Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تصمت البنادق... معركة السودانيين المؤجلة مع العدالة

أسفرت عمليات النزوح الواسعة عن فقدان أو تلف عدد من الوثائق الرسمية التي يعتمد عليها المواطنون لإثبات ملكيتهم أو حيازتهم للأراضي والمساكن

أدت الحرب إلى اتساع نطاق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق مختلفة من السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)ر

ملخص

منذ اندلاع الحرب، لم يتوقف العمل الحقوقي والمدني في السودان، لكنه اضطر إلى إعادة تشكيل نفسه تحت ضغط القتال وانهيار مؤسسات الدولة وتضييق المجال العام. نشأت غرف الاستجابة للطوارئ في الأحياء، وتحولت شبكات المتطوعين ولجان المقاومة والمبادرات النسوية والمحامون والأطباء والصحافيون إلى خطوط أولى للإغاثة والتوثيق.

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، وجد المدنيون أنفسهم في مواجهة نزاع لم يقتصر أثره على ساحات القتال، بل امتد إلى البيوت والأحياء والأسواق والمرافق الصحية وسبل العيش، وحول مساحات واسعة من الحياة اليومية إلى أماكن للخوف والنزوح والفقد. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة أعوام، تراكمت وقائع القتل والإصابة والاختفاء والاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي، إلى جانب التهجير القسري ونهب الممتلكات وتدمير المنازل والبنية المدنية وتعطيل وصول المساعدات، في انتهاكات وثقتها آليات الأمم المتحدة وجهات حقوقية مستقلة. وقد أسفر ذلك عن أزمات حقوقية وإنسانية متشابكة، وعن مطالب متواصلة بالكشف عن مصير الضحايا والمفقودين، ومحاسبة المسؤولين، وضمان حق المتضررين في العدالة والإنصاف، وهي مطالب لا تزال مسارات تحقيقها ومساءلة مرتكبي الانتهاكات متعثرة ومحدودة الأثر حتى الآن.

وخلفت الحرب أعداداً هائلة من الضحايا والناجين والنازحين، فقد اضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة أماكن إقامتهم، مرات متكررة في كثير من الحالات، بحثاً عن ملاذ داخل البلاد أو خارج حدودها. وظل السودان أحد أكبر أزمات النزوح القسري في العالم، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مع ملايين الأشخاص الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وأمنهم، بينما لجأ ملايين آخرون إلى البلدان المجاورة.

وفي خلفية هذه الأرقام، تتكشف خسائر لا تختزلها الإحصاءات، أسر فقدت أفراداً، وأشخاص انقطعت أخبارهم، وناجون يحملون آثار العنف والنزوح، ومجتمعات تضررت من تدمير المنازل والمرافق والخدمات الأساسية. وتظل روايات الضحايا وشهاداتهم، إلى جانب توثيق الوقائع وحفظ الأدلة، جزءاً أساسياً من تثبيت ما حدث، وتحديد المسؤوليات، وصون حق المتضررين في معرفة الحقيقة والعدالة والإنصاف وجبر الضرر.

استهداف مباشر

منذ اندلاع الحرب، لم يتوقف العمل الحقوقي والمدني في السودان، لكنه اضطر إلى إعادة تشكيل نفسه تحت ضغط القتال وانهيار مؤسسات الدولة وتضييق المجال العام. نشأت غرف الاستجابة للطوارئ في الأحياء، وتحولت شبكات المتطوعين ولجان المقاومة والمبادرات النسوية والمحامون والأطباء والصحافيون إلى خطوط أولى للإغاثة والتوثيق. فإلى جانب توفير الغذاء والدواء والإجلاء والمأوى، جمع هؤلاء الإفادات، وثقوا الانتهاكات، وأسندوا الناجين إلى خدمات قانونية ونفسية، وحاولوا إبقاء الوقائع قابلة للرصد في بيئة يتعذر فيها الوصول إلى كثير من المناطق. لكن هذا الدور نفسه جعلهم عرضة للاستهداف، إذ وثقت منظمات حقوقية حالات اعتقال وتهديد واعتداء طاولت متطوعين وأعضاء في غرف الاستجابة، فيما اضطر بعضهم إلى مغادرة مناطقهم أو وقف نشاطهم خشية الانتقام.

وفي دارفور، كان الاستهداف أكثر مباشرة، فقد قتل في الجنينة خلال أسابيع قليلة من بدء الحرب ثلاثة مدافعين عن حقوق الإنسان، هم المحامي محمد أحمد كودية، والمحامي خميس أرباب، وخضر سليمان عبدالمجيد، رئيس منظمة "أفكار" الحقوقية، الذي كان تلقى تهديدات قبل مقتله. وفي السياق نفسه، تعرض أعضاء منظمة "الجذور" لمضايقات واحتجاز وتعذيب أثناء محاولتهم الفرار إلى تشاد، ووثقت "هيومن رايتس ووتش" حالات عنف جنسي طاولت بعض أعضائها.

وعلى مسار آخر، واصل "محامو الطوارئ" العمل في التوثيق والمساعدة القانونية، ونشروا تقارير عن القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب والانتهاكات في أماكن الاحتجاز، على رغم الأخطار التي أحاطت بالمحامين والمدافعين. كذلك امتد الضغط إلى المدافعات والعاملات في المنظمات النسوية، اللاتي واجهن تهديدات واعتقالات وعنفاً، واضطرت بعض المبادرات إلى نقل نشاطها أو العمل بصورة أكثر سرية.

ولم تكن الملاحقة مقصورة على العاملين الميدانيين، فقد واصلت آليات الأمم المتحدة تلقي بلاغات عن احتجاز واختفاء مدافعين ومحامين، كذلك وثقت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 حالة المحامية والمدافعة ازدهار جمعة، التي أبلغ عن اختطافها واختفائها وضربها وادعاءات بتعرضها للتعذيب.

وفي هذه البيئة، أصبح حفظ الشهادة وجمع الإفادة وتقديم المساعدة القانونية أو الإنسانية عملاً محفوفاً بالأخطار. ومع ذلك، استمرت منظمات المجتمع المدني والمدافعون عن الحقوق في أداء دورهم، داخل السودان وفي دول الجوار، كونهم من القنوات القليلة التي ظلت قادرة على نقل أصوات الضحايا وحفظ الأدلة ومتابعة الانتهاكات في انتظار ظروف تسمح بمساءلة أكثر فاعلية.

أبعاد قانونية

أدت الحرب إلى اتساع نطاق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق مختلفة من البلاد، في ظل استمرار القتال والنزوح وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على أداء وظائفها. ويواجه عدد من الضحايا صعوبات كبيرة في الوصول إلى الجهات المتخصصة لتسجيل الشكاوى، والحصول على الحماية، والوصول إلى السبل القانونية. ويزيد ضعف آليات المساءلة وتراجع الخدمات العامة من أخطار استمرار الانتهاكات والإفلات من العقاب، لذلك يتطلب تعزيز الاستجابة وضع أطر مؤسسية وقانونية تضمن توثيق الانتهاكات، وتيسير الوصول إلى العدالة، وحماية الضحايا والشهود، ودعم سيادة القانون كونها ركناً أساسياً للتعافي والاستقرار وبناء السلام المستدام.

وتمتد تداعيات الحرب إلى أبعاد قانونية ومؤسسية معقدة، ولا سيما في ما يتعلق بحقوق الملكية وإثبات الحيازة والوصول إلى العدالة. فقد أسفرت عمليات النزوح الواسعة عن فقدان أو تلف عدد من الوثائق الرسمية التي يعتمد عليها المواطنون لإثبات ملكيتهم أو حيازتهم للأراضي والمساكن والممتلكات. كذلك تعرضت سجلات الأراضي والعقارات، في عدد من المناطق، للتلف أو الضياع نتيجة القتال وتدمير البنية التحتية وتعطل المؤسسات العامة. ومن المرجح أن تؤدي هذه التطورات إلى نشوء نزاعات متزايدة حول الملكية والحيازة، بما قد يفاقم التوترات المجتمعية ويعقد جهود التعافي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.

قالت فتحية الأمين من الخرطوم "حين غادرت منزلي، كنت أظن أنني سأعود بعد أيام، لم أحمل معي إلا ما استطعت وضعه في حقيبة صغيرة. بقيت أوراق الأرض والمنزل ووثائقي الشخصية في البيت، وعندما طال النزوح لم يعد السؤال متى أعود، بل هل سأجد البيت قائماً أصلاً، وهل سأستطيع أن أثبت أنه لي إذا عدت؟". وأضافت "كنت أعمل وأعيل أسرتي من مشروع صغير، لكن الحرب أغلقت السوق وأوقفت مصدر دخلي. ولما عدنا، وجدت أنني لم أفقد المنزل وحده، فقدت العمل الذي كان يجعلني قادرة على إعالة أطفالي. ومع فقدان الوثائق، أصبحت أخشى أن يتحول ما أملكه إلى حق يصعب إثباته. لا أعرف إلى أية جهة أذهب، فقد بدأنا بالفعل رحلة نزاع مع كثيرين يمرون بالظروف نفسها ولم يستطيعوا إلى الآن إثبات حقوقهم في أراضيهم ومنازلهم".

إصلاح العدالة

 كان المدير التنفيذي لمنظمة "نداء" وزير التجارة والصناعة السوداني السابق مدني عباس مدني قد بحث أوضاع الحماية الاجتماعية في ظل الحرب السودانية، وقال إن الحرب لم تهدم مؤسسات الدولة فحسب، بل أصابت الوظيفة التي كانت تؤديها هذه المؤسسات في حماية الناس وتوفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي. وأوضح أن المؤسسات المركزية تعطلت بدرجات واسعة، وتراجعت قدرة الدولة حتى على الوفاء بمرتبات العاملين في القطاع العام، في وقت أصيب فيه النظام المصرفي باضطراب بالغ.

وقبل الحرب، وعلى رغم محدودية التغطية، كانت هناك منظومة رسمية للحماية الاجتماعية تضم التأمين الصحي، والمعاشات والتأمين الاجتماعي، وديوان الزكاة، وبرامج للتحويلات والمساندة النقدية. وكانت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تتولى جانباً أساسياً من رسم سياسات هذه المنظومة والإشراف على مؤسساتها. أما بعد اندلاع الحرب، يقول مدني، فقد انتقلت أعباء كانت تقع على عاتق الدولة إلى شبكات المجتمع المحلي والمنظمات الإنسانية وغرف الاستجابة، بينما انكمشت قدرة المؤسسات العامة على الوصول إلى المواطنين في وقت اتسعت فيه الحاجة إلى الحماية الاجتماعية بصورة عالية.

وأوضح المحامي في المساعدة القانونية لضحايا الحرب عامر سيد أحمد أن الحرب جعلت الوصول إلى العدالة مشكلة تسبق حتى مسألة الفصل في الدعوى، فالمحكمة قد تكون مغلقة والنيابة قد لا تعمل، والمحامي قد يعجز عن الوصول إلى موكله، والوثائق أو الأدلة قد تكون في منطقة لا يمكن دخولها. ومع انتقال السكان بين مناطق السيطرة والنزوح، أصبح تحديد الجهة التي يمكن اللجوء إليها وتوفير حماية فعلية للضحية تحدياً قائماً بذاته.

وأضاف أن انهيار المؤسسات القانونية لا يترك فراغاً إجرائياً فقط، بل يراكم قضايا لا تجد طريقها إلى التسجيل والتحقيق، ويزيد صعوبة حماية الأدلة وتتبع المسؤولية. وقد وثقت تقارير حديثة أن النزاع أضر بصورة بالغة باستقلال المهنة القانونية وعمل المؤسسات القضائية، مع تعرض محامين للاعتقال والتهديد والاختفاء والقتل.

وقال "حين تضعف المؤسسة التي يفترض أن تستقبل الشكوى، يصبح المواطن أمام خسارتين، خسارة الحق، ثم خسارة الطريق الذي يطالب من خلاله بحمايته. ولذلك فإن إصلاح العدالة بعد الحرب لن يبدأ من قاعات المحاكم وحدها، سيبدأ بإعادة المؤسسات إلى العمل، وحماية المحامين والقضاة، واستعادة السجلات، وتوفير المساعدة القانونية، وإنشاء وسائل يستطيع الضحايا الوصول إليها فعلاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مستقبل الحقوق

يتوقع ألا ينتهي الصراع الحقوقي في السودان بانحسار العمليات العسكرية، لأن الحرب راكمت وقائع ستنتقل بطبيعتها من ميادين القتال إلى ساحات القانون والسياسة والمجتمع. وستكون الأعوام المقبلة مرحلة مواجهة طويلة حول القتل خارج القانون، والإخفاء القسري، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، والتطهير ذي الطابع الإثني، وتدمير الممتلكات، ونهب الموارد، والاحتجاز والتعذيب، وهي انتهاكات وثقت الأمم المتحدة استمرارها واتساع أنماطها خلال هذا العام.

وسيظهر الصراع الحقوقي بصورة أوضح حول المسؤولية عن الجرائم، وليس فقط حول وقوعها. وستتجه الملفات تدريجاً إلى مساءلة القادة والآمرين والممولين ومن وفروا الحماية السياسية أو العسكرية للمنتهكين، مع توسع الاعتماد على الولاية القضائية خارج السودان، والآليات الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب أي قضاء سوداني يعاد بناؤه على أساس الاستقلال. وقد دعت الأمم المتحدة صراحة إلى تحقيقات نزيهة تحدد المسؤولية الجنائية، بما يشمل القيادات العليا، عبر المحاكم السودانية أو القضاء في دول ثالثة أو المحكمة الجنائية الدولية.

وسيكون ملف العنف الجنسي من أكثر الملفات قابلية للتحول إلى صراع حقوقي ممتد، فالانتهاكات الموثقة لا تتعلق بحوادث منفردة، بل بأنماط استخدمت لترهيب السكان وإذلالهم ودفعهم إلى النزوح، بما يفرض لاحقاً مطالب بالتحقيق والملاحقة والتعويض والحماية وإعادة التأهيل، وتحذر الأمم المتحدة من أن الإفلات من العقاب في هذه الجرائم يهدد السلام والتماسك الاجتماعي لسنوات طويلة.

كذلك سيشتد النزاع حول حقوق النازحين والعائدين، خصوصاً الملكية والسكن والأرض واستعادة الوثائق والممتلكات. ومع عودة السكان لمناطق ملوثة بالذخائر والمتفجرات، ستظهر حالة جديدة من المسؤوليات المرتبطة بحماية المدنيين وإزالة آثار الحرب.

وبذلك سيتحول الملف الحقوقي السوداني إلى صراع طويل على الحقيقة والملكية والذاكرة والمسؤولية، وستصبح طريقة حسم هذه الملفات أحد المحددات المباشرة لاحتمال تجدد الحرب أو انحسارها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير