Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عائلات جزائرية لم تنفض غبار الاستعمار عن ألقابها

الأسماء بعضها مهين أو مشوه ومصدر للسخرية والإحراج بدلاً من أن تكون عنواناً للانتماء

في الجزائر لا تزال عائلات تبحث عن أصل أسمائها وتفتش في الأرشيف عن اسم كان يسبق اللقب الذي تعرف به اليوم (أ ف ب)

ملخص

لا تتوقف القضية بالنسبة إلى أصحاب الألقاب ذات الدلالات الساخرة أو الجارحة عند حدود التاريخ، فالاسم ينادى به في المدرسة، ويكتب في الشهادات، ويظهر في طلبات العمل ويقرأ في الأماكن العامة، وهنا تتحول مسألة تاريخية بعيدة إلى تجربة شخصية يعيشها الفرد في الحاضر، ولا تكمن المفارقة فقط في أن بعض الجزائريين لا يزالون يحملون ألقاباً تعود إلى نظام أنشأته الإدارة الاستعمارية، بل في أن الاسم الذي كان أداة لتثبيت الفرد في سجل الدولة أصبح، عبر الأجيال، جزءاً من هوية العائلة نفسها.

ماذا لو اكتشفت يوماً أن لقب عائلتك الذي تحمله منذ ولادتك لم يختره جدك؟ أو أن الاسم الذي تتداوله الأسرة منذ أجيال لم يكن سوى نتيجة لسجل كتب في مكتب إداري خلال الحقبة الاستعمارية؟ وماذا لو كان هذا اللقب قد قطع صلة عائلتك بنسبها القديم أو حمل معنى ساخراً أو مهيناً ظل يلاحق أبناءها حتى اليوم؟

في الجزائر لا تزال هذه الأسئلة حاضرة في ذاكرة عائلات تبحث عن أصل أسمائها، وتفتش في الأرشيف عن اسم كان يسبق اللقب الذي تعرف به اليوم، وبالنسبة إلى عائلات جزائرية لم يعد اللقب مجرد خانة في بطاقة الهوية أو شهادة الميلاد، وإنما أصبح أثراً حياً لمرحلة استعمارية أعادت فيها الإدارة الفرنسية تنظيم الطريقة التي يعرف بها الجزائريون في الوثائق الرسمية.

من وثيقة تاريخية إلى تجربة يومية

وتروي حالات عائلية أن بعض الألقاب لم يخترها أصحابها ولا أجدادهم، وإنما ظهرت في سجلات الحالة المدنية خلال الحقبة الاستعمارية، ثم انتقلت من جيل إلى آخر، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً من الهوية القانونية والاجتماعية للأسرة، وبينما لا تثير بعض هذه الأسماء أي إشكال، تحمل أخرى معاني يعدها أصحابها مهينة أو مشوهة، وهو ما يجعل اللقب الذي يفترض أن يكون عنواناً للانتماء العائلي مصدراً للإحراج، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال في المدارس.

وعلى رغم أن بعض هذه الأسماء لا يثير أي مشكلة، فإن بعضها الآخر يحمل معاني يعدها أصحابه مهينة أو مشوهة، مما يجعل الاسم الذي يفترض أن يكون عنواناً للانتماء العائلي مصدراً للسخرية والإحراج، خصوصاً للأطفال في المدارس.

وعلى سبيل المثال توجد أسماء كانت تنسب لأعضاء جسم الإنسان مثل (بوكراع، بوسنة، بوكرش، بوراس، بوركبة، بو صبع، بوخشم)، ومنها أيضاً المنسوبة إلى حيوانات مثل (بومعزة، بوبقرة، بوقطة، العتروس، بو بغلة، بوحصان، جربوعة، بو دجاجة، بوفكرونة)، وأسماء أخرى كثيرة من أجل السخرية مثل (بن طبال، بومنجل، بوعويدة، بوفلجة، بوفركة، بوهراوة، بوديل، لعور، لحول، بودشيشة، بوشخشوخة، لطرش، فرطاس، بوقندورة، مهابلية، لعقون، بوبعرة، بوخنونة).

ولا تتوقف القضية بالنسبة إلى أصحاب الألقاب ذات الدلالات الساخرة أو الجارحة عند حدود التاريخ، فالاسم ينادى به في المدرسة، ويكتب في الشهادات، ويظهر في طلبات العمل ويقرأ في الأماكن العامة، وهنا تتحول مسألة تاريخية بعيدة إلى تجربة شخصية يعيشها الفرد في الحاضر.

ولا تكمن المفارقة فقط في أن بعض الجزائريين لا يزالون يحملون ألقاباً تعود إلى نظام أنشأته الإدارة الاستعمارية، بل في أن الاسم الذي كان أداة لتثبيت الفرد في سجل الدولة أصبح، عبر الأجيال، جزءاً من هوية العائلة نفسها.

