روسيا وأفريقيا... هل من مسارات جديدة؟

موسكو تتشابك مع ملفات عدة... من أزمة سدّ النهضة إلى اتفاق سلام جنوب السودان

أضحت القارة الأفريقية هدفاً بارزاً في إطار تجديد روسيا لاستراتيجيتها حول العالم ومجابهة النفوذ الأميركي (رويترز)

تنعقد القمة الروسية الأفريقية في سوتشي وسط ترقب دولي وإقليمي، فهذه القمة تؤكد بلا شك تصاعد الدور الدولي الروسي على نطاق أوسع مما يجري في الشرق الأوسط، وتؤشر إلى متغيرات جديدة على الصعيد الأفريقي، لا بد وأن تؤثر على طبيعة النفوذ الغربي بشكل عام، الأميركي خصوصا، فيما يتعلق بتحالفات المصالح الاقتصادية، في توقيت دقيق تسعى فيه القارة نحو الاستفادة بشكل أفضل من مواردها الأولية عبر التصنيع، وهو ما لم يساعد الغرب فيه واكتفى تاريخيا بنزح الثروات الأفريقية، مرة باستعمار عسكري مباشر، وأخرى بآلية الشركات متعددة الجنسيات.

وبطبيعة الحال لا تبدأ روسيا علاقتها مع أفريقيا من الصفر، ولكنها تستفيد بلا شك من تراث علاقات إمبراطورية الاتحاد السوفييتي السابق بدول القارة، وهي العلاقات التي احتلت فيها مصر موقعا بارزا، حيث ساعد الاتحاد السوفييتي مصر في بناء السد العالي، وكذلك في بناء قاعدتها التصنيعية الكبرى في ستينيات القرن العشرين، كما ساند الاتحاد السوفييتي القاهرة في القيام بدورها في مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الغربي. وربما هذا التراث هو ما يفسر مقولة بوتين إن القمة الروسية الأفريقية هي برئاسة مشتركة بينه وبين الرئيس السيسي، باعتبار أن مصر رئيس للاتحاد الأفريقي هذا العام.

وقد سبق انعقاد القمة الروسية الأفريقية تأطير روسيا للعلاقات مع أفريقيا، حيث أضحت أفريقيا هدفاً بارزاً في إطار تجديد روسيا لاستراتيجيتها حول العالم، بخاصة في ظل تعاظم تأثيرها على الصعيد الدولي، حيث نصّت وثيقة السياسة الخارجيَّة للاتحاد الروسي، التي وقَّعها الرئيس بوتين في 2016، على أن روسيا ستتوسَّع في علاقاتها مع دول قارَّة أفريقيا في مختلف المجالات؛ سواء على المستوى الثنائيّ، أو المستوى الجماعيّ؛ وذلك من خلال تحسين الحوار السياسي، وتكثيف التعاون الشامل؛ السياسيّ، والتجاريّ والاقتصاديّ، والعسكريّ والفنيّ، وفي مجال التعاون الأمنيّ، وكذلك التعاون في الشأن الإنسانيّ والتعليميّ، بما يخدم المصالح المشتركة، فضلاً عن الإسهام في تسوية الصراعات والأزمات الإقليميَّة، كما أن تعزيز علاقات الشراكة مع الاتحاد الأفريقي هو بمثابة عنصر مهمّ في السياسة الروسية إزاء أفريقيا.

وقد أطلقت روسيا في عام 2015 المنتدى الروسيّ الأفريقي "The Russian-African Forum" بهدف تأسيس علاقات سياسيَّة واقتصاديَّة وتجارية جديدة بين الطرفين، كما تسعى روسيا إلى التفاعل مع القضايا الأفريقية على الصعيد الدولي، ومنها الدعوة الأفريقية إلى إصلاح الأمم المتحدة، وأحقية حصول القارة السمراء على مقعد أفريقي في مجلس الأمن الدولي، لكي تُعزّز من وجودها.

الدول المشاطئة للبحر الأحمر من أهم نقاط ارتكاز السياسيات الروسية في أفريقيا، كما تعتبر مصر في مقدمة الدول التي تهتم بها روسيا في منطقة شمال أفريقيا، حيث عملت موسكو على دعم علاقتها مع القاهرة من خلال إبرام عقود وصفقات أسلحة، والاتفاق على إنشاء مفاعل الضبعة النووي، ودعم العلاقات الثنائية على الصعد العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها. كما تتشارك كل من موسكو والقاهرة الرأي حول عدد من القضايا الإقليمية، أهمها المسألة السورية.

وتعتبر موسكو القاهرة البوابة الحقيقية لتمدد النفوذ الروسي نحو أفريقيا جنوب الصحراء، وبخاصة نحو السودان، من خلال الرغبة الروسية في الحصول على صفقات التنقيب عن المواد الخام والثروات الطبيعية هناك. أما فيما يخصّ دول القرن الأفريقي، فإن مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم من أهم المداخل الروسية في هذه المنطقة، حيث تلعب روسيا دوراً نشطاً في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا، وتشارك قوات روسيَّة في حفظ السلام في دول إريتريا، وإثيوبيا، والسودان، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى كوت ديفوار وليبيريا، والصحراء الغربية.

ويتجاوز حجم الجنود الروس المشاركين في تلك العمليات حجم نظرائهم من دول فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن الترحيب الروسيّ بتسوية الخلافات والصراعات الإقليمية الراهنة في منطقة القرن الأفريقي، بما يعزّز استقرار وأمن المنطقة.

كما تستخدم روسيا التجارة في السلاح كمدخل مهم لتوسيع شراكاتها في المنطقة، وتعميق العلاقات السياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة مع دول المنطقة، فقد باعت شركة "Rosoboron Export" خلال الفترة من 2011- 2013 أكثر من 12 طائرة هليكوبتر هجومية من طراز Mi-24، وطائرات نقل هليكوبتر Mi-814، للحكومة السودانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد اعتمدت روسيا أيضا سياسة تخفيض عبء الديون عن قارة أفريقيا؛ حيث ألغت ديونا بقيمة 20 مليار دولار في عام 2012، إضافة إلى 16 مليار دولار تم إسقاطها عن كاهل الأفارقة في عام 2008. كما خفَّضتْ عبء الديون لعدد من دول القرن الأفريقي، مثل إثيوبيا في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، في الوقت الذي قدّمت فيه مساعدات إنسانية لبلدان المنطقة، مثل إثيوبيا والصومال، بما يشكل تطوراً إيجابياً في مسار العلاقات الروسية مع هذه الدول.

وقد حققت روسيا اختراقا مهما على الساحة الأفريقية، حينما استطاعت أن تحصل على موافقة أممية بتسليم الأسلحة لأفريقيا الوسطى عام 2017، وتدريب جنودها على استخدامها، والتي يفرض عليها حظر أممي منذ 2013 بسبب النزاع المسلح بين الطوائف، وذلك في ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام. في هذا السياق تمت الاستجابة لطلب من رئيس أفريقيا الوسطى بالحصول على الأسلحة، ولذا قامت روسيا بتسليم أسلحة خفيفة وقوات للتدريب في يناير (كانون الثاني) 2018، وكذلك عقدت صفقة أسلحة أخرى في أغسطس (آب) 2018.

لم تكتفِ روسيا بالأسلحة فقط، حيث أصدرت مجلة "أتلانتك" الأميركية تقريرا يشير إلى وصول 170 مستشارا مدنيا واعتبارهم من قوات شركة عسكرية خاصة "فاغنر"، وذلك لتدريب القوات الحكومية، كما تمت الإشارة إلى ظهور 500 آخرين من مقاتلي "فاغنر" على حدود السودان- جمهورية أفريقيا الوسطى، فضلا عن توفير قوات خاصة لتأمين فوستين ارشانج تواديرا، رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، كما تمت الإشارة إلى ظهور  شركة عسكرية أخرى تسمى باتريوت، والتي يبدو أنها تمتلك صلات جيدة بمسؤولي وزارة الدفاع وتقدم أجوراً عالية تصل إلى مليون روبل في الشهر، الأمر الذي يزيد من احتمالية استمرار الوجود في أفريقيا الوسطى والانتشار في مزيد من الدول الأفريقية.

وقد أسهمت روسيا بشكل أساسي في إدارة اتفاق السلام بأفريقيا الوسطى تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وبتسهيلات واضحة من السودان منذ يوليو (تموز) 2017، وأتى توقيع الاتفاق في أغسطس 2018، وذلك بإدارة مفاوضات بين الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى، والحركة الوطنية لأفريقيا الوسطى، وحركة الأنتي بلانكا، والوحدة من أجل سلام أفريقيا الوسطى. وتبع ذلك تعزيز التعاون في مجال التعليم، والتبرعات الروسية  في بناء المستشفيات وتوفير قوات خاصة لتأمينها ومراقبة توصيل مواد البناء لاستكمال العديد من المستشفيات.

وفي هذا السياق، يعتبر الحصول على الذهب والماس واليورانيوم من أهم الدوافع الرئيسة لروسيا بشأن الوجود في أفريقيا الوسطى، حيث تعتبر دولة غنية بهذه الموارد، كما عبّرت روسيا عن ذلك بشكل صريح، حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب لقائه رئيس أفريقيا الوسطى في مايو (أيار) 2018، عن سعي بلاده لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وفي نفس السياق، تلعب المراكز الثقافية الروسية للعلوم والثقافة دوراً في تعزيز الوجود الروسي في المنطقة، حيث تعمل بشكل مثمر في إثيوبيا، إلى جانب تنزانيا والكونغو وزامبيا، كما تقدم روسيا المنح والتدريب للطلبة الأفارقة في الجامعات الروسية، ففي عام 2017 درس أكثر من 1800 شاب أفريقي في روسيا، وبشكل عام، هناك 15 ألف شاب أفريقي يدرسون في روسيا منهم 4000 في مِنَح دراسية مُمَوَّلَة من الحكومة الروسية.

وقد تزامن هذا الوجود الروسي مع دراسة البنتاغون لانسحاب القوات الأميركية من أفريقيا، وهو ما يعتبر امتدادا لاستراتيجية الجيش الأميركي توافقا مع استراتيجية الأمن القومي لإدارة الرئيس دونالد ترمب، للتركيز على مواجهة التهديدات المتنامية من روسيا والصين، وتعرض القوات الأميركية للخطر في أفريقيا، وبخاصة في النيجر، وهو ما يعزز من فرص الحضور الروسي، من خلال تقديم نفسها كشريك جديد لأفريقيا، وبخاصة في ظل وجود صورة ذهنية إيجابية للاتحاد السوفييتي، الذي تلقّى فيه العديد من المسؤولين الأفارقة تعليمهم.

وسوف تشهد الساحة الأفريقية درجة ما من التنسيق الروسي الصيني تعزز تحالفاتهما السياسية في القضايا الدولية، وتساعدهما كقطبين أصبحا مؤثرين في التفاعلات الدولية.

أما على الصعيد الأفريقي، فإنه من المتوقع أن يبلور القادة الأفارقة رؤيتهم في المنتدى الاقتصادي الذي يعقد على هامش القمة الروسية الأفريقية، خصوصا على صعيد إلغاء ديون الاتحاد السوفييتي القديمة على بعض الدول الأفريقية، ودعم الجيوش الأفريقية الوطنية على المستوى التسليحي والتكنولوجي، وهي المهام التي فشل فيها الغرب في وقت تواجه مؤسسة الدولة الوطنية الأفريقية تهديدات وجودية.

أما على مستوى الأزمات الأفريقية، فربما يكون هناك إسهام روسي في أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، كما أنه من المتوقع أن يكون هناك دعم روسي لاتفاق سلام جنوب السودان، الذي ما يزال يواجه تحديات كبيرة، خصوصا مع عدم تنفيذ متطلباته الخاصة بترسيم حدود ولايات جنوب السودان على نحو يلبي مصالح الطرفين المتصارعين بشكل متوازن، وكذلك الاتفاق على معطيات إدماج القوات المتحاربة في جيش واحد.

وبالتأكيد، سوف يكون المشهد الأفريقي متغيرا بعد قمة سوتشي بما يدعم ربما مصالح الأفارقة، خصوصا على صعيد التصنيع والبنى التحتية.

المزيد من تحلیل