ملخص
يقارب الكاتب اللبناني فوزي ذبيان (1963) في سرده السيري، من القاع، أو من واقع الطبقات الفقيرة، والمهمشة، والمؤمنة إلى حد بعيد. ولا يصوب نظره الوجهة السالفة في عمل مفرد، وإنما تراه ينصرف إلى استجلاء قيعان المدينة، وأطرافها، وضواحيها، في كل من أعماله الروائية، ومنها: "مذكرات شرطي سابقو" و"أورويل في الضاحية الجنوبية" و"بيروت من تحت" و"الإرهابي الأخير"... إلى روايته الصغرى (أو النوفيلا) الصادرة حديثاً له بعنوان "اسمي فوزي وعمري أربعة عشر عاماً" عن دار الجمل.
لدى قراءة الفصول الأولى من رواية "اسمي فوزي" يتبين أن والد صاحب السيرة أصيب بمرض عصبي أقعده عن العمل، وجعله بوضعية يمد فيها إصبعيه الوسطيين، لكل طارق، من دون أن يكون قاصداً تحديه أو إهانته، ولكن الدال الأكبر على ذلك أن عائلة "فوزي" السارد الذي يفترض به أن يكون راوياً عن نفسه، إلى حد ما، كانت في حال من العوز، وأن تلك الحال دفعت بالفتى، ذي الـ14 سنة - ولم تكتمل طفولته بعد - إلى السرقة، مرة لحيازة لعبة، بسرقتها من دكان جارهم أبي غسان، وهي كناية عن سيارة ماتش بوكس صغيرة حمراء، سعى عبثاً إلى تشغيلها في البيت، وأثارت إعجاب الوالد، ومرة أخرى بسرقة مأكولات كانت عائلته، المكونة من أفراد كثيرين، محرومة منها.
ولئن بدت هذه السرقات للوهلة الأولى دليلاً على انحراف في سلوك ولد مضطرب، فإن عودته إلى عائلته، الذي لا يكف الراوي عن الإشارة إليها على أنها مكمن الحاجة والاشتهاء، وتوظيفه إياها (السرقات) فيه لسد حاجاتها، إنما يشير إلى غائية تتعدى ذاتيته وطفولته المحرومة، إلى مسعى لإخراج العائلة من كبوتها، عبر هذه السرقات، والمساهمة في قسطه لملء الفراغ المهني الذي تركه الأب، لتعطله المبكر.
وعلى أي حال، تتبدى السرقة هنا فعل اعتراض ضمني على ظلم يعانيه، هو الطفل وأترابه من جيران القرية أو البلدة، إذ يجمع من حوله الفتيان ليسرقوا ما تطاوله أيديهم من أدوات، أو خرضة، ليبيعوها ويعتاشوا بثمنها. كان الفتى يكتفي من السرقة بما يحقق له طفولته باقتنائه سيارة ماتش بوكس (لعبة) تكاد تكون نموذجية عند فئة الفتيان في لبنان، في ثمانينيات القرن الماضي.
ولم تكن السرقة مقتصرة على الألعاب والغذاء، مما كانت تحتاج إليه أفواه الإخوة والأخوات، وإنما تعدتها إلى سرقة علب الدخان، من دكانة أبي غسان نفسه، لتلبية حاجة أخيه نبيل، قبل وفاته، وصحبه من المراهقين، من أجل إدامة حلقات سمرهم، وتفننهم في التدخين، تحقيقاً لفوزهم في اختبار الرجولة المقبلين عليها.
القطة شيرا
وفي جنبات الرواية السيرية شخصيات حيوانية يشهد القارئ بروزها وحياتها، مع الشخصية الرئيسة، أي فوزي الفتى في الـ14، حتى موتها. ولعل هذه الرفقة بمراحلها الثلاث ما تسم سيرة كل من والده، المشار إليه أعلاه، ووالدته التي يزمع الكلام عليها لاحقاً، إلى جانب شيرا هرته، ورفيقة وحدته ووحشته، بل إن شيرا هذه، وسائر الحيوانات الزاحفة والسحالي، كانت تداري ضيق الفتى من عالم الكبار، وعجزه عن النفاذ ما بين شقوق صراعاتهم، وبطولاتهم المتخيلة، نظير ما لقيه من ذلك الجار الأعور الذي كان فقد إحدى عينيه في أثناء الصراع العسكري بين الدروز والمسيحيين، إبان حرب الجبل.
"قالت لي شيرا مياااو ثم قفزت من بين يدي لتتوارى بعدها خلف الجدران الكثيرة التي يحفل بها حينا... فضلاً عن أبي، أحسب أن شيرا أكثر من فهم خطتي لإنقاذ أبي من ورطة تلك الجلسة مع رجل الحروب والعين الواحدة ذاك..." (ص:32).
محورا السيرة: مأساتان
لكن سيرة الفتى، المروية بلسان الراشد، أعني فوزي ذبيان، وإن يكن بعضها متخيلاً أو متصرفاً به، على نحو ما يكون الأدب، أظهر ما تكون مبنية على محورين، هما مأساتان، كان (الفتى) يتدبر التعايش معهما بما أوتيه من قوة فعل، ومخيلة حسية، ووجدانية، ومن ذاكرة، فالمأساة الأولى كون الأب مقعداً، مشوش الذهن، وغير عدائي، وعاطلاً من العمل، والثاني مرض أخيه نبيل المراهق، بالسرطان ومعاناته منه، ثم وفاته، وانهيار والديه من بعده، إلى وفاتهما لاحقاً. علماً أن هذا الموت سيكون له أثر جسماني كبير في الراوي الفتى: "لا أدري لماذا خانتني قدماي يوم موت نبيل فأنا لم أكن على دراية أن نبيل قد رحل إلى الأبد. وكنت أظن أنه وإن كان مات فسيعود إلى البيت" (ص:13).
وعلى هذا النحو، لا يني الراوي الفتى، مؤازراً من الكاتب العليم، يستعيد الحدث المأسوي الأعلق في الذاكرة، أعني موت نبيل الشاب، فيستعيد، بأسى شفيف، شريطاً من ذكرياته مع أخيه حين كان يعد له، على أحسن ما يكون، طائرات الورق، يصنعها من قصب وخيطان وأوراق ملونة، ويرسلها إلى أعلى حتى الغيوم فوق البحر: "رحت أنا وهو نلاحق الطائرة بنظرات شاردة إلى أن توارت ببطء بقلب العتمة فوق البحر. قلت لنبيل دون أن أنظر إليه: إن السماء هنا أقرب والأرض أعلى، ثم أردفت بصوت أخال أن نبيل لم يسمعه: ربما نحن تلك المسافة التي تربط الأرض بالسماء" (ص:54).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والحال أن غالبية فصول النوفيلا تكاد تنطبع بهذا الغياب الدراماتيكي، وما خلفه في نفس الفتى من أسى وتساؤلات حول الموت والحياة، والبقاء والتلاشي الجسماني، وسر الزمن، وأخوة الكائنات الأخرى مثل الحيوانات الأليفة، والكلاب التي تتكلم كلاماً مفهوماً، والسحالي التي يتمنى أن يكون واحداً منها هرباً من الواقع وصداً لمرارته، والأشباح التي تلح في حضورها، بإحدى مراحل فتوته القاتمة.
بداية الوعي: المكتبة
تشاء الصدف أن تكون في ذلك الحي الشعبي مكتبة يديرها شخص مولع بتعميم المعرفة، لم يذكر الراوي العليم اسمه، بل لقبه بالأستاذ. وتشاء السيرة المروية أيضاً أن يشمل الفتى (فوزي) بسرقاته الكتب من تلك المكتبة، ولكن المفارقة أن ذلك الأستاذ، صاحب المكتبة أو مديرها، شاء أن يقلب حجة الفتى بأن يقصده إلى المنزل، ويقدم له هدية هي كناية عن ثلاثة من الكتب السردية، لكل من ميخائيل نعيمة ومارون عبود ودوستويفسكي الذي سيألفه كثيراً، ويناديه تحبباً بـ"دودو".
على أن هذا الوعي الأولي إلى لزوم الكتاب، وقراءته، وإن بنوع من النزق والحشرية، أدى به إلى تمثل بعض الشخصيات النموذجية المتبناة في الفكر اليساري، عنيت تشي غيفارا، وغيره. فكان ذلك بداية لوعي سياسي، مقدر له أن يأخذ الفتى بعيداً في مراحل لاحقة من حياته.
بين السيرة ووهمها الباقي
لكن السيرة الذاتية - بحسب فيليب لوجون الذي اعتبرها "عقداً بين الكاتب والقارئ يقر فيه الأول بأنه مزمع على رواية سيرة حياته الحقيقية، باستخدامه ضمير المتكلم العائد إلى الكاتب نفسه، وبأن هذا الضمير والكاتب يشكلان هوية واحدة لا لبس فيها. وإن عمل الكاتب فوزي ذبيان، صاحبها، وفقاً لما ورد في عنوان النوفيلا ("اسمي فوزي ذبيان، وعمري أربعة عشر عاماً")، وصاغ ما يمكن تسميته رؤيته إلى العالم، أي نظرته الانتقائية إلى الأشخاص الواقعيين، وقدرته على نمذجة هذه الشخصيات، وجعله الأم، على سبيل المثال، لصيقة بالحقيقة من جانب، من ناحية حنوها على الراوي صاحب السيرة، وحرصها على كرامة زوجها، بقدر حرصها على حياة أبنائها وبناتها. ولا سيما تقريبها من نموذج المرأة المنفتحة على الأديان، في مشهد مسيرة نذرها للسيدة العذراء في الشويفات في قصد شفاء ابنها نبيل.
ومع ذلك، تبقى زاوية النظر الخاصة به إلى المكان ومشاهده، ومناخه القاتم في كثير من الفصول، على رغم كونها تلقي أضواء على سيرة الفتى، نضيف إليها كثيراً من المواقف التأملية في الجسد، والموت، والصداقة، والتحول (إلى سحالي)، والأطياف، والأشباح، وغيرها مما يجعل السيرة تعلو على واقعيتها المفترضة، من دون أن تفارقها.