Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يعيش اتفاق "واحد مقابل واحد" بين بريطانيا وفرنسا؟

باريس تربط أي تمديد بإطار أوروبي وبيرنهام يناشد ماكرون قبل نهاية المرحلة التجريبية

آندي بيرنهام استضاف إيمانويل ماكرون في مقر إقامتة وسط لندن خلال سبتمبر 2026 (غيتي)

ملخص

 يقترب اتفاق "واحد يدخل وواحد يخرج" بين بريطانيا وفرنسا من نهاية مرحلته التجريبية في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، من دون تفاهم على تمديده، وسط تقارير عن استعداد باريس للانسحاب من المفاوضات، ومناشدة مباشرة وجهها رئيس الوزراء آندي بيرنهام إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، من أجل تحويله إلى تعاون دائم.

في مقر رئاسة الحكومة البريطانية، استضاف آندي بيرنهام صباح الثالث من سبتمبر (أيلول) الجاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي ختام المحادثات وصف بيرنهام الشراكة مع باريس في مواجهة "هجرة القوارب" بأنها ناجحة بوضوح، وأعلن الجانبان نشر فرقة فرنسية من 45 شرطياً، بتمويل بريطاني على الشواطئ غرب بلدة كاليه، لملاحقة القوارب العملاقة.

ثمة وجه آخر لتلك الصورة كشفته تقارير صحية محلية، فالاتفاق "واحد يدخل وواحد يخرج" الذي أبرمه البلدان لمواجهة "هجرة القوارب"، يقترب من نهاية مرحلته التجريبية في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، من دون تفاهم على ما يليه، وبحسب مصدر حكومي بريطاني، يبدو أن الفرنسيين يفضلون الانسحاب، أو وضع الاتفاق في إطار أوروبي أوسع.

وفق الأرقام، أعادت بريطانيا نحو 1400 لاجئ لفرنسا حتى مطلع سبتمبر الجاري، ونُقل عدد مماثل في الاتجاه المعاكس، ويعادل ذلك قرابة أربعة في المئة من 32549 شخصاً وصلوا بالقوارب إلى إنجلترا، منذ بدء العمل بالاتفاق في السادس من أغسطس (آب) 2025.

وتفيد مصادر على ضفتي القنال الإنجليزي صحيفة الـ "تايمز" بأن باريس تتردد في تحويل الترتيب إلى صيغة دائمة، لأنها لا تراه ناجعاً، ويضاف إلى ذلك أنها تعجز عن ترحيل كثير ممن تستعيدهم من بريطانيا إلى بلدانهم، فيبقون عالقين على أراضيها، ويضاعف اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية حذر الإليزيه من توسيع اتفاق قد ينقلب عبئاً داخلياً.

أما الصورة على الضفة البريطانية فمختلفة، فقد توجه بيرنهام بمناشدة مباشرة إلى ماكرون في شأن استمرار العمل بهذا الاتفاق، بحسب الـ "تايمز"، إذ تتمسك لندن برواية نجاح تقول إن الاتفاق قلّص حماسة اللاجئين لعبور البحر، وجعلهم يفضلون المسار الشرعي للقدوم إلى المملكة المتحدة، مستشهدة بتراجع أرقام الوافدين عبر القنال الإنجليزي هذا العام مقارنة بسابقه، إذ وصل 17281 شخصاً منذ مطلع العام الحالي، بتراجع 43 في المئة عن الفترة نفسها من العام الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما يبدو تهديداً فرنسياً مفاجئاً ليس جديداً في جوهره، ففي منتصف يونيو (حزيران) الماضي، مثُل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أمام لجنة التحقيق البرلمانية في تبعات اتفاقات "لوتوكيه" الموقعة عام 2003، وأوضح يومها أن الاتفاق التجريبي لن يُجدد بعد الخريف، وقال إنه "ليس على فرنسا أن تحمله وحدها"، وإن الأجدى أن يُبنى على اتفاق بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، متعهداً بأن تضغط باريس في هذا الاتجاه داخل مؤسسات الاتحاد، وتساءل الوزير عن سبب انفراد فرنسا بمراقبة ما وصفه بحدود خارجية للاتحاد، وبعبارة أخرى، لم تتغير الرسالة الفرنسية، بل تغير متلقيها في لندن، إذ ورث بيرنهام الملف قبل أسابيع قليلة من موعد استحقاقه.

واللافت أن نونيز نفسه أقرّ خلال الجلسة ذاتها بأن الآلية بدأت تُعرف، وبأن عدداً من المهاجرين عدلوا عن العبور بسببها، أي أن الاعتراض الفرنسي لا ينصب على جدوى الردع، بقدر ما ينصب على من يتحمل كلفته، وتكشف الأرقام الرسمية الفرنسية الوجهين معاً، فقد اعترف المدير العام لإدارة الأجانب في فرنسا، لوران توفيه، أمام اللجنة نفسها بأن الأعداد محدودة، إذ لم يتجاوز المتوسط 17 عملية إعادة أسبوعياً حتى أواخر مايو (أيار) الماضي.