قانون إعادة تنظيم الأسماء

وتقف وراء هذه الحالات قضية تاريخية أوسع ارتبطت بإعادة تنظيم الحالة المدنية للسكان المسلمين في الجزائر، ففي الـ23 من مارس (آذار) 1882، أصدرت السلطات الاستعمارية الفرنسية قانوناً يتعلق بتكوين الحالة المدنية، ونص على إحصاء السكان وتسجيل أسمائهم وبياناتهم في سجلات رسمية، ضمن عملية أعادت تشكيل نظام التسمية الذي كان قائماً على تسلسل النسب، من اسم الشخص إلى اسم الأب والجد، أو الانتماء القبلي والمكاني.

 

 

ولم يكن قانون 1882 معزولاً عن تشريعات أخرى، فقد سبقه تشريع عام 1873 جعل حمل اللقب إلزامياً بالنسبة إلى المالكين الجزائريين، ثم جاء قانون 1882 لتعميم التسجيل ضمن إطار أوسع للحالة المدنية، قبل صدور مرسوم تفصيلي في الـ13 من مارس 1883 لتنظيم تطبيقه.

وبذلك أصبح حمل لقب عائلي ثابت جزءاً من النظام الإداري الجديد، وتوضح وثائق محفوظة لدى الأرشيف الوطني لما وراء البحار الفرنسي أن السجلات الأصلية كانت تتضمن أسماء يختارها الجزائريون أو يحددها مفوضو الحالة المدنية، وأن الاسم المسجل يصبح إلزامياً، وربطت الإدارة الفرنسية العملية بفكرة "الاندماج التدريجي" للسكان المسلمين في النظام الإداري الفرنسي.

وقد كان نظام التسمية التقليدي يتجاوز مجرد التعريف بالفرد، فالاسم كان يشير إلى الأب والجد والعائلة والقبيلة والمكان، أما النظام الجديد فحول الفرد إلى وحدة محددة في السجلات، تحمل لقباً ثابتاً يمكن للإدارة استخدامه في الضرائب والملكية والمراقبة والمعاملات القانونية.

وكما هو معلوم كانت الأسماء في البلدان الإسلامية سابقاً تنسب بـ"فلان بن فلان بن فلان بن فلان" وهكذا كان يسير الأمر إلى غاية الجد الأول، وقد تمتد إلى زمن بعيد عبر الأجيال المتتالية، وبهذه الصورة بقيت سلالة القبائل المختلفة، وغالبية العائلات الجزائرية محفوظة لقرون كثيرة وبارزة بصورة مكتملة من جهة النسب أو العرق أو غيرهما.

وتشير الدراسات إلى أن هذا التحول ارتبط كذلك بتفكيك الروابط القبلية وإعادة تنظيم الملكية والعلاقات الاجتماعية، وخلصت دراسة منشورة عام 2025 إلى أن الإدارة الاستعمارية سعت إلى استبدال أنماط التسمية القائمة على النسب بألقاب عائلية منفصلة عنه، في سياق أوسع لإعادة تنظيم المجتمع والملكية.

وفي عنابة (شرق الجزائر) تكشف دراسة أكاديمية أن عملية التلقيب بدأت عام 1890 واستمرت ثلاثة أعوام، وكان من أبرز أساليبها اعتماد اسم الأب أو الجد لقباً عائلياً، وأظهرت دراسة اعتمدت على سجلات قسنطينة أن الفترة الممتدة بين 1870 و1900 مثلت مرحلة انتقالية من نظام التسمية القائم على النسب والأب والجد إلى نظام اللقب العائلي الذي أصبح رسمياً وملزماً.

هل كانت الألقاب المهينة مقصودة؟

في هذا الإطار، يقول أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، بجامعة المسيلة عمر بوضربة، إن قانون تعميم الحالة المدنية واستحداث ألقاب للجزائريين جاء ضمن السياسة الاستعمارية الفرنسية، الغاية منه تفكيك بنية المجتمع الجزائري آنذاك.

وأوضح بوضربة في حديث إلى "اندبندنت عربية" أن الاستعمار الفرنسي بعد تفكيك البنية السياسية بإلغاء الدولة الجزائرية بموجب معاهدة الخامس من يوليو 1830، انتقل إلى تفكيك البنية الاقتصادية بمصادرة الأراضي من العائلات والقبائل وتمليكها للمستوطنين الفرنسيين والأوروبيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن قانون تعميم الحالة المدنية جاء استكمالاً لعملية ممنهجة قام بها الاستعمار الفرنسي لتفكيك البنية الاجتماعية للجزائريين، واستمرت ثلاثة عقود من الزمن، تم فيها فرض ألقاب على السكان المحليين بعضها شائن ومهين لكرامة الإنسان وتمس بالدين والأخلاق.

وذكر بوضربة أن الاستعمار الفرنسي منح ألقاباً عدة لأفراد عائلة واحدة، وأحياناً تكون متشابهة، فحالياً تجد لقباً واحداً تحمله عائلات تعيش في محافظات عدة متباعدة جغرافياً، لا تجمعها علاقات قرابة في ما بينها، بينما تم تشتيت عائلات كاملة مترابطة بالنسب، بعد منح أفرادها ألقاباً مختلفة.

