ملخص
حذر اقتصاديون ومستثمرون من أن بريطانيا تواجه أزمة متنامية في ماليتها العامة، مع ارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع ثقة الأسواق، وسط ضغوط على حكومة آندي بيرنهام لسد فجوة الموازنة.
تواجه بريطانيا ضغوطاً اقتصادية ومالية متزايدة، بعدما دفعت موجة بيع في أسواق السندات كلفة الاقتراض الحكومي إلى مستويات مرتفعة، فيما حذر اقتصاديون ومستثمرون من أن فقدان الثقة في قدرة الحكومة على إدارة الدين والعجز قد يضع البلاد في مسار أكثر خطورة.
وفي خضم الجدل حول موازنة الحكومة المقبلة، وجه الاقتصادي الأميركي البارز آرثر لافر تحذيراً شديد اللهجة إلى رئيس الوزراء آندي بيرنهام من اللجوء إلى زيادات ضريبية جديدة، معتبراً أن بريطانيا "تفرض الضرائب على نفسها حتى الموت".
وقال لافر، الذي يعد من أبرز الاقتصاديين الأميركيين وعمل مستشاراً لثلاثة رؤساء أميركيين، إن الاقتصاد البريطاني يعاني ضعف النمو وتراجع الازدهار، محذراً من أن فرض مزيد من الضرائب لن يعالج المشكلة، بل قد يزيدها تعقيداً.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه بيرنهام ووزير الخزانة جون هيلي ضغوطاً متزايدة من الأسواق لإثبات قدرة الحكومة على السيطرة على الدين العام والعجز المالي، بعد ارتفاع حاد في عوائد السندات الحكومية البريطانية.
"دوامة موت"
قبل زيارة إلى لندن، قال آرثر لافر لصحيفة "التلغراف" إن رغبته تتمثل في رؤية بريطانيا تستعيد ازدهارها، لكنه أبدى تشاؤماً حيال المسار الاقتصادي الحالي.
وقال إن السجل الاقتصادي البريطاني لا يشير إلى سياسات ناجحة، بل يعكس ما يحدث عندما يدخل الاقتصاد في "دوامة موت"، في إشارة إلى حلقة من ضعف النمو وارتفاع الضرائب وتراجع الثقة.
ويشتهر لافر بنظريته الاقتصادية المعروفة باسم "منحنى لافر"، التي تفترض أن رفع معدلات الضرائب إلى مستويات مرتفعة جداً قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض الإيرادات الضريبية بدلاً من زيادتها، نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي والاستثمار والعمل.
وقال إن المشكلة الأساسية في بريطانيا ليست نقص الإيرادات الحكومية، بل ضعف النمو والازدهار. وأضاف أن الاقتصادات لا تصبح أكثر ازدهاراً من خلال فرض مزيد من الضرائب، محذراً من أن استمرار الحكومة في زيادة الأعباء الضريبية قد يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد.
وتأتي تصريحاته في توقيت حساس، إذ تستعد الحكومة لعرض موازنة جديدة الشهر المقبل، وسط توقعات بأن تحتاج إلى اتخاذ إجراءات مالية بمليارات الجنيهات للحفاظ على هامش الأمان ضمن قواعدها المالية.
كلفة الاقتراض تقفز
تزايدت المخاوف خلال الأيام الماضية بعد ارتفاع عوائد السندات الحكومية البريطانية بصورة حادة.
وقفزت الفائدة التي يطالب بها المستثمرون لإقراض الحكومة البريطانية لمدة 10 أعوام لفترة وجيزة إلى أعلى مستوى منذ أغسطس (آب) 2007، في إطار موجة بيع عالمية في أسواق السندات.
لكن ارتفاع كلفة الاقتراض في بريطانيا كان أشد من عدد كبير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى، مما أثار تساؤلات حول ثقة المستثمرين في الوضع المالي للحكومة.
وتشير عوائد السندات المرتفعة إلى أن المستثمرين يطالبون بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الحكومي، وعندما ترتفع العوائد، تنخفض أسعار السندات، كما ترتفع كلفة الاقتراض بالنسبة إلى الحكومة.
وتشكل هذه التطورات مشكلة خاصة لبريطانيا بسبب حجم الدين العام والحاجة المستمرة إلى إعادة تمويل سندات قديمة بأسعار فائدة جديدة.
وينعكس ارتفاع أسعار الفائدة تدرجاً على كلفة خدمة الدين، مما يعني أن جزءاً أكبر من الموازنة الحكومية قد يذهب إلى دفع الفوائد بدلاً من تمويل الخدمات العامة أو الاستثمار.
فقدان "الصدقية الاقتصادية"
من بين أبرز التحذيرات، جاءت تصريحات كبير مستشاري شركة إدارة الاستثمارات العالمية "بيمكو" في بريطانيا، روبرت هاريسون، الذي قال إن المملكة المتحدة تدفع "علاوة" بسبب ما وصفه بتراجع الثقة في صدقيتها الاقتصادية والمالية.
وتدير "بيمكو" أصولاً تتجاوز قيمتها تريليوني دولار، مما يجعل موقفها مهماً بالنسبة إلى الأسواق.
وقال هاريسون إن بريطانيا تأثرت بالاتجاه العالمي نحو ارتفاع كلفة الاقتراض، لكنها تعاني أيضاً كلفة اقتراض أعلى من معظم الاقتصادات المتقدمة منذ فترة. ورأى أن الفشل في السيطرة بصورة كاملة على التضخم، إلى جانب استمرار مستويات الاقتراض المرتفعة، أسهما في وضع المالية العامة البريطانية تحت ضغوط متزايدة.
وتخشى الأسواق من أن تضطر الحكومة إلى الاختيار بين خيارات صعبة، تشمل خفض الإنفاق العام أو زيادة الضرائب أو السماح بارتفاع الاقتراض.
وحتى الآن، لم يستبعد بيرنهام فرض ضرائب جديدة أو زيادة الاقتراض، وهو ما يثير قلق المستثمرين الذين يطالبون بخطة واضحة لضبط المالية العامة.
بريطانيا الأكثر عرضة لأزمة ديون
بدوره، حذر الاقتصادي الأميركي والأستاذ في جامعة هارفارد، كينيث روغوف، الذي شغل سابقاً منصب كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، من أن بريطانيا أصبحت من أكثر الاقتصادات المتقدمة عرضة لأزمة ديون. وقال روغوف للصحيفة إن بريطانيا والولايات المتحدة قد تكونان الأكثر هشاشة بين الاقتصادات الكبرى، لكنه عد الوضع البريطاني أكثر عرضة للأخطار.
ويعود ذلك، بحسب تحليله، إلى اجتماع ثلاثة عوامل رئيسة: ارتفاع الدين، وارتفاع أسعار الفائدة، وضعف النمو الاقتصادي، وقال إن غياب قصة نمو واضحة في بريطانيا يزيد صعوبة معالجة المشكلة، فعندما يكون الاقتصاد قادراً على النمو بسرعة، يمكن أن يساعد ارتفاع الناتج المحلي في تخفيف عبء الدين كنسبة من الاقتصاد. أما في حال النمو الضعيف، فإن الدين قد يستمر في الارتفاع بينما تصبح خدمة هذا الدين أكثر كلفة.
وحذر روغوف من أن الأزمات المالية غالباً ما تنشأ عندما تجتمع مستويات دين مرتفعة مع فوائد مرتفعة وحال من الجمود السياسي. وأضاف أن إحدى الأدوات التي قد تلجأ إليها الدول في حال تفاقم أزمة الديون هي طلب المشورة أو المساعدة من صندوق النقد الدولي.
هامش الموازنة يتآكل
تتمثل إحدى المشكلات الأساسية أمام الحكومة في تراجع ما يعرف بـ"الهامش المالي"، وهو مقدار المساحة المتاحة للحكومة قبل أن تخالف قواعدها المالية.
وكانت وزيرة الخزانة السابقة راشيل ريفز تمتلك هامشاً يقدر بنحو 23.6 مليار جنيه استرليني (32 مليار دولار) مقابل الأهداف المالية الحكومية عند الإعلان الاقتصادي في الربيع، لكن ارتفاع عوائد السندات والتضخم الناتج من الحرب في إيران أدى إلى تآكل هذا الهامش.
ورأى رئيس الأبحاث في وكالة "موديز أناليتيكس"، كولين إليس، أن التطورات الأخيرة قد تعني عملياً عدم وجود هامش حقيقي متبقٍ عندما يقدم وزير الخزانة موازنته. وحذر من أن تجاهل تراجع الهامش المالي قد يرسل إشارة سلبية قوية إلى الأسواق.
وتراقب أسواق السندات من كثب قدرة الحكومات على الالتزام بقواعدها المالية، وإذا اعتقد المستثمرون أن الحكومة غير قادرة على السيطرة على العجز، فقد يطالبون بعوائد أعلى، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع كلفة الاقتراض ويزيد الضغوط على الموازنة، في حلقة قد تصبح صعبة الكسر.
النمو في قلب استراتيجية الحكومة
في مواجهة هذه التحذيرات، من المقرر أن يقدم وزير الخزانة جون هيلي خطاباً يحدد فيه رؤية الحكومة للنمو، ومن المتوقع أن يؤكد أن تشجيع الشركات الخاصة على تكوين الثروة يمثل عنصراً أساساً لتحقيق النمو الاقتصادي.
وسيشدد على أن النمو لا يمكن أن يتحقق من دون استقرار مالي، ويرى أن وجود هامش مالي ضروري لحماية الاقتصاد من الصدمات غير المتوقعة، خصوصاً في ظل حال عدم اليقين العالمية.
وقالت مصادر في وزارة الخزانة للصحيفة إن الحكومة ستعرض خطة لتحقيق نمو اقتصادي في مختلف أنحاء البلاد.
وتشير الحكومة أيضاً إلى أن بريطانيا حققت أسرع نمو بين اقتصادات مجموعة السبع خلال العام الحالي.
لكن المنتقدين يرون أن النمو الحالي لا يزال غير كافٍ لمعالجة المشكلات الهيكلية في الاقتصاد، بما في ذلك ارتفاع الدين العام وضعف الإنتاجية والضغوط على المالية العامة.
خفض الإنفاق أم زيادة الضرائب؟
تواجه حكومة بيرنهام معضلة سياسية واقتصادية صعبة، فالمستثمرون يدعون إلى خفض الإنفاق العام لسد الفجوة في الموازنة، بينما يؤدي أي خفض كبير إلى أخطار سياسية واجتماعية.
وفي المقابل، قد توفر زيادة الضرائب إيرادات إضافية للحكومة، لكنها قد تضعف الاستهلاك والاستثمار والنمو، وهنا يأتي تحذير آرثر لافر، الذي يرى أن الاعتماد على الضرائب لمعالجة المشكلات المالية يمثل سياسة خاطئة.
ورأى أن الحل الحقيقي يجب أن يركز على زيادة النمو والازدهار بدلاً من محاولة جمع مزيد من الأموال من الاقتصاد، لكن تحقيق نمو قوي يتطلب وقتاً، في حين تحتاج الحكومة إلى اتخاذ قرارات فورية في شأن الموازنة. وحذر وزير الخزانة السابق جيريمي هانت من خطورة تجاهل إشارات أسواق السندات، وقال إن المستثمرين يشعرون بالقلق من التزامات الإنفاق غير الممولة لحكومات حزب العمال، تماماً كما يشعرون بالقلق من الخفوض الضريبية غير الممولة التي قد تقترحها الحكومات المحافظة، وأكد أن العبث بثقة أسواق السندات يحمل أخطاراً كبيرة.
المستثمرون يراقبون
من جهتها، قالت مديرة معهد الدراسات المالية هيلين ميلر إن حكومة حزب العمال نجحت في خفض مستويات الدين بصورة طفيفة، لكنها حذرت من ضرورة الحفاظ على ثقة المستثمرين. وأضافت أن لدى الحكومة خطة طموحة لخفض الاقتراض، لكن المستثمرين يتساءلون عن مدى صدقية هذه الخطة.
ويتركز جزء من المخاوف حول قدرة الحكومة على الالتزام بخطط إنفاق صارمة قبل الانتخابات المقبلة.
وقال رئيس أسواق رأس المال في شركة "ستاندرد لايف"، نيل فالكونر، إن المستثمرين سيراقبون بصورة دقيقة الهامش المالي وخطط الإنفاق ومتطلبات الاقتراض.
ويزداد هذا الاهتمام في ظل توقعات باستمرار التقلبات في أسواق أسعار الفائدة البريطانية.
أما رئيس الاستثمارات المتعددة الأصول في شركة "راثبونز"، ديفيد كومبس، فقال إن الشركة لن تشتري الدين الحكومي البريطاني ما لم تصدر الحكومة قرارات سياسية واضحة لمعالجة العجز أو تقدم إجراءات مقنعة في الموازنة لتعزيز النمو.
هل تمثل السندات فرصة؟
على رغم الصورة القاتمة، لا يرى جميع المستثمرين في ارتفاع عوائد السندات خطراً فقط، فارتفاع العوائد يعني أيضاً أن السندات أصبحت أرخص، والعائد الذي يحصل عليه المستثمر أصبح أعلى مقارنة بالفترة التي كانت فيها أسعار الفائدة منخفضة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتنخفض أسعار السندات عندما ترتفع عوائدها، وهو ما قد يخلق فرصاً للمستثمرين الذين يرون أن العوائد وصلت إلى مستويات جذابة.
وقالت مديرة المحافظ الاستثمارية في شركة "جانوس هندرسون"، هيلين أنتوني، إن الشركة لا تزال ترى قيمة في السندات الحكومية البريطانية. وأضافت أن الشركة تراهن حالياً على أن أداء أسعار الفائدة البريطانية قد يتحسن مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى حتى نهاية العام.
ويعكس هذا الانقسام بين المستثمرين طبيعة المرحلة الحالية، فالبعض يرى أن ارتفاع العوائد مؤشر إلى أزمة ثقة حقيقية في المالية العامة البريطانية، بينما يرى آخرون أن الأسواق ربما بالغت في رد فعلها وأن العوائد المرتفعة أصبحت توفر فرصة استثمارية.
اختبار حاسم للموازنة
تتجه الأنظار الآن إلى موازنة الشهر المقبل، التي ستكون اختباراً مهماً لحكومة بيرنهام، فالحكومة تحتاج إلى طمأنة المستثمرين بأنها قادرة على السيطرة على الاقتراض والدين، من دون خنق الاقتصاد أو تقويض النمو.
وسيكون عليها أيضاً التعامل مع تحذيرات الاقتصاديين من أن مزيداً من الضرائب قد يزيد الضغوط على الشركات والأسر.
ويبدو أن رسالة الأسواق واضحة: الصدقية المالية أصبحت عنصراً أساساً في تحديد كلفة الاقتراض، أما رسالة آرثر لافر، فهي أن بريطانيا يجب ألا تعتمد على زيادة الضرائب باعتبارها الحل الرئيس لمشكلاتها.
وبين الحاجة إلى الاستقرار المالي ومتطلبات النمو، تواجه الحكومة واحداً من أصعب اختبارات السياسة الاقتصادية، فالقرار الذي ستتخذه في الموازنة لن يحدد فقط حجم الضرائب أو الإنفاق في العام المقبل، بل قد يحدد أيضاً مدى استمرار ثقة المستثمرين في قدرة بريطانيا على إدارة اقتصاد مثقل بالدين، وكلفة اقتراض مرتفعة، ونمو لا يزال بعيداً من المستوى المطلوب لاستعادة الازدهار.