ولا تقف هشاشة الاتفاق عند السياسة، ففي الـ 10من يوليو (تموز) الماضي، قضت المحكمة العليا في لندن بأن وزارة الداخلية تصرّفت على نحو غير قانوني، حين حرمت المرشحين للترحيل إلى فرنسا من حق طلب مراجعة القرارات السلبية في ادعاءاتهم بأنهم ضحايا اتجار بالبشر، ولاحظ القاضي كلايف شيلدون أن 79 في المئة ممن رُفضت ادعاءاتهم ابتداء من عام 2025، حصلوا على قرار إيجابي بعد المراجعة، وفي المقابل أعلنت الوزارة عزمها الاستئناف، مؤكدة أن الادعاءات المتأخرة يجب ألا تُستخدم لعرقلة الترحيل.

في فرنسا صمد النص أمام مجلس الدولة، الذي ردّ في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي طعناً قدمته 16 جمعية تقودها "مجموعة الإعلام والدعم للمهاجرين"، لكن "اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان" رأت فيه مساساً بحقوق اللاجئين، ومخالفة لالتزامات فرنسا الدولية، واضطر البلدان في يونيو الماضي إلى تعديل الترتيب، بإعلان وزاري يسمح بترحيل من يرجعون خلسة إلى بريطانيا مرة ثانية، إثر عودة بعضهم مختبئين في شاحنات.

 

تعود جذور المأزق إلى ما قبل بيرنهام وسلفه كير ستارمر، فبخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، خرجت أيضاً من لائحة دبلن التي كانت تتيح إعادة طالبي اللجوء لأول دولة عضو دخلوها، ومنذ ذلك الحين تتمسك باريس بأن أية آلية إعادة شاملة يجب أن تمر عبر بروكسل، وهذا ما أبلغه ماكرون لريشي سوناك في قمة مارس (آذار) 2023، حين تعهدت لندن بنحو 480 مليون جنيه إسترليني (نحو 649 مليون دولار أميركي) على ثلاثة أعوام، لتعزيز الرقابة على الساحل الفرنسي، وجاء رد "المفوضية الأوروبية" يومها بأنها لا تفكر في اتفاق إعادة مع بريطانيا.

وحين أعلن ستارمر وماكرون اتفاق "واحد يدخل وواحد يخرج" في الـ 10 من يوليو 2025، حمّل الرئيس الفرنسي "بريكست" صراحة مسؤولية الأزمة، ورأى أن البريطانيين خُدعوا حين قيل لهم إن أوروبا هي المشكلة، غير أن العامل الأثقل في الحسابات الفرنسية جاء هذه المرة من برمنغهام، ففي الرابع من سبتمبر الجاري، وقّع رئيس حزب "التجمع الوطني" جوردان بارديلا مذكرة تفاهم مع زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج على منصة المؤتمر السنوي للحزب البريطاني، تنص على أن تعترض بريطانيا القوارب المنطلقة من الساحل الفرنسي حين تدخل مياهها وتعيد ركابها لفرنسا، على أن تتولى الأخيرة ترحيلهم إلى بلدانهم، وذلك في حال وصل الحزبان إلى الحكم، وقد أشعلت الوثيقة جدلاً واسعاً في فرنسا، على رغم أنه يعارض موقف مارين لوبان، زعيمة "التجمع" التي طالبت عام 2021 بإعادتهم لبلدانهم الأصلية مباشرة لا إلى فرنسا.

واتهم بنجامان حداد، وهو الوزير الفرنسي المنتدب للشؤون الأوروبية، بارديلا بالخضوع على حساب مصالح فرنسا وسيادتها، ورأى رئيس منطقة "أو دو فرانس"، كزافييه برتران، أنه ينزل ببلاده إلى مرتبة "المقاول من الباطن" لبريطانيا، وهنا تكمن العقدة الفرنسية، فالمبدأ الذي هاجمه معسكر ماكرون بوصفه تفريطاً في السيادة، أي قبول فرنسا استعادة مهاجرين انطلقوا من سواحلها نحو المملكة المتحدة، هو جوهر الاتفاق الذي تطبقه حكومته منذ 13 شهراً، وأي تمديد له قبل انتخابات الربيع المقبل، مع اقتراب نهاية ولاية ماكرون في مايو 2027، سيمنح "التجمع الوطني" فرصة لرد التهمة إلى أصحابها.

وربما ينتزع بيرنهام من ماكرون تمديداً قصيراً للاتفاق حتى نهاية العام الحالي، ولكن يصعب تصور تنازل باريس عن شرط وضعته في سياق أوروبي أشمل، وهو ما لن يكون مستحيلاً عموماً في إطار إعادة "ضبط العلاقة" الذي يحاول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إتمامه، خلال قمة مرتقبة بينهما في وقت لاحق من العام الحالي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير