ملخص
أهم ما يُحسب لـ"الجواهرجي" أنه يستعيد نوعاً من الكوميديا التي غابت نسبياً عن السينما المصرية خلال الأعوام الأخيرة، وهي الكوميديا الاجتماعية الأسرية، فلا يحتاج الفيلم إلى بطل خارق ولا عصابة ولا مطاردات ضخمة حتى يصنع مفارقاته، ومصدر الأزمة هو البيت نفسه والعلاقة الزوجية والتفاصيل الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى أزمات كبيرة.
لا تكفّ السينما العربية والعالمية عن العودة للزواج، باعتباره من أكثر العلاقات الإنسانية قابلية للدراما والكوميديا في آن واحد، فالبيت الذي يبدأ بالحب والشغف سرعان ما يتحول في كثير من الأفلام إلى ساحة للخلاف وسوء الفهم والغيرة والملل، وكأن الانهيار الأسري أصبح مادة جاهزة للضحك، وربما خوفاً من ثقل هذه القضايا وحساسيتها يتعمّد صناع السينما تقديمها في صورة ساخرة وخفيفة، لكن الضحك لا يعني دائماً أن المشكلة بسيطة ولا أن نتائجها مبهجة.
من هذه المنطقة يدخل فيلم "الجواهرجي" إلى السينما المصرية مستعيداً نوعاً من الأفلام الاجتماعية الأسرية التي تراجعت نسبياً خلال الأعوام الأخيرة، في محاولة لمخاطبة جمهور أوسع من الشرائح التي اعتادت عليها دور العرض المصرية والعربية أخيراً، خصوصاً الشباب الباحث عن "الأكشن" والكوميديا والجريمة والرومانسية.
يراهن الفيلم على حكاية يمكن للزوج والزوجة والأسرة أن يجدوا أنفسهم داخل تفاصيلها، وعلى نجمين يمتلكان رصيداً هائلاً لدى الجمهور، وعلى كوميديا تنطلق من البيت لا من المطاردات والعصابات والمغامرات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية، هل استطاع "الجواهرجي" أن يقدم معالجة جديدة لأزمة قديمة، أم أنه أعاد تدوير واحدة من أكثر الأفكار استهلاكاً في السينما، وهي الملل الزوجي؟
أزمة قديمة في قالب يبدو جديداً
تدور الأحداث حول عمرو وياسمين، زوجان يعانيان الملل بعد أعوام من الزواج والوصول إلى مرحلة متقدمة من الخلافات انتهت إلى الطلاق مرتين، بينما يقفان على حافة الطلاق الثالث، وفي محاولة لإنقاذ العلاقة من الانهيار النهائي، يلجأ الطرفان إلى خبير في العلاقات الزوجية، يرسم لهما طرقاً جديدة للتعامل مع بعضهما بعضاً وكسر دائرة الملل، لتتحول التجارب التي يخوضانها إلى سلسلة من المفارقات والمواقف الكوميدية.
الفكرة في ظاهرها براقة وقريبة من الجمهور، لكنها في الحقيقة ليست جديدة، فالملل الزوجي والخلافات التي تبدأ صغيرة ثم تتحول إلى أزمات كبرى موضوع تناولته عشرات الأفلام والأعمال الدرامية، عربياً وعالمياً، بالتالي فإن رهان "الجواهرجي" لم يكُن في اكتشاف المشكلة، إنما في الطريقة التي سيعيد بها تقديمها.
ويزيد من صعوبة هذا الرهان أن الفيلم ظل حبيس العلب نحو ستة أعوام، قبل أن يصل أخيراً إلى الجمهور، مما يجعل الحكاية التي كانت قابلة لأن تبدو معاصرة وقت كتابتها، تدخل الشاشة بعد سنوات في مواجهة زمن تغيّرت خلاله طبيعة العلاقات ومشكلات الأسر ووتيرة الحياة نفسها، ومع ذلك ينجح السيناريو الذي كتبه عمر طاهر في اختيار مدخل ذكي نسبياً إلى الحكاية، حين يجعل البطل الذي قام بدوره محمد هنيدي جواهرجياً يعرف جيداً قيمة المعادن والأحجار النفيسة، ويمتلك القدرة على التمييز بين ما يلمع فعلاً وما يستحق البقاء.
والمفارقة هنا واضحة وذكية، فالرجل الذي يعرف كيف يختار أغلى الأحجار ويقدر قيمتها، يعجز عن تقدير قيمة زوجته وحياته الأسرية، وهو يعرف قيمة الأشياء حين تكون معروضة أمامه في متجره، لكنه يفشل في رؤية قيمة ما يملكه داخل بيته.
أهم ما يُحسب لـ"الجواهرجي" أنه يستعيد نوعاً من الكوميديا التي غابت نسبياً عن السينما المصرية خلال الأعوام الأخيرة، وهي الكوميديا الاجتماعية الأسرية، فلا يحتاج الفيلم إلى بطل خارق ولا عصابة ولا مطاردات ضخمة حتى يصنع مفارقاته، ومصدر الأزمة هو البيت نفسه والعلاقة الزوجية والتفاصيل الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى أزمات كبيرة.
هنا تحديداً تكمن قابلية الفكرة للتواصل مع الجمهور العربي، فالزواج في مجتمعاتنا ليس علاقة بين شخصين فقط، إنما مؤسسة اجتماعية كاملة تتداخل فيها العائلة والغيرة والمال والعمل والأبناء والصورة الاجتماعية وتوقعات كل طرف من الآخر. وكل هذه التفاصيل تمنح الفيلم أرضية خصبة للكوميديا، لكن امتلاك الفكرة لا يعني بالضرورة امتلاك الكوميديا.
وعبر شريط الفيلم وتصاعد الأحداث، تعثر "الجواهرجي" في بعض المناطق وبدا أنه يعرف أحياناً أين يريد أن يذهب، لكنه في أوقات أخرى يبدو وكأنه يطارد الضحكة بدلاً من أن يترك الموقف يصنعها تلقائياً، وليس غريباً في بعض الأعمال أن تبدو بعض الأفكار جيدة على الورق، لكنها لا تصل بالقوة نفسها إلى الشاشة، مما يفسر عدم تناسب مستوى الضحك أو قدرته في أن يكون موازياً لحجم الأسماء الموجودة أمام الكاميرا.
محاولة لاستعادة روح التسعينيات
الجمع بين محمد هنيدي ومنى زكي بعد غياب فني طويل يقارب 28 عاماً منذ "صعيدي في الجامعة الأميركية" كان أكبر وأهم رهانات الفيلم، وتوقع بعضهم أن يتحول هذا اللقاء إلى محاولة لاستعادة روح التسعينيات، أو استثمار حنين الجمهور إلى الثنائي القديم. لكن اللافت أن النجمين لم يقعا في هذا الفخ، ولم يحاولا استحضار الشخصيات القديمة، أو يقدما نسخة جديدة من هنيدي ومنى خلال التسعينيات، إنما قدما شخصيتين ناضجتين لرجل وامرأة تزوجا واختلفا وتراكمت بينهما الخلافات وفقدا جزءاً من الشغف الذي جمعهما في البداية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نجح هنيدي في أن يقدم شخصية عمرو البرقوقي بمزيج من السذاجة الظاهرية والدهاء الكوميدي، من دون الاعتماد الكامل على صورته التقليدية بطلاً كوميدياً، ومنحه تشابك الشخصية مساحة للعب على منطقة الرجل الذي يورّط نفسه، ثم يحاول الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، وهي منطقة تنبع فيها الكوميديا من الموقف نفسه، قبل أن تضيف إليها خبرة هنيدي جاذبية خاصة وحضور كالبصمة لا يتشابه مع أحد.
أما منى زكي، فهي واحدة من أفضل عناصر الفيلم لأنها لم تتعامل مع الكوميديا باعتبارها مجرد إلقاء لـ"إفيه"، ولم تقدم ياسمين بوصفها الزوجة التي تنتظر رداً ساخراً على كلام زوجها، بل منحت الشخصية قدراً من الغضب والعتاب والقوة، لتصبح زوجة حقيقية لها مشاعرها وحاجاتها، وليست مجرد الطرف الآخر في النكتة، وهذه نقطة مهمة، لأن الفيلم كان يمكن بسهولة أن يقع في فخ تحميل الزوجة مسؤولية النكد، أو تقديم الزوج باعتباره ضحية لزوجة لا تتوقف عن الشكوى، لكنه حاول النظر إلى الأزمة على أنها مسؤولية مشتركة.
يأتي أحمد السعدني في دور مستشار العلاقات الزوجية بطاقة تمثيلية مناسبة لطبيعة الفيلم، إذ يقف بين جدية الخبير وفوضى الزوجين، ويمنح مساحة جديدة للمفارقة، لكن الشخصية نفسها كان يمكن أن تكون أكثر تعقيداً، خصوصاً أن وجودها ليس مجرد أداة لتحريك الأحداث، بل يفترض أن يكون بوابة الفيلم إلى فهم أعمق للأزمة.
وتضيف لبلبة وتارا عماد وباسم سمرة وعارفة عبد الرسول وغيرهم تنوعاً في الشخصيات والمواقف، لكن الفيلم يبدو في بعض اللحظات مزدحماً بالشخصيات أكثر مما يحتاج إليه، خصوصاً حين تأتي بعض المسارات الجانبية على حساب التركيز على العلاقة الأساسية بين عمرو وياسمين.
نجح الفيلم في خلق حال فنية وإنسانية جيدة، لكنه أخفق أحياناً في بعض النقاط، وبدت كأنها مستهلكة وغير جديرة بإحداث إبهار درامي أو كوميدي مثل مغامرات الزوجين لكسر الملل بحسب إرشادات المعالج النفسي، فنصحهما مرة بشرب الكحول فغابا عن الوعي ووجدا بعضهما في ملهى ليلي، وكذلك عندما ارتدى الزوج ملابس "سوبرمان" لإبهار زوجته وربط يديه بـ"كلبشات" في الفراش.
وعلى رغم السلبيات قدّم العمل تشخيص أزمة الزواج، لكن من دون توفير حل أو علاج حقيقي لها، فالفيلم يقول بوضوح إن العلاقات لا تنهار بالضرورة بسبب أزمة واحدة، إنما بسبب تراكمات صغيرة مثل عدم الاستماع والملل وسوء الفهم والغيرة والخيانة وتكرار الخلاف بالطريقة نفسها، لكن عندما يصل إلى منطقة العلاج، يتحول خبير العلاقات الزوجية وتمارينه إلى مادة للمفارقات الكوميدية أكثر من كونها رحلة حقيقية لاكتشاف جذور الأزمة.
لهذا فإن "الجواهرجي" يضحك على أزمة الزواج أكثر مما يحللها، وهذه ليست بالضرورة نقطة ضعف، لكنها تجعل الفيلم أقل عمقاً مما كانت فكرته تسمح به. ويقف الفيلم في منطقة وسطى، فهو ليس فيلماً عن العلاج النفسي والعلاقات الزوجية بالمعنى الدقيق، كما أنه ليس كوميديا خالصة منفصلة عن الواقع، إنه كوميديا اجتماعية تريد أن تقول شيئاً عن الزواج، لكنها تتراجع أحياناً قبل أن تقول كل ما لديها، حتى لا تخسر الضحكة.