ويتناول الباحث الأميركي (Benjamin Claude Brower) ما يسميه "العنف الرمزي" المرتبط بإعادة تشكيل أسماء الجزائريين في ظل الاستعمار، وبالاعتماد على سجلات الحالة المدنية والعرائض والمراسيم والنصوص القانونية، يرى أن عملية التسمية الجديدة أعادت صياغة الهوية القانونية للأفراد، وقطعت في حالات الصلة الواضحة بأنظمة النسب التقليدية.

ويناقش في كتاب أكاديمي صدر عن (Cornell University Press) عام 2023 علاقة الأسماء الشخصية الجزائرية بالحالة المدنية الاستعمارية بين 1850 و1900، معتبراً الألقاب الجديدة إحدى صور ممارسة السلطة.

لكن ذلك لا يعني أن كل لقب غريب أو ساخر هو بالضرورة نتيجة قرار استعماري متعمد لإهانة صاحبه، فالمصادر نفسها تشير إلى أن بعض الجزائريين اختاروا ألقابهم بأنفسهم، وأن عملية التلقيب شهدت أخطاء في النسخ والكتابة والترجمة والتسجيل، واختلفت ظروفها من منطقة إلى أخرى.

وحسب المؤرخين فإن الغرض من زرع هذه الأسماء الغريبة وسط تركيبة المجتمع الجزائري من طرف الاحتلال الفرنسي يرتكز بالدرجة الأولى على خلق قطيعة بين الأنساب في جميع صفوف القبائل والعائلات الجزائرية الكبرى المتنوعة، وتعد أيضاً حملة واسعة لمسخ المجتمع الجزائري بأبشع الألقاب وتجريده من هويته المتميزة الأصلية، التي دامت عقوداً وتفكيك الأنساب وتشتيتها إلى عائلات صغيرة ومنعزلة، بعدما كانت متمثلة في قبائل واسعة يصعب عليه مواجهتها أو السيطرة عليها بطريقة مباشرة.

الأرشيف مفتاح البحث

وعلى رغم مرور أكثر من 140 عاماً على استقلال الجزائر، فلا تزال الوثائق قادرة على كشف جانب من هذه القصة، إذ بقيت سجلات الحالة المدنية الاستعمارية في الجزائر بعد الاستقلال، فيما قامت فرنسا بين 1967 و1972 بتصوير جزء منها على ميكروفيلم، وفي عام 2003 أنشئت قاعدة بيانات أبجدية لتسهيل البحث في جزء من السجلات باللقب والبلدية ونوع الوثيقة والسنة، مع التنبيه إلى احتمال وجود أخطاء في كتابة الأسماء أو فهرستها.

 

 

وتمنح هذه الوثائق أحفاد العائلات فرصة لإعادة بناء تاريخ أسمائهم، من خلال مقارنة اللقب الذي ثبت في السجل الاستعماري بوثائق أقدم أو سجلات أخرى يمكن أن تكشف سلسلة النسب التي كانت مستخدمة قبل تثبيت اللقب العائلي.

ولم تنته قضية الألقاب باستقلال الجزائر عام 1962، فقد اتخذت الدولة الجزائرية لاحقاً إجراءات لإعادة تنظيم الأسماء وتصحيحها، وصدر عام 1981 مرسوم يتعلق بكتابة الألقاب العائلية بالحروف الوطنية، فيما تتضمن منظومة الحالة المدنية الحالية إجراءات خاصة بتغيير الأسماء وتصحيحها.

وتوضح وزارة الداخلية الجزائرية حالياً أن تغيير اسم العائلة يترتب عليه تصحيح في وثائق الحالة المدنية، وأن الطلب يوجه إلى وزير العدل، مع تحديد الأسباب الموضوعية والجدية للتغيير.

وفي أبريل (نيسان) 2021 صدر مرسوم يتضمن الترخيص بتغيير ألقاب 29 عائلة جزائرية بناءً على طلب أصحابها، وفق قانون تغيير اللقب العائلي الصادر عام 1971، كما يتيح القانون تغيير اللقب عندما يكون "شائناً أو معيباً" أو لأسباب أخرى، من خلال إجراءات قانونية محددة.

ويتيح القانون الجزائري إمكان تغيير اللقب العائلي في حال ما إذا كان "شائناً أو معيباً" أو لأي سبب آخر، وذلك عبر إيداع طلب لدى وكيل الجمهورية على مستوى الجهة القضائية لمكان الولادة أو لدى المركز الدبلوماسي أو القنصلي لمقر الإقامة بالنسبة إلى المولودين في الخارج.

ويشير متخصصون في القانون إلى أن ملف تغيير اللقب يتضمن تعهداً بأن لا يكون الهدف من تغيير اللقب تغييراً للهوية أو الهرب من عقاب ما والتحرر من سوابق عدلية قديمة، كذلك فإن الملف يتطلب شهادة الحالة المدنية الخاصة بالمعني وبأبنائه وشهادة الزواج والجنسية والسوابق العدلية ومستخرج من جدول الضرائب، وعلى طالب تغيير اللقب أن ينشر طلبه في صحيفة وطنية يضع فيه لقبه الأصلي واللقب المطلوب، ولا يتم تغيير اللقب إلا بمرسوم رئاسي يوقعه رئيس الجمهورية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير