Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السيادة الرقمية... تحول المتعدد إلى وحدة

التعريف الأولي البسيط هو قدرة الدولة على التحكم المستقل في بنيتها التحتية التكنولوجية وبياناتها وفضائها المعلوماتي

تشمل السيادة الرقمية البيانات ومن يملكها ومن يستطيع الوصول إليها، ثم قد يكون هذا هو بيت القصيد، مراكز البيانات والحوسبة السحابية (أ ف ب)

ملخص

هذا الاعتماد الاستراتيجي على قوى غير مرئية يجعل العالم أمام تساؤل مثير وخطير أيضاً "ماذا لو انفجرت فقاعة العالم السيبراني مرة وإلى الأبد لسبب أو لآخر؟ أية سيادة وقتها سيعاد الحديث عنها؟ وهل يثبت ذلك أن السيادة الوطنية المادية الملموسة من العصي والسيوف، وصولاً إلى المدافع والدبابات، هي الجوهر الحقيقي للسيادة؟".

عرف العالم مفاهيم السيادة الوطنية من خلال اتفاقات دولية مثل "صلح ويستفاليا" 1648، وعبر كتابات فلاسفة ومنظرين سياسيين مثل جان بودان، وكلها كانت تدور في فلك الرؤية التقليدية للسيادة الوطنية على الأرض، من خلال أدوات القوة المتاحة، وغالباً ما كانت العسكرة في الآلية التي تحمي السيادة الوطنية في الداخل، وترد عنها غوائل العدوان ومحاولات التعدي من الخارج.

لكن في أواخر العقد الثالث من القرن الـ21، يبدو أن هناك مفاهيم أخرى أكثر إثارة، تلامس سقف حديث السيادة، إذ لم تعُد فكرة السيادة الوطنية فكرة مادية يمكن تلمسها في ملامح ومعالم القوة الخشنة وحسب، بل باتت هناك مقدرات أخرى غير مرئية، تتصل بعالم الأرقام والأجهزة والبنية التحتية التكنولوجية للدول، تشكل في واقع الأمر المقدرات الحقيقية للدول والتي ستقوم عليها ركائز المستقبل، ولا سيما في ظل أزمنة ما يُعرف بـ"الذكاءات الاصطناعية".

الأسئلة هنا عدة وفي مقدمتها كيف لنا أن نعرف السيادة الرقمية؟ لكن قبل ذلك ربما يجب علينا التوقف ولو قليلاً أمام المفهوم الكلاسيكي للسيادة، ومن ثم العودة ومقاربة المشهد، وتالياً التأمل جلياً في متغيرات واقع سيادة الشعوب والأوطان في أزمنة رقمية وما بعد وطنية.

 

في تطور مفهوم سيادة الدولة

ما الذي يعنيه مفهوم سيادة الدولة بادئ الأمر؟ بكلمات بسيطة يعني قدرة السلطة العليا في أي وطن من الأوطان على بسط قدرتها على ترابها الوطني، ومقدرتها على قيادة شعبها بنفسها ومن غير أي تدخل أو إملاءات خارجية.

ويُعد مفهوم السيادة الوطنية من هذا المنطلق ركناً أساساً لقيام الأمم المستقلة، فما من أمة بلا سيادة.

وبالعودة والبحث عميقاً عن بدايات الكتابات عن السيادة الوطنية، نعود من جديد لأثينا أم الديمقراطيات القديمة، وهناك نجد الفيلسوف اليوناني أرسطو كأول من تحدث عن "السلطة العليا للدولة"، في وقت استخدمه فلاسفة أمثال جان بودان وتوماس هوبز لتحديد أبعاد السلطة المطلقة للدولة.

لم يكُن مفهوم السيادة عبر التاريخ مصطلحاً جامداً ستاتيكياً، بل متغيراً ديناميكياً، وشمل السيادة الشعبية والوطنية، ولا سيما حين بسط القانون قدرته وهيبته على أبعاد الأراضي الوطنية كافة من خلال تشريعات تنظم حياة الأمم في الداخل وعلاقات الدول مع جيرانها في الخارج.

وبالقدر نفسه تعبر السيادة الوطنية عن قدرة السلطة الحاكمة على تمثيل ذاتها وشعبها في المحافل الدولية، مما تبلور بقوة خلال العصور الحديثة، من عند عصبة الأمم المتحدة، وصولاً إلى هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من مؤسسات دولية أخرى في ظل "نظام بريتون وودز" القائم حتى الساعة.

ماذا بمزيد من التفصيل عن الاتفاقات التي بلورت مفهوم السيادة والفلاسفة الذين أرسوا قواعدها؟

 

من ويستفاليا إلى بودان وهوبز

يمكن اعتبار "معاهدة ويستفاليا" أو "صلح ويستفاليا"، الأساس الأولي الذي قامت على أركانه مفاهيم السيادة الدولية، ويُعد أول اتفاق دبلوماسي في العصر الحديث، وأرسى نظاماً جديداً في أوروبا الوسطى والغربية مبنياً على سيادة الدول. وأصبحت مقررات هذا الصلح جزءاً من القوانين الدستورية للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وغالباً ما تُعد "اتفاقات البيرينيه" الموقعة عام 1659 بين فرنسا وإسبانيا جزءاً متمماً للاتفاقات العامة المعروفة بـ"صلح ويستفاليا".

أما الفيلسوف الفرنسي جان بودان، فيمكن فهم منطق السيادة عنده من القول إنه "طلب تحقيق الوحدة السياسية داخل الدولة الممزقة بين كيانات متعددة والتي تنشد إحلال التماسك بين مختلف مكوناتها".

هنا ووفقاً لهذا المنظور، تصير السيادة بمثابة قطب الرحى الحاسم الذي يلم شمل أطراف الدولة المتناثرة ضمن وحدة صلبة التي تدعى في القاموس الفلسفي بـ"الدولة"، ولقّبها بودان بلفظ "الجمهورية"، وبفضل السيادة يتحول المتعدد إلى وحدة رقمية.

لم يكُن بودان وحده من تحدث عن مفهوم السيادة، فهناك الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام الذي أشار إلى العلاقة الوثيقة بين الفردية وسيادة الدولة في إطار ما سماه "فلسفة المنفعة"، ورأى أن "هناك سيادة غير محدودة للدول تمكنها من سن القوانين لتحقيق أكبر قدر من السعادة لأكثر عدد من الناس".

أما المفكر الذي أسهم أكثر في منح المصطلح معنى حديثاً، فهو الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي جادل بأن في كل دولة حقيقية يجب أن يكون هناك شخص أو هيئة تمتلك السلطة المطلقة والقصوى لإصدار القوانين، وأن تقسيم هذه السلطة يعني بالأساس تدمير وحدة الدولة.

ويلخص الفيلسوف البريطاني جون أوستن مفهوم السيادة بقوله "إذا وجدت سلطة محددة في مجتمع معين، لا تخضع لأية سلطة أخرى، ولكنها تحظى بولاء عام من جميع أفراد ذلك المجتمع، فإن هذه السلطة العليا تسمى ’سيادة‘، ويعتبر المجتمع الذي يمتلك السيادة مجتمعاً سياسياً مستقلاً".

كيف تغيرت مفاهيم السيادة أخيراً؟ ولماذا طفا على سطح الحياة الأممية تعبير "السيادة الرقمية"؟

 

ما هي السيادة الرقمية أول الأمر؟

التعريف الأولي البسيط هو قدرة الدولة، أية دولة، على التحكم المستقل في بنيتها التحتية التكنولوجية وبياناتها وفضائها المعلوماتي وحمايتها من التبعية أو الاختراق الخارجي. وتشمل هذه السيادة توطين مراكز البيانات وتطوير القدرات المحلية في مجالات مثل الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ووضع أطر تنظيمية صارمة.

وبشيء من بسط المعلومات على مائدة الشرح، يمكن القول إن السيادة الرقمية هي مجموعة التقنيات والخدمات والممارسات التشغيلية التي تخفف الأخطار المرتبطة بالسيطرة أو النفوذ الأجنبي على بيانات أية دولة أو مؤسساتها وعملياتها وبنيتها التكنولوجية، وتضمن الامتثال للوائح المحلية.

في "دليل غارتنر للسوق" لعام 2026، تصنف السيادة الرقمية كطلب عالمي بالغ الأهمية، مدفوع بثلاث قوى متداخلة، التوترات الجيوسياسية المستمرة والحاجة الاستراتيجية لإدارة متطلبات الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتشديد لوائح حماية البيانات. وبالنسبة إلى قادة البنية التحتية والعمليات، يتمثل المعنى العملي للسيادة الرقمية في القدرة على اختيار مكان تخزين البيانات ومن يمكنه الوصول إليه وكيفية إدارة العمليات، من دون الاعتماد على بنية تحتية قد تخضع لنفوذ الحكومات الأجنبية.

وبتوسيع دائرة المعنى، يمكن القطع بأن السيادة الرقمية هي قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة وممارسة سلطتها وحماية مصالحها وتشغيل وظائفها الحيوية في الفضاء الرقمي، من دون أن تكون رهينة لإرادة قوة دولية أو مؤسساتية خارجية.

وتشمل السيادة الرقمية بصورة رئيسة البيانات ومن يملكها ومن يستطيع الوصول إليها، ثم قد يكون هذا هو بيت القصيد، مراكز البيانات والحوسبة السحابية. ولا يتوقف مفهوم السيادة الرقمية على ما هو قائم من عمليات على الأرض، بل يمتد إلى الفضاء الخارجي الذي بات نطاقاً مهماً للغاية بالنسبة إلى دول العالم كافة، حيث شبكات الاتصالات والأقمار الاصطناعية وإدارة الدولة الحديثة.

السيادة الرقمية

تمتد السيادة الرقمية كذلك إلى قاع البحار والمحيطات، حيث الكابلات البحرية التي تشكل حتى الساعة عصب الشبكة العنكبوتية حول الكرة الأرضية، ولهذا فإن أي تهديد بقطع تلك الكابلات السابحة في المياه الدولية، يُعد اعتداء على السيادة الرقمية لأية دولة.

ويمكن أن نضع عشرات العناصر في دائرة السيادة الرقمية، في القلب منها أنظمة التشغيل والبرمجيات وأشباه الموصلات ومحركات البحث وأنظمة الدفع والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وليس فقط مجرد استهلاكها.  من هنا تبدو علامة استفهام تطرح نفسها على مائدة الحوار "هