعتبره الطريق الوحيد لنجاح الطالب، وهو ما يؤدي إلى حديث إصلاح التعليم.
موروث الشكاوى من التعليم
إصلاح التعليم عبارة أعيت من يتمسك بها، وهو يقصد مفهوماً بعينه أو رؤية واضحة للمقصود من الإصلاح، أما الجماهير العريضة، والبرامج التلفزيونية الكثيرة، وحتى الهتافات الصاخبة التي تطالب بالإصلاح، فكل يتفوّه بها، وكأن المقصود بها معروف، والأسباب واضحة، والغايات متفق عليها.
هذه الأيام تحكم دائرة "إصلاح التعليم" قبضتها على المصريين. دوائر مفرغة تدور فيها فكرة الإصلاح على مدى عقود وأزمنة، ومعها أطراف العملية التعليمية من الوزارة المسؤولة، إلى المعلم والمدرسة والناظر وموظفي وعمال التعليم، وبالطبع الطلاب والأهل وأصحاب العمل والشركات والفرص التي "تنتظر" القادمين الجدد، وذلك منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011.
موروث الشكاوى من التعليم كاد يجد لنفسه جناحاً في المتاحف المصرية التي تحفظ وتؤرخ وتتأكد من البقاء. توليفة يحفظها الجميع: ثقافة حفظ وتلقين وتأمين لمبدأ "آمين"، وعقم المناهج وعدم مواكبتها للعصر، وإن واكبته أتت بنتائج عكسية حيث الجمود سيد التحديث والقيود الإبداعية والفكرية مهيمنة، وتكدس الفصول حتى إن بعضها كان يزيد عدد طلابه على 100 وضعف البنية التحتية في المدارس، وضعف رواتب المعلمين وعدم حصولهم على التدريب والتأهيل اللازمين، وتفشي وتوحش الدروس الخصوصية حتى أصبحت نظاماً تعليمياً موازياً يفوق الأصلي في القوة والبأس والهيمنة، وخروج نسبة كبيرة من الطلاب بعد 12 عاماً من التعليم المدرسي، إضافة إلى عامي رياض الأطفال، بمستوى تعليمي متواضع، ودماغ محشوة بمعلومات فُقد كثير منها بعد سكبها على ورقة الامتحان، ومهارات لغوية متواضعة، وتقنية تعتمد في أغلبها على التعليم الذاتي حباً في المحمول ورغبة في الإنترنت والسوشيال ميديا، وفقر المهارات، وغيبوبة اكتشاف المواهب، وضعف تنمية الملكات، إضافة إلى غياب تنمية الجوانب الفنية والثقافية والأدبية والإبداعية والرياضية خارج إطار كتاب المدرسة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خاض المصريون التجربة الحقيقية الأولى لإصلاح التعليم، وأشياء أخرى، في عهد الوزير السابق طارق شوقي (2017 - 2022)، الذي تسلم الوزارة وفي جعبته فكرة، ورؤية، وخطة معضدة بتكليف ومباركة رئاسيتين. بين تغيير فلسفة التعلم حيث التركيز على الفهم وتفجير الطاقات الفكرية والتشجيع على التفكير النقدي وتعديل طريقة التقييم حيث الانتقال من قياس كمية الحفظ إلى قياس مهارات التفكير والقدرة على تطبيق ما جرى تعلمه على مواقف عدة في سياقات غير متطابقة، لكن تلك التجربة وعلى رغم أنها شابتها مشكلات عدة، فإنها تعد المحاولة الأكثر واعدية، لولا المقاومة العتيدة من جهة، وعدم الجاهزية الاجتماعية والتقنية من جهة أخرى.
اليوم، جهود الإصلاح الحالية مختلفة، وعلى رغم أنها تثير قدراً مماثلاً من الجدل، فإنه جدل لا يتعلق كثيراً بإصلاح الفكر والمحتوى والهدف، وكذلك الوصول إلى نقاط اتفاق حول "لماذا نتعلم؟"، و"ما مقومات ومواصفات الخريج المناسبة للوطن ولسوق العمل في العقد الثالث من الألفية الثالثة؟".
أثار وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الحالي محمد عبداللطيف كثيراً من الانتقاد والجدل والغضب، وهو ما يحدث عادة مع أغلب الوزراء، لا سيما التعليم منذ اليوم الأول. بين تعديل مواد الثانوية العامة، وإلغاء مواد، وإضافة أخرى للمجموع، وإعادة ترتيب أولويات المواد بطريقة اعتبرها البعض معادية للهدف من تثقيف الطلاب وتوسيع مداركهم أو مناقضة لاحتياجات سوق العمل، لا سيما ما يتعلق باللغات الأجنبية وتقلصها، ونظام التقييم، وتعديل أعمال السنة والأنشطة، ثم جاء نظام البكالوريا الجديد ليثير مزيداً من القلق والخوف والغضب بين الأهالي والطلاب، وكذلك المعلمين.
إعلان وزارة التربية والتعليم عن نظام جديد للثانوية العامة، وهو البكالوريا، أثار، كما هو متوقع مع كل جديد، ربكة شديدة وانقساماً كبيراً في المجتمع، وصل إلى مجلس النواب (البرلمان). المخاوف الرئيسة تدور حول غموض الفكرة، وكذلك المناهج، ونقص الاستعدادات، والتشكك في قدرة المعلمين، الذين يعانون غياب التدريب وضعف الرواتب وقلة الأعداد، على إدارة والتعامل مع النظام الجديد.
كل ما سبق أمعن في وضع "إصلاح التعليم" كفكر ومحتوى ووسيلة لتحقيق هدف التحضر والتنوير والتقديم ودعم العلم وتقوية جذور الثقافة العامة والتسامح والانفتاح على العالم ومحاربة التطرف والانغلاق، على خاصية الانتظار أو التأجيل مجدداً، ثم جاء اللقاء الذي شرح فيه الوزير للحضور من الإعلاميين والمثقفين والمهتمين بملف التعليم ليقطع شك الإصلاح بهدف التنوير، بيقين الإصلاح لأهداف أخرى.
جهود عاتية تبذلها الدولة في ملف التعليم المدرسي، لا سيما التعليم الحكومي الذي يعاني الأمرين. بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يبلغ عدد طلاب مصر في مرحلة التعليم المدرسي نحو 28.9 مليون طالب، بينهم 25.6 مليون طالب في التعليم الحكومي والخاص، و3.1 مليون طالب في التعليم الأزهري.
الكتلة الكبرى هي طلاب المدارس الحكومية ويبلغ عددهم نحو 23.3 مليون طالب، في حين لا يزيد طلاب المدارس الخاصة على 2.3 مليون طالب. بمعنى آخر، المشكلات الكبرى والمعضلات الأعتى تتعلق بمن يشكلون الغالبية المطلقة، وهم طلاب المدارس الحكومية، التي تراوح مأساتهم ما بين تدني مستوى التعليم، ومن ثم قدرة كثيرين على القراءة والكتابة بشكل مقبول، وكثافة الفصول، وعدم انتظام كثيرين لأسباب شتّى بين عمالة وفقر وعدم جاذبية المدرسة وغيرها، إضافة إلى قلة أعداد المعلمين وتدني الموارد، والقائمة تطول.
وعلى رغم جهود الدولة العاتية على مدى عقود، ومنها ما نجح ومنها ما أخفق، ومنها كذلك ما كان في محله، ومنها ما كان حبراً على ورق، فإن مشكلة التعليم الحكومي، ووقوف جهود وأفكار ومحاولات "الإصلاح" أمامه دون حرام، تضع المجتمع برمته في فوهة مدافع لا حصر لها.
المراجع وتجارب دول فشلت في الإصلاح والمختصين جميعها يؤكد أن الآثار تراوح ما بين توسّع رقعة الفقر، والأضرار الجسيمة التي تلحق بالاقتصاد، وربما يصل إلى الانهيار، وانتشار البطالة والأعمال الهامشية، وكذلك ترتفع معدلات الجرائم، وتتفاقم الأزمات الاجتماعية والثقافية، وتنتهك حقوق الأطفال، ويجري الدفع بهم في سوق العمل في سن مبكرة، إضافة إلى زواج الأطفال للتخلص من أعباء الطفلة، وتراجع أو غياب الانتماء للوطن وتصاعد حظوظ جماعات التطرف والتشدد، حيث يسهل جذب المحبطين واليائسين إلى أحضانها، والقائمة طويلة.
على رغم طول القائمة، واستمرارها في التمدد والتوسع، وظهور آثارها المجتمعية جلية واضحة، فإن تركيزاً غريباً وغير مفهوم، ويصفه البعض بغير المبرر، ويراه خبثاء باعتباره يهدف إلى دغدغة مشاعر البسطاء، وربما مغازلة التيارات الدينية المتشددة الفارضة سطوتها والباسطة قوتها في المجتمع المصري، ينصب في حديث "الإصلاح" على المدارس الخاصة (الدولية) التي يتكفل أولياء أمور طلابها بكلفة تعليم أبنائهم من الألف إلى الياء، وعلى رغم أنهم يمثلون نسبة ضئيلة لا تتعدى سبعة في المئة من مجموع طلاب المدارس.
بوصلة الإصلاح تائهة
الكاتب الصحافي عبدالله عبدالسلام التقط الخيط تحت عنوان: "ماذا لو تحدثت مدارسنا الحكومية؟" (سبتمبر "أيلول" الجاري)، وكتب أن أكثر ما أثار انتباهه في لقاء وزير التعليم محمد عبداللطيف بالإعلاميين أن "المدارس الدولية والخاصة واللغات أخذت نصيباً معتبراً من الاهتمام الذي توارت أمامه، أو كادت، أزمات المدارس الحكومية بخاصة في الصعيد والدلتا. أضحت المدارس الخاصة بأنواعها المختلفة مثل الطفل المُدّلل الذى يتسابق الجميع على إرضائه وحل مشكلاته، بينما بدت مدارس الحكومة مُهملة ليس على أرض الواقع فقط، بل على مستوى النقاش أيضاً. لماذا تنحت جانباً جوانب توفير "تُخت" (مكاتب) للتلاميذ، وصيانة الفصول، وإصلاح الصرف الصحي والكهرباء والمياه للمدارس الحكومية؟".
وقال إن الوزير تحدث عن دعم المدارس الحكومية بالتجهيزات والأثاث وتحسين البيئة التعليمية وأعمال الطلاء... إلخ، لكنه أشار إلى أن الأزمة أكبر وأشمل، وأن البنية الأساسية لغالبية المدارس بحاجة إلى إصلاح جذري. وحذر من أنه ما لم يتم ذلك، فإن جهود وزارة التعليم لتحديث المناهج وإدخال التكنولوجيا وبناء خريج مؤهل لمواكبة متطلبات المستقبل، لن تؤتي ثمارها المأمولة.
بوصلة الإصلاح على ما يبدو تائهة أو زائغة أو مشوشة أو حائرة، وهي الحيرة التي دفعت البعض من الممسكين بتلابيب الدولة المدنية، والتعليم المدني، والحلول المدنية، من دون إقحام للدين ومؤسساته وجماعاته، إلى الدهشة والتخوف والتساؤل عن خلطة غريبة للمكونين بدت معالمها واضحة في الأعوام القليلة الماضية، وبشكل مكثف ومتصاعد على مدى العام الماضي.
مبادرة إنشاء الكتاتيب وعودتها في ربوع البلاد وتبرع العباد من أجل نشرها وزيادة عددها، وتقارب الجهات والوزارات المسؤولة عن التعليم مع وزارة الأوقاف وغيرها من المؤسسات الدينية بغرض التعاون والتكامل، وصفها البعض باللجوء لمبدأ "داوها بالتي كانت هي الداء"، إذ اللجوء للدين لعلاج المشكلات التي استعصى حلها بالطرق المدنية وبأساليب الدولة الحديثة، ورآها البعض الآخر إرضاء للنزعة السلفية الآخذة في الانتشار في الشارع، التي ينظر إليها أحياناً باعتبارها مسكناً للآلام الاقتصادية، أو مهدئاً للتطلعات والآمال والمطالب، أو طريقة لرسم معالم الدولة أو المجتمع أو كليهما باعتبارهما "ملتزمين" (دينياً).
الكتاتيب، وتعميمات تنشرها مدارس أغلبها حكومية وأخرى شفهية تعتبر "الطرحة" ضمن الزي المقرر على الطالبات، وتطوير المناهج بالتعاون مع الأزهر وكذلك الكنيسة المصرية "لتطوير المفاهيم الدينية إلى معاملات وأخلاق، وتضمن منهج التربية الدينية للمرحلة الابتدائية ما يعادل جزأين من القرآن، وتأكيد الوزير في اللقاء قبل أيام بأن "رسالتنا لولادنا الدين أهم مادة" وغيرها من خطوات "إصلاح" أثار إعجاباً شعبوياً كبيراً، واندهاشاً "نخبوياً" كبيراً.
وما زاد اندهاش "النخبة" والبعض من الكتاب والشخصيات المعروفة بتحيزها للتعليم المدني، والمنتظرة للإصلاح بمعناه الشامل هو أن ما أذيع من لقاء الوزير مع الكتاب والمثقفين اقتصر على شقين: جهود الدولة في زيادة أعداد المعلمين ورواتبهم وإصلاح المدارس والبيئة التعليمية، والإعلان عن تحرك "جلل" في شأن المدارس الخاصة، ألا وهو إلغاء الاحتفالات التي لا تتناسب والثقافة المصرية!
وعلى رغم أن اللقاء تضمن مداخلات وأسئلة وتعليقات وانتقادات من الحضور حول تسلل الفكر السلفي في مناهج التعليم، ومصروفات المدارس الخاصة الجنونية، وتقييم قدرات ومستويات المعلمين التربوية والنفسية مع التعليمية، واختفاء الثقافة على رغم دورها في بناء الهوية والانتماء، ومدى ملاءمة المناهج وطريقة تدريسها لمتطلبات العصر وسوق العمل وغيرها كثير، فإن "مونتاج" اللقاء اكتفى بتأكيد وتكرار أن أكبر التحديات كان وجود عجز 469 ألف معلم، وإلغاء احتفالات المدارس الخاصة التي لا تناسب الثقافة المصرية.
"مونتاج وزير التعليم" العنوان الذي اختاره الكاتب رامي جلال لمقال انتقد فيه اختزال اللقاء الذي استمر ثلاث ساعات، واحتوى على عشرات المداخلات والانتقادات والأسئلة عن ماهية الإصلاح والتسلل السلفي وغياب المكونات الثقافية، ليخرج ساعة واحدة لا تحمل كثيراً.
وأضاف "هنا تبدأ حوكمة المعنى: فالسياسة التعليمية تُدار بالمناهج والمدارس، وتُدار في الوقت نفسه بما يُصنّف خطراً، وما يُصدّر للرأي العام، وما يُمنح صفة الهوية، وما يُستبعد من المعرفة الضرورية"، مشيراً إلى أن "أربع ممارسات تكشف المنطق نفسه: المونتاج يقرر ما يستحق أن يُسمع، وخطاب الهوية يرسم حدود ما يُعد مصرياً، ومسارات البكالوريا تحدد المعرفة الأساسية، وإخراج اللغة الثانية من المجموع يعيد ترتيب ما يستحق جهد الطالب".
وقال جلال إن الاختصار، سواء جاء من الوزارة أو الجهة التي أعدت النسخة المذاعة، أدى إلى وصول ما حدث للجمهور بنية لافتة فيها غياب لمسائل تتعلق بطبيعة الفكر الدائر في غرف الدرس بين معظم الطلاب، وتصدر قرار سهل التسويق المشهد، وهو احتفال المدارس الخاصة التي تذهب إليها الأقلية احتفالات "تتعارض والهوية والثقافة"، مشيراً إلى أن الخطر الأول، أي نوع الفكر الشائع في الفصول الدراسية بين الغالبية، يفوق الخطر الثاني، وهو احتفالات بأعياد غير مصرية.
وتساءل رامي مستنكراً: من يملك تعريف ما يدخل في الثقافة المصرية وما يخرج منها؟ وبأي معيار مكتوب وشفاف؟ مشيراً إلى أن الثقافة أوسع من قائمة مغلقة تصدرها جهة إدارية، وقِدَم المناسبة أو حداثتها لا يحدد وحده صلتها بالهوية، ومضيفاً أن التهديد الأعمق للهوية هو عجز الطفل عن قراءة لغته وفهمها.
دوائر إصلاح لكن مفرغة
دار الحضور في دوائر "إصلاح التعليم" من منطلق المحتوى والأدوات وطريقة التدريس ومواكبة العصر ودمج الثقافة وعدم الزج بمفاهيم التشدد سواء عبر المناهج أو معلمين متشددين، لكن دوائر اللقاء وحديث الوزير عن الإصلاح دارت في مسارات أخرى.
بدا ملف إصلاح التعليم بعد اللقاء وكأنه أكثر صعوبة مما كان عليه، لا لصعوبة الإصلاح، لكن لأن مبدأ الإصلاح ومفهومه والمقصود به وأولوياته غير متفق عليها.
المكسب الأكبر تحقق في فرحة شعبوية كبيرة وشعور بالإنجاز تحقق حين أصر الوزير بلهجة صارمة على إلغاء احتفالات المدارس الدولية بالأعياد التي لا تتوافق مع الثقافة والهوية، الغريب أن الغالبية العظمى من الفرحين والمغتبطين لا يمتون بصلة لا للمدارس الدولية، ولا للاحتفالات التي "تهدد الهوية"، لكنهم الأطراف الفاعلة والمتأثرة والمتضررة من حال التعليم الحكومي.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن أي انتقاد وجه إلى منظومة التعليم للخلط بين الدين والميول السلفية والمناهج الدراسية قوبل شعبوياً أيضاً برفض بالغ، وانتقاد شديد، وهو ما اعتبره البعض هدفاً جرى تسجيله في مرمى رافعي راية التعليم المدني، ونقطة أضيفت في سجل إنجازات الوزارة.
بوصلة الإصلاح نفسها بدت في حاجة إلى إصلاح، أو إلى اتفاق على تعريف، وإلى أن يحدث ذلك يجري ترحيل الأزمات الحقيقية للتعليم، هذا الترحيل مثير لقلق البعض، الكاتبة أماني فؤاد كتبت محذرة أن ترحيل أزمات التعليم عاماً بعد عام لن يفيد، والخوف من المواجهة سيفقد المصريين موقعاً مميزاً في المستقبل.
كتبت فؤاد تحت عنوان "ترحيل أزمات التعليم في مصر لن يُجدي نفعاً" إن الأزمة ليست أزمة أموال فقط، بل أزمة إدارة وأولويات وتقارير إدارية صُنِعت عمداً لإبقاء الوضع على ما هو عليه، مشيرة إلى أن الهيكل التعليمي الحقيقي لا يتطلب حشداً مالياً بالمليارات، وواصفة ما يساق في التقارير بـ"الفزاعة المالية" التي أدت تاريخياً إلى تراكُم التخوُّفات، ومن ثم الإحجام عن التطوير، وأضافت أن صناع القرار فضلوا الاكتفاء بالمسكنات، والتطوير الشكلي مثل ترميم المباني والتابلت دون منظومة محتوى تفاعلي حقيقية.
وانتقدت الاعتقاد بأن إصلاح التعليم يبدأ من "الخرسانة والطوب"، أو ضخ أموال في منظومة متهاوية، على رغم أن طريق الإصلاح معروف ويقوم على محورين أساسين: إعادة تأهيل المعلم المصري، والإصلاح الإداري والهيكلي الذي يعتمد على إعادة توجيه الموارد الموجودة بالفعل، بواقعية وعدالة، بدلاً من أن يخصص البند الأكبر في الإنفاق لأجور موظفين لا علاقة لهم بالتعليم يعملون في وظائف طفيلية، ويترك المعلم، وهو أهم أضلع المثلث التعليمي بلا دخل يضمن متطلبات الحياة.
وهكذا، بدأت دوائر "إصلاح التعليم" تدور مجدداً، لكن كل دائرة ومن فيها تغني على ليلاها، دائرة ترى في الكتاتيب وتمكين المؤسسات الدينية من رقبة التعليم الحل، وأخرى ترى أن هذا الحل هو بداية طريق الهلاك، وثالثة تعتبر المشكلة في الطوب والخرسانة والصرف الصحي والكهرباء وسور المدرسة الباحث عن الطلاء، ورابعة تبحث عن المحتوى قبل السور والابتكار قبل التحفيظ والثقافة العامة في نفس مكانة الامتحان والدرجات، وخامسة تختزل الإصلاح في عدد المدارس التي جرى ترميمها وأضيفت فصول إلى مبانيها وكتبت عبارة "التعليم كالماء والهواء" على سورها وسد عجز المعلمين بالعقود الموقتة والطلاب المتسربين بوضع حدود دنيا للغياب، وتستمر دوائر الإصلاح في الدوران، كل في فلكها، من دون أن تلتقي واحدة بأخرى، فقط القليل من الصدامات.