ملخص
يكشف الاتفاق الأميركي الفنزويلي عن تحول كبير في خريطة النفط العالمية، مع عودة الشركات الأميركية للاستثمار وارتفاع الإنتاج المحتمل، مقابل مخاوف سيادية وجيوسياسية واسعة.
أثار اتفاق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحكومة الانتقالية الفنزويلية برئاسة دلسي رودريغيز جدلاً واسعاً لم ينته بعد في أسواق الطاقة العالمية وفي دوائر أبعد من الطاقة والاقتصاد.
بموجب الاتفاق، تسيطر الولايات المتحدة على نحو 20 في المئة من احتياطات فنزويلا النفطية، بحيث تصبح متاحة لشركات الطاقة الأميركية الكبرى، لتعمل على استكشافها وتنقيبها وإنتاجها وتصديرها، وتحصل فنزويلا على نسبة من العائدات.
بدأت مقدمات ذلك منذ نهاية العام الماضي بحصار أميركا لفنزويلا والاستيلاء على ناقلات نفطها في مياه المحيط، ثم عملية عسكرية على كاراكاس ونقل رئيسها نيكولاس مادورو إلى أميركا لمحاكمته.
وجاء ذلك بعد عام من اكتشافات نفطية كبيرة في مياه غويانا أعلنتها شركات أميركية، وحديث الإدارة الفنزويلية المطاح بها عن أحقيتها في تلك الثروة الطبيعية المشاطئة لمياهها.
في محاولة لتوضيح أسباب هذا الجدل وتبعاته، نقدم ملخصاً لإجابات عن 10 أسئلة حول نفط فنزويلا والاتفاق الأخير:
1 - ما أهمية فنزويلا في سوق النفط العالمية؟
تمتلك فنزويلا واحداً من أكبر احتياطات النفط المثبتة في العالم، بنحو 303 مليارات برميل من الخام، وتستحوذ وحدها على نحو الخمس (نسبة 20 في المئة) من الاحتياطات العالمية. وتتركز غالبية هذه الاحتياطات في حزام أورينوكو الواقع في وسط البلاد.
إلا أن إنتاجها النفطي تدهور كثيراً في الأعوام الأخيرة نتيجة العقوبات المفروضة على البلاد وعدم قدرة شركة النفط الوطنية على صيانة وتطوير منشآتها. فقد تراجع إنتاج فنزويلا من أكثر من 3.5 مليون برميل يومياً قبل نصف قرن إلى أقل من مليون برميل يومياً مطلع هذا العام.
والمأمول من الاتفاق مع أميركا ودخول الشركات الأميركية باستثمارات كبيرة هو رفع الإنتاج إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً.
أما زيادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل حقبة حكم هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو، فتحتاج إلى أعوام طويلة قد تتجاوز عقداً ونصف العقد.
2 - ما دور فنزويلا في "أوبك"؟
فنزويلا من الدول المؤسسة لمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" عام 1960 في بغداد، وأصبحت قبل نحو عقد عضواً في تحالف "أوبك+" الذي يضم أعضاء "أوبك" ومنتجين من خارج المنظمة، تتقدمهم روسيا. وفي فترة ما، كان إنتاج البلاد يمثل نحو سبعة في المئة من الإنتاج العالمي (قبل أن ينهار إلى نسبة 0.8 في المئة من إنتاج النفط في العالم حالياً)، وكان لفنزويلا دور مؤثر في "أوبك".
وكثيراً ما اتسقت مواقفها مع إيران، العضو في "أوبك" أيضاً منذ تأسيسها، في مقابل مواقف المنتجين المعتدلين من الخليج.
لكن في النهاية، كانت فنزويلا تلتزم بسياسات سقف الإنتاج قبل أن يتدهور إنتاجها ولا تستطيع إنتاج كامل حصتها، واستفادت من سياسات "أوبك" بالحفاظ على توازن معادلة العرض والطلب في السوق واستقرار الأسعار.
3 - ما طبيعة النفط الفنزويلي؟
يتميز النفط الفنزويلي بأنه من النوع الثقيل، عالي الكبريت (الزيت الحامض)، الذي يستخدم في مصافي التكرير لإنتاج الديزل وغيره من المشتقات المهمة.
وقد بُنيت معظم مصافي النفط في الولايات المتحدة على أساس تكرير النفط الثقيل، وليس الخام الأميركي الخفيف (الزيت الحلو).
ومع عدم بناء مصافٍ جديدة في أميركا منذ أعوام طويلة، يظل النفط الثقيل مدخلاً مهماً للتكرير في أميركا، سواء بالاستيراد من فنزويلا وغيرها أو من خليج المكسيك.
تعد كلفة استخراج النفط الفنزويلي من الأعلى في العالم بين الدول المنتجة، إذ تصل كلفة استخراج البرميل من نفط البلاد إلى 23 دولاراً في المتوسط، وهي كلفة عالية جداً إذا ما قورنت بكلفة إنتاج البرميل في بعض دول الشرق الأوسط التي لا تتجاوز 10 دولارات.
4 - كيف أضر التأميم بإنتاج البلاد؟
في عام 1922، كشفت شركة "رويال داتش شل" عن احتياطات نفطية ضخمة في فنزويلا، مما دفع الشركات الأميركية إلى تكثيف استثماراتها في استكشاف الموارد النفطية في فنزويلا وتطويرها، وقادت شركات مثل "ستاندرد أويل" وقتها عمليات التطوير بموجب اتفاقات الامتياز.
تم تأميم قطاع النفط للمرة الأولى عام 1976 في عهد الرئيس كارلوس أندريس بيريز، وتأسست شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) للسيطرة على جميع موارد النفط. في تسعينيات القرن الماضي، اتخذت فنزويلا خطوات لفتح القطاع أمام الاستثمار الأجنبي.
لكن في عهد هوغو تشافيز، الذي بدأ نهاية القرن الماضي، منحت فنزويلا ملكية غالبية مشاريع النفط إلى شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) ثم غادرت شركتا "إكسون موبيل" و"كونكو فيليبس" الأميركيتان البلاد في منتصف العقد الأول من القرن الحالي وصودرت أصولهما، واعتبر ذلك التأميم الثاني للنفط في فنزويلا.
منذ ذلك الحين، أي بعد عام 2007، تدهور قطاع النفط مع غياب الاستثمارات نتيجة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي في العام 2005 رداً على تأميم الأصول النفطية للشركات الأميركية.
كما أن خروج الشركات الكبرى من القطاع ترك الشركة الوطنية غير قادرة على صيانة وتطوير منشآت البنية التحتية، مما انعكس في انخفاض الإنتاج والتصدير.
5 - ما منافذ تصدير النفط الفنزويلي؟
في بداية اكتشاف النفط وقبل التأميم، كان غالب الخام الفنزويلي يُصدر إلى الولايات المتحدة، إذ تعمل ما بين نسبة 70 و80 في المئة من المصافي الأميركية على النفط الثقيل، ثم نتيجة خروج الشركات الأميركية من فنزويلا في معظمها، باستثناء شركة "شيفرون"، وفرض عقوبات أميركية على كاراكاس، تراجع نصيب أميركا من صادرات فنزويلا وحلت محلها الصين، وذلك إلى جانب التصدير لكل من كوبا وإسبانيا وغيرها بنسبة ليست كبيرة.
منذ تعرض فنزويلا للعقوبات في العقد الماضي، أصبحت الصين الوجهة الأهم لصادرات النفط الفنزويلي، في عام 2023، بلغت نسبة صادرات النفط الفنزويلية إلى الصين 68 في المئة من إجمال صادرات البلاد، تليها الولايات المتحدة بنسبة 23 في المئة، ثم إسبانيا وكوبا بنسبة أربعة في المئة لكل منهما. ويحظى النفط الفنزويلي بشعبية كبيرة لدى مصافي التكرير الصينية المستقلة، إذ يستخدم في إنتاج البيتومين، وهو عنصر حيوي في قطاعي البناء والطرق، كما أنه يباع بأسعار مخفضة للغاية.
في عهد تشافيز ومادورو، كانت كوبا تحصل على كميات من نفط فنزويلا مجاناً في صورة مساعدات، لكن الولايات المتحدة أوقفت تلك الشحنات في سياق حملتها على فنزويلا، وأيضاً لتضييق الخناق الاقتصادي على كوبا.
6 - لماذا تهتم أميركا بنفط فنزويلا؟
تاريخياً، مثل نفط فنزويلا مصدراً مهماً للواردات الأميركية من الخارج قبل أن تتحول الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة إلى مصدر صافٍ للنفط. ومع زيادة الإنتاج الأميركي إلى نحو 13 مليون برميل يومياً لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم، تظل واشنطن تستورد أيضاً نفوطاً مختلفة تلائم مصافي التكرير من كندا والمكسيك وفنزويلا وغيرها.
لكن اهتمام أميركا، وبخاصة إدارة الرئيس ترمب الحالية، بنفط فنزويلا يتجاوز مسألة استيراده إلى ما هو أبعد. إذ تسعى الإدارة الأميركية للهيمنة على سوق النفط العالمية.
وبما أن قدرتها على زيادة الإنتاج بنحو 4 ملايين برميل إضافية كما وعدت قد لا تتحقق، إذ تقدر هيئة معلومات الطاقة إمكانية الزيادة بنحو مليون برميل يومياً فحسب، تسعى واشنطن للسيطرة بصورة أو بأخرى على إنتاج دول أخرى.
فمن العوامل المستترة للتوتر التجاري بين واشنطن وجارتيها الشمالية والجنوبية، كندا والمكسيك، مسألة النفط والغاز، أما السيطرة على نفط فنزويلا وتمكين الشركات الأميركية منه، فيجعل واشنطن إلى حد ما متحكمة في واردات صينية وإسبانية، إضافة إلى الاكتشافات الكبيرة في غويانا من قبل الشركات الأميركية.
ويعطي ذلك واشنطن ميزة على شركات صينية وروسية كانت تعمل في فنزويلا، مما يوفر هيمنة على "نصف الكرة الغربي" كما يصفه ترمب، ومحاصرة أي نفوذ صيني فيه.
7 - ما ميزات اتفاق النفط بين واشنطن وكاراكاس؟
من ميزات الاتفاق الذي وقع بين واشنطن وكاراكاس أنه يفتح الباب أمام الشركات الأميركية للعودة والعمل في ذلك البلد الذي هجرته قبل عقدين. وإذا تم استثمار عشرات مليارات الدولارات في قطاع النفط الفنزويلي، كما وعدت التصريحات المصاحبة لإعلان الاتفاق، فإن ذلك يمكن أن يرفع إنتاج فنزويلا من مستوياته المتدنية الحالية.
إلى جانب أن ذلك سيعود بالفائدة على الشركات الأميركية، بتحقيق الأرباح وأيضاً التصدير للمصافي الأميركية، فإنه يعود بالنفع أيضاً على فنزويلا التي يعاني اقتصادها تدهوراً شديداً. فتلك الاستثمارات ستوفر فرص عمل للفنزويليين الذين يضطرون منذ فترة للهجرة بسبب ظروف المعيشة. كما أن الحكومة الفنزويلية ستحصل على نسبة من مبيعات الإنتاج الإضافي، إلى جانب ضرائب ورسوم أيضاً تحسن من دخل الخزانة العامة.
يبقى كل ذلك مرهوناً، طبعاً، بأن يتحقق ما يأمل فيه المتفقون من استثمارات هائلة وزيادة إنتاج كبيرة، وإن كان كثير من المحللين والمراقبين يرجح أن ذلك سيحتاج إلى أعوام طويلة.
8 - ما عيوب اتفاق النفط بين واشنطن وكاراكاس؟
من المشكلات التي تحيط بالاتفاق أن الحكومة الأميركية، بحسب ما نوقش في الكونغرس، كونت شركة للتعاون مع شركة فنزويلية محلية لتنفيذ الاتفاق.
وعلى رغم أن صاحب الشركة الفنزويلية موالٍ لواشنطن، فإن كثيراً من المراقبين يشكك في قدرة شركته على تنفيذ جانبها من الاتفاق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما أن هناك جدلاً في شأن الشريك الأميركي أيضاً ومدى قانونية دخول الحكومة فيه من دون موافقة الكونغرس.
بالنسبة إلى قطاع كبير من الفنزويليين، فإنهم يعدون الاتفاق انتقاصاً من سيادة بلادهم وتسليم مقدراتها النفطية للولايات المتحدة. كذلك هناك شكوك في وعود الرئيسة رودريغيز بأن الاتفاق سيعود بالرفاه على الشعب الفنزويلي البالغ تعداده نحو 30 مليون نسمة.
هناك تفاصيل كثيرة في الاتفاق ليست معروفة تماماً، ويمكن أن يكون بعض ما أعلن فيه قدر من المبالغة، بحيث يصبح هدف عودة فنزويلا لإنتاج أكثر من 3 ملايين برميل يومياً صعب المنال.
9 - هل تؤثر عودة نفط فنزويلا في السوق؟
في الظروف العادية، قد لا يؤثر زيادة إنتاج فنزويلا حتى بنحو مليون أو مليوني برميل في السوق العالمية، مع طلب عالمي يتجاوز 102 مليون برميل يومياً. لكن في ظل اضطراب الأوضاع في الخليج ومضيق هرمز بسبب حرب إيران والقيود على النفط الروسي بسبب حرب أوكرانيا، يمكن لأي كميات، ولو ضئيلة، أن تحدث فارقاً في معادلة العرض والطلب.
الولايات المتحدة تريد خفض أسعار النفط كي تتفادى غضباً شعبياً نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في محطات البنزين.
بالتالي، فإن أي زيادة في الإنتاج من أي طرف تسهم في تحقيق ذلك الهدف. كما أن الولايات المتحدة تريد إعادة ملء مخزوناتها التي أصبحت في أدنى مستوياتها نتيجة السحب منها خلال حرب إيران.
ومع أن نفط فنزويلا لا يصلح للتخزين في أميركا، التي تخزن النفط الخفيف، فإن المسؤولين الأميركيين يتحدثون عن مبادلة النفط الفنزويلي بنفط خفيف للتخزين.
10 - من الرابح ومن الخاسر من عودة نفط فنزويلا بقوة؟
في حال تحققت الوعود وزاد إنتاج فنزويلا من النفط، فإن الكاسب الأول هو الولايات المتحدة، ثم فنزويلا بدرجة أقل، كذلك هناك مكاسب أقل للدول المستوردة والمستهلكة للطاقة مع توافر كميات إضافية من المعروض.
ليس كل المستوردين سيستفيدون طبعاً، فالصين، وهي أكبر مستورد للنفط، قد لا تستطيع الحصول على النفط الفنزويلي بأسعار تفضيلية كما في السابق، لأن قرار التصدير سيكون بيد الشركات الأميركية وواشنطن عموماً.
كما أن استمرار الحصار الأميركي على كوبا يعني أنها أيضاً غير مستفيدة من زيادة إنتاج فنزويلا. ولن تكون الصين وحدها الخاسرة من هيمنة واشنطن على نفط فنزويلا، بل هناك إسبانيا أيضاً، وإن كانت وارداتها من فنزويلا ليست كبيرة ويمكن أن تعوضها من مصادر أخرى.