Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا تواجه شتاء قاتما مع صدمة الإمدادات ودفع المصانع إلى الانهيار

تراجع مخزونات الغاز وتصاعد الكلفة يطلقان أزمة طاقة عابرة للقارة

تحذر قطاعات الألمنيوم والصلب والكيماويات من توقف الإنتاج وفقدان الوظائف وتراجع الاستثمارات (رويترز)

ملخص

تتجه القارة الأوروبية إلى الشتاء بمخزونات هي الأدنى منذ أكثر من عقد، بعدما حالت اضطرابات مضيق هرمز دون تمكن الدول من زيادة احتياطاتها خلال الصيف.

واجهت شركة "بريدغنورث ألومينيوم" في الأعوام الأخيرة تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة كوفيد، وصدمات متكررة في أسواق الطاقة، لكن هذا الشتاء يحمل معه "مزيداً من التوتر والضغط"، وفق رئيس المبيعات في الشركة أدريان موسغريف. وتنتج الشركة ألمنيوم مدرفلاً (معدن ألمنيوم تم تمريره عبر أسطوانات ضخمة لتقليل سمكه وجعله على شكل صفائح أو لفائف مسطحة) يستخدم في التغليف والبناء وتصنيع منتجات مثل السيارات والبطاريات. ومثل كثير من الشركات الصناعية التي تعمل تحت ضغوط متزايدة في أنحاء أوروبا، تواجه "بريدغنورث ألومينيوم" تهديداً وشيكاً يتمثل في ارتفاع فواتير الطاقة، وهو ما يصفه موسغريف بأنه "قلق يتراكم فوق قلق".

وتضاعفت كلفة الغاز الطبيعي خلال الشهرين الماضيين بسبب تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران، لتصل هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أعوام في بريطانيا والاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن تشهد الأسعار مزيداً من الارتفاع خلال الأشهر الأكثر برودة.

وتشعر "بريدغنورث ألومينيوم"، التي توظف 370 شخصاً في مصنعها بمنطقة شروبشاير، الواقعة في قلب بريطانيا الصناعي، بالفعل بتداعيات ذلك. وتبلغ فاتورتها الشهرية المجمعة للغاز والكهرباء نحو 1.1 مليون جنيه استرليني (1.4 مليون دولار)، أي ما يعادل 18 في المئة من إجمال كلفتها، وهي في ارتفاع مستمر.

وتتضمن أكبر عقود الشركة آلية حماية، إذ يتحمل العملاء الفارق عندما تتجاوز أسعار الغاز مستوى معيناً، وجرى تجاوز ذلك الحد الشهر الماضي، لكن موسغريف يشعر بالقلق من احتمال عدم عودة العملاء.

ويقول لصحيفة "الغارديان" "يتعين عليهم الدفع لأن ذلك منصوص عليه في العقد، لكن من الواضح أنهم لن يكونوا سعداء بذلك. وعندما يحين موعد تجديد العقد، ستصبح المسألة مشكلة".

ويؤكد موسغريف أن الشركة لا تواجه حالياً وضعاً يضطرها إلى تسريح العمال أو وقف الإنتاج موقتاً خلال الشتاء، لكن شركات أخرى قد لا تكون محظوظة بالقدر نفسه، فقد توقع تقرير أعده "نادي آيتم" في وقت سابق من هذا العام، أن تفقد بريطانيا 163 ألف وظيفة خلال عام 2026 بسبب الحرب، على أن تتركز الخسائر في المناطق التي تعتمد بكثافة على الصناعة، مثل جنوب ويلز ومنطقة هامبر.

وتدرس "بريدغنورث ألومينيوم" تمديد عطلة عيد الميلاد، أو تقديم أعمال الصيانة حتى يقل تشغيل المصنع خلال فترات ارتفاع الأسعار. ويضيف موسغريف، "من الواضح أن الموظفين يدركون ذلك، وعندها يبدأ الناس في القلق".

ارتفاعات حادة ونقص في الغاز

وتسببت الحرب في اضطراب إمدادات الطاقة العالمية منذ أن بدأت إيران مهاجمة السفن في الخليج وخنقت الوصول عبر مضيق هرمز، وهو الممر المائي الضيق الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.

