ملخص
من مزحة رقمية غامضة إلى بوابة لمشاهد عنيفة ودموية، تحولت ميمز "فولك فالي" إلى ظاهرة تكشف كيف يمكن للمحتوى الصادم والذكاء الاصطناعي أن يتسللا إلى منصات التواصل بعيداً من رقابة الخوارزميات، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن تعرض الأطفال لمشاهد مروعة تحت غطاء الترفيه.
حصل "معلم تاريخي في لندن" على تقييم بنجمة واحدة على غوغل. أما السبب، فهو أن "القطة ذات القبعة كادت تسلخني حياً".
وأُرفقت مع هذا التقييم السلبي صور منخفضة الجودة وعالية التباين، منها صورة هامستر أسنانه بشرية، وصورة غريبة ومزعجة لشخصية سبونجبوب، وأخرى لشخص يركب لوح تزلج ويحاول أداء حيلة على الدرج فيتكبد إصابة بالغة.
يُفترض أن هذا المعلم يُسمى "فولك فالي"، لكنه ليس مكاناً حقيقياً، أو ليس بالمعنى المتعارف عليه على الأقل.
إن فولك فالي مكان موجود على الإنترنت باعتباره ينتمي إلى عالم الميمز: وهو شيء قد لا يحتاج إلى تعريف. تتخذ الميمز شكل صور ومقاطع فيديو ونصوص يمكن المزج بينها وبين صور أخرى، وإعادة وضعها في سياقات مختلفة. يشارك ثلاثة أرباع الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و36 عاماً الميمز بشكل منتظم. وإذا كنت من جيل الألفية، فإنك تشاهد نحو 25 ميمزاً في اليوم. دونالد ترمب أيضاً ينشرها باستمرار. قد تشاركها في محادثات العمل أو في صفحات الدردشات الجماعية. إنها تضع بين يديك ردود فعل فكاهية مفيدة يمكنك اللجوء إليها عندما يخونك التعبير. لكن عدداً متزايداً من الميمز أصبح يتخطى حدود هذا الوصف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ليس من الصعب كثيراً شرح صيغة ميم "فولك فالي" الرائجة حالياً. فالاسم يشير إلى مكان خيالي ذي أجواء مرعبة، وكل ما عليك فعله هو اختيار مقطع غريب أو مزعج أو طريف، وإضافة وسم موقع يحمل اسم "فولك فالي"، ثم نشره على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. وتنبع الطرافة من المواقف التي تزداد غرابة وخروجاً عن المألوف كلما توالت المقاطع التي يزعم أصحابها أنهم شاهدوها في "فولك فالي".
غالباً ما كانت الميمز الأولى والأكثر بساطة من "فولك فالي" تستخدم المقطع الصوتي نفسه لزقزقة الطيور، في إضفاء إيحاء بمكان عادي ومألوف، قبل أن تتناقض هذه الأجواء مع مشاهد سريالية لأجسام طائرة مجهولة تحلق فوق المدن أو لكيانات غريبة غامضة تركض في الطرق. وكثيراً ما تُعكس ألوان هذه المقاطع باستخدام مرشح سلبي، لتعزيز إحساس الغرابة وعدم الارتياح.
لكن الميمز سرعان ما تتطور، لا سيما تلك التي تنتمي إلى اتجاه أوسع يحظى بشعبية بين الشباب ويُعرف باسم "محتوى العفن الدماغي" (brainrot)، وهو نمط شديد التحرر من القواعد في صناعة الفيديو، يكافئ المحتوى القابل لإعادة المشاهدة وما يتسم به من غرابة وعبث.
لكن حتى الميمز التي لا معنى لها قادرة على التأثير في عالم الواقع. يقول لي جيهانغير، صاحب مطعم كباب في تركيا "استقبلنا العديد من الزبائن الذين زاروا مطاعمنا بعد أن تعرفوا علينا من خلال ميم فولك فالي".
يدير جيهانغير حسابات مطعمه على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد حقق محتواه انتشاراً واسعاً في البداية بفضل مقاطع فيديو من بينها مقطع عن "العم أكبر"، وهو رجل مسن من رواد سلسلة مطاعمه. ويحظى مقطع فيديو واحد على وجه الخصوص، يظهر فيه أكبر فيما يُقدم له وجبة كبيرة تُقطع بسكين ضخم أشبه بالسيف، بـ122 مليون مشاهدة حالياً على إنستغرام. "يتردد أكبر علينا كثيراً؛ وقد أصبح وجهاً محبوباً بين فريقنا وعملائنا".
وقد دخل العم أكبر الآن بطريقة أو بأخرى في عالم "فولك فالي"، وهذا يزيده شعبية أكثر بعد. حتى إن جيهانغير صور مقاطع فيديو تظهر فيها لافتة جديدة كُتب عليها "مطعم ومشاوي فولك فالي"- رغم أنه لا ينوي في الواقع تغيير اسم مطعمه، كما أخبرني.
ويقول جيهانغير عن مقاطع الفيديو "نحن نستمتع ببساطة بهذه الظاهرة ونتسلى بها بينما نتواصل مع الناس في جميع أنحاء العالم".
أما آيدن ووكر، الباحث في ثقافة الإنترنت الذي ألقى محاضرات عن تاريخ الميمز في جامعة برينستون، فيشرح كيف تحول "فولك فالي" إلى ما هو عليه اليوم، قائلاً: "يبدو أنه إعادة توظيف ساخرة لمقاطع الفيديو التي تحظى أصلاً بشعبية، والتي نشرها صاحب المطعم التركي". وهو يشبّه هذه الظاهرة، وثقافة ميمز "العفن الدماغي" عموماً، بنوع من الكولاج الساخر؛ إذ إن صانعي الميمز "يبحثون عن محتوى يحظى بشعبية أصلاً... ثم يحولونه إلى شيء سريالي".
لكن البحث البسيط عن عبارة "فولك فالي" قد يقود أيضاً إلى مقاطع لا تمت إلى الترفيه بصلة. فهناك فيديو مقلوب الاتجاه لمتزلج يسير بسرعة هائلة قبل أن يصطدم بسياج من الأسلاك الشائكة، وقد حصد أكثر من 300 ألف مشاهدة على "إنستغرام". كما حصد العدد نفسه تقريباً من المشاهدات مقطع آخر يظهر فيه رجل يقفز إلى حوض سباحة من شرفة مرتفعة، قبل أن يرتطم بالأرض بدلاً من الماء.
في هذه المقاطع، لا يُعد "فولك فالي" مجرد مزحة تنطوي على شيء من الغرابة، بل مكاناً مروعاً لا يخلو من الألم والرعب، وهذا الميل نحو مقاطع الفيديو الصادمة والعنيفة يندرج بشكل متزايد ضمن نطاق "المحتوى الدموي الصادم" gore (تلفظ "غور")، الذي يزداد تعقيداً بسبب انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي.
تقول بيث ديفيس، الباحثة البارزة في مركز أبحاث وترجمة التطرف العنيف الداخلي التابع لمؤسسة "سي إن إيه" (CNA): "يشمل مصطلح ’المحتوى الدموي الصادم‘ طيفاً واسعاً من المواد البصرية الصادمة والمزعجة والعنيفة، بما فيها مقاطع الفيديو والصور التي تصور إصابات خطرة أو الموت أو أشكالاً أخرى من الأذى الجسدي". ويتدرج هذا المحتوى على نطاق واسع، من المقاطع الأقل ارتباطاً بأيديولوجيا واضحة إلى المواد ذات الدوافع السياسية، مثل عمليات قطع الرؤوس التي تنفذها جماعات إرهابية.
حتى "العم أكبر" نفسه يظهر في مقاطع الفيديو القاتمة هذه التي أنتجت بواسطة الذكاء الاصطناعي. يُبين مقطع فيديو حظي بعدد مشاهدات أقل- وإن كان لا يزال في حدود عشرات الآلاف- نفس المشهد من مقطع جيهانغير المصور، حيث يُستخدم السيف لتقطيع وجبة "أكبر"، قبل أن يتحول الأمر إلى مشهد دموي يُظهر تقطيع الرجل إلى نصفين، كما لو أنه مقتطع من فيلم رعب شديد القسوة.
وفي مقطع آخر على "تيك توك"، تلعب امرأة آسيوية مع كلبها قبل أن ينقض الحيوان فجأة على وجهها، لتسيل الدماء والأنسجة من جرحها. ويتكرر مشهد مشابه في فيديو لامرأة داخل حديقة للحيوانات، حين تُدخل زرافة رأسها عبر نافذة السيارة.
تقول ديفيس: "ما بدأ بمحتوى يركز على أجواء مخيفة ومظلمة، ولكن بطريقة طريفة أو غريبة وغير مألوفة، تحول الآن في المقام الأول إلى العنف". ويربط ذلك الاتجاه بعمل ديفيس وفريق "دي في إي أر تي" (DVERT) على تتبع تأثير ’المحتوى الدموي الصادم‘ عبر الإنترنت. ويرى ووكر أن هذا الانزلاق طبيعي إلى حد كبير، قائلاً: "لطالما كان الغور جزءاً من ثقافة الميمز".
في النهاية، يسبق المحتوى الدموي على الإنترنت ظهور الميمز بأكثر من عقد من الزمن. ولهذا النوع من المحتوى تاريخ طويل على الإنترنت، بدءاً من "المواقع الصادمة" التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مثل Rotten.com وOgrish.com (الذي أعيدت تسميته "لايف ليك" LiveLeak ولا يزال موجوداً حتى اليوم). يعد دخول المواقع الحالية المخصصة للمحتوى الدموي محفوفاً بمخاطر جسيمة، وقد يُعاقب من يشاهد المحتوى الإرهابي بشكل متكرر بالسجن لمدة تصل إلى 15 عاماً. كما ينص "قانون الاتصالات البريطاني للعام 2003" على أحكام تحظر إرسال أي شيء "ذي طابع غير لائق أو فاحش أو فيه تهديد". لكن، على وسائل التواصل الاجتماعي، يقع عبء تنظيم المحتوى على المنصات على عاتق المواقع نفسها.
وتقول ديفيس "تتبع الشركات المختلفة أساليب متباينة إلى حد كبير في إدارة هذا المحتوى"، لكنها تشير إلى دراسة أجرتها جامعة أونتاريو خلصت إلى أن الأطفال يتعرضون لمحتوى عنيف على "يوتيوب" و"تيك توك" و"إنستغرام" و"فيسبوك" بمعدلات كبيرة. وتضيف "من السهل نسبياً العثور على مشاهد دموية على هذه المنصات".
وبصرف النظر عن أن هذا المحتوى يبدو واقعياً للوهلة الأولى في أعين المشاهدين الذين لا يشكون في الأمر، فإنه يكشف عن ثغرات في آليات الحماية التي تعتمدها خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، ويطمس الحدود الفاصلة بين المحتوى الدموي الحقيقي والمزيف.
ويأتي ذلك في وقت أُرغمت فيه شركة "ميتا" تحديداً على دفع تعويضات بقيمة مليار دولار لأنها ألحقت ضرراً بالشباب عبر "إنستغرام" و"فيسبوك"، وذلك في محاكمة تاريخية قد تُجبر الشركة على إجراء تغييرات جذرية في طريقة إدارتها لمنصات التواصل الاجتماعي الشهيرة التي تمتلكها.
لكن العديد من هذه الفيديوهات تظهر على "إنستغرام" و"تيك توك" دون أي تحذير أو حظر، مما يعني أن الأطفال أو غيرهم ممن سمعوا عن هذه الميمز معرضون لخطر مشاهدتها عن طريق الصدفة. وعندما طُرحت على "ميتا" أسئلة حول هذه الظاهرة وقدمت لها أمثلة على المحتوى الحقيقي والمحتوى الذي أنشأه الذكاء الاصطناعي، ردت الشركة قائلة "نقوم بإزالة المحتوى العنيف وإضافة علامات تحذيرية على أنواع أخرى من المحتوى حتى يدرك المستخدمون أنه قد يكون حساساً قبل النقر عليه". وبخصوص المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، أشارت الشركة إلى الإرشادات الموجودة على موقعها الإلكتروني حول كيفية تصنيف محتوى الذكاء الاصطناعي، وهي إرشادات كان آخر تحديث لها منذ ما يقرب من عامين.
أما "تيك توك"، فتقول إنها تقيد المحتوى الصادم غير المناسب للجمهور العام، بحيث لا يظهر هذا المحتوى إلا للبالغين فقط.
لكن ديفيس توضح سبب صعوبة ضبط هذا النوع من المواد على منصات التواصل الاجتماعي، قائلة: "يتيح الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى عنيف بكميات هائلة، مما يجعل من الصعب على شركات التواصل الاجتماعي مواصلة نهجها القائم على ملاحقة المحتوى المخالف واحداً تلو الآخر".
تعد الميمز جزءاً أصيلاً من عالم الإنترنت اليوم، فهي تلعب دوراً رئيساً في تواصل الناس ونشر المعلومات، ويزداد هذا الدور كلما صغرت أعمار المستخدمين. لكن "فولك فالي"، والطريقة الدموية والعنيفة التي تطورت بها، تكشف كيف يمكن لهذه الاتجاهات العابرة أن تنجذب تدريجياً إلى مواد محرمة أو صادمة، وأن تتحول إلى أداة لنشر محتوى مثير للإزعاج تحت ستار المزاح. وهكذا، يصبح المكان الخيالي المليء بالرعب واقعاً أكثر مما قد يتخيل المرء.
© The Independent