وصعدت أسعار الغاز بالجملة في بريطانيا هذا الأسبوع إلى 205 بنسات لكل وحدة حرارية، وهو أعلى مستوى منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022، بزيادة مقدارها 101 في المئة عن 102 بنس في يونيو (حزيران) الماضي، ويقارن ذلك مع 78 بنساً لكل وحدة حرارية في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وتستورد بريطانيا نحو 70 في المئة من حاجاتها من الغاز، ما يجعلها شديدة التأثر بتقلبات الأسعار.

وتزيد ندرة مخزونات الغاز المخزنة من تعقيد الأزمة، فالقارة الأوروبية تتجه إلى الشتاء بمخزونات هي الأدنى منذ أكثر من عقد، بعدما حالت اضطرابات مضيق هرمز دون تمكن الدول من زيادة احتياطاتها خلال الصيف، عندما تكون الأسعار عادة أقل.

وتبلغ نسبة امتلاء مرافق التخزين حالياً نحو 67 في المئة، مقارنة بمتوسط موسمي يقترب من 80 في المئة.

أما ألمانيا، التي تمتلك أكبر قدرة تخزين للغاز في أوروبا، فلا تتجاوز نسبة امتلاء مخزوناتها نحو النصف، وهي في طريقها إلى عدم تحقيق هدفها الرسمي البالغ 70 في المئة هذا العام، ومن المتوقع أيضاً أن تفشل هولندا في بلوغ هدفها البالغ 80 في المئة.

وباعتبارها واحدة من أكبر مستهلكي الغاز في أوروبا، قد تكون بريطانيا معرضة بصورة خاصة للخطر، في ظل امتلاكها بعضاً من أدنى مستويات التخزين المحلي واعتمادها بدلاً من ذلك على واردات عبر خطوط الأنابيب من أوروبا وناقلات من الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "سنتريكا"، المالكة لشركة "بريتيش غاز"، كريس أوشي، الشهر الماضي إن بريطانيا لديها "تقريباً لا شيء من الغاز المخزن" استعداداً للشتاء المقبل.

اضطرابات في قطاع الشركات الألمانية المتوسطة

ويقول الشريك الإداري في شركة "ماكروميتال هاندلسغيزلشافت"، ألكسندر يوليوس، للصحيفة وهي موزع للصلب في هامبورغ، إن شركته تنافس "منتجين في مناطق تكون فيها كلفة الطاقة غالباً أقل بكثير، وإذ تقدم الحكومات دعماً صناعياً مباشراً أو غير مباشر".

وبالنسبة إلى صناعات مثل شركته، التي تشكل جزءاً من قطاع الشركات الألمانية المتوسطة، فإن الطاقة ليست مجرد بند آخر في قائمة الكلفة، بل "مدخل إنتاج أساس". لكنه يضيف أن هذه الشركات، بدلاً من تلقي الدعم، تتعرض "لضغوط هائلة من الضرائب الخضراء، في وقت تقفز فيه أسعار الطاقة بسرعة".

ويقول يوليوس، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس اتحاد "يوروميتال" التجاري، إن الشركات ستنهار، وإن الوظائف ستنتقل إلى الصين أو الهند، ما لم يجر اتخاذ إجراءات لخفض كلفة الطاقة.

وحذر اتحاد "يوروميتال" من أن خسائر الوظائف الصناعية في أنحاء أوروبا قد تصل إلى 300 ألف وظيفة بحلول نهاية العام، مدفوعة جزئياً بالمنافسة الصينية، ومفاقمة بسبب كلفة الطاقة.

ويضيف المدير العام للهيئة الأوروبية للصلب "يوروفير"، أكسل إيغرت، أن الأسعار المرتفعة "ستؤدي حتماً إلى اضطرابات في الإنتاج. ولا يمكن للصناعات الكثيفة استهلاك الطاقة، المعرضة للمنافسة الدولية، أن تمتص هذه الكلفة الإضافية ببساطة". ويحذر من أنه "كلما طال أمد الأزمة، زاد خطر تحول خفض الإنتاج الموقت إلى خفض هيكلي، بما يترتب على ذلك من عواقب على الاستثمار والتوظيف، وفي نهاية المطاف على قدرة المصانع الصناعية في أوروبا على الاستمرار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعت صناعة السيارات في ألمانيا إلى تحرك عاجل من برلين وبروكسل، قائلة إن "ارتفاع أسعار الطاقة يمثل أحد أكبر أوجه الضعف التنافسية لألمانيا باعتبارها موقعاً للأعمال"، إذ تصل أسعار الكهرباء في بعض الحالات إلى ثلاثة أمثال مستوياتها في الولايات المتحدة.

وقال متحدث باسم اتحاد صناعة السيارات الألماني "في دي إيه" إن "ألمانيا، مثل الاتحاد الأوروبي، تحتاج بصورة عاجلة إلى استراتيجية طاقة مشتركة ومدعومة، تقوم على أسعار كهرباء منخفضة وبنية تحتية لشبكات الكهرباء قادرة على الصمود في المستقبل". وأضاف أن بناء صناعات جديدة سيصبح "عاملاً حاسماً في تحديد" الاستثمارات الأجنبية الواردة في المستقبل.

قطاع البتروكيماويات الأكثر تأثراً

تبدو تداعيات الأزمة أشد خطورة على قطاع الصناعات الكيماوية، إذ تعتمد الشركات على الغاز لتشغيل مصانعها، وكذلك باعتباره مادة أولية تدخل في تصنيع كثير من المنتجات، مما يعني أن كل ارتفاع في الأسعار يضربها مرتين.

ويقول رئيس اتحاد الصناعات الكيماوية الإيطالية "فيدرتشيميكا"، فرانشيسكو بوزيلا، إن الطاقة لا تزال "العامل الأساس الذي يقوض القدرة التنافسية لشركات الصناعات الكيماوية" في بلاده.

وتشكل الطاقة حالياً 18 في المئة من قيمة كل ما تنتجه الصناعة الكيماوية الإيطالية، مقارنة بـ14 في المئة عام 2021، وقد ترتفع النسبة إلى 23 في المئة إذا لم تتراجع أسعار الغاز والنفط.

ووصل سعر النفط هذا الأسبوع إلى 107 دولارات للبرميل، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة وإيران تبادل الضربات.

وانخفض إنتاج الصناعات الكيماوية في بريطانيا بنسبة 60 في المئة منذ عام 2021، وفقاً لاتحاد الصناعات الكيماوية، مع إغلاق ما لا يقل عن 25 موقعاً.

وكان الرئيس التنفيذي لمجموعة "هانتسمان كوربوريشن" للصناعات الكيماوية، بيتر هانتسمان، قال للصحيفة في مارس (آذار) الماضي، إن استمرار الأسعار المرتفعة قد يجبر الشركة على إغلاق آخر مصنع متبقٍ لها في بريطانيا، في ويلتون بمنطقة تي سايد.

وفي شروبشاير، يقول موسغريف إن مالك "بريدجنورث ألومينيوم"، المجموعة الصناعية البلجيكية "فيوهالكو"، يرغب في ضخ مزيد من الاستثمارات في عمليات الشركة، لكن الأرقام أصبحت أكثر صعوبة من حيث تبريرها.

وقال "إنهم يرغبون في تنفيذ بعض الاستثمارات الكبيرة، فالسوق البريطانية للألمنيوم كبيرة إلى حد ما، ونحن نود أن نتمكن من بيع المزيد في السوق المحلية". لكنه أضاف أن ضغوط الطاقة وغيرها تجعل الصورة "صعبة على المساهمين كي يستوعبوها، فظروف الأعمال بالنسبة إلى الاستثمار صعبة للغاية، وتتغير بسرعة كبيرة". وتابع "أعمل في هذه الصناعة منذ ما يزيد قليلاً على 20 عاماً. وخلال الأعوام الـ10 الأولى، كانت البيئة الاقتصادية الكلية مستقرة دائماً إلى حد كبير. لكن بعد ذلك جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي غيّر الأمور، ثم أزمة الطاقة المرتبطة بأوكرانيا، ثم كوفيد، والآن هذا... أعتقد أننا سنحصل على عام ربما لا يشهد تغيراً كبيراً، لكن الأمر لا يتوقف".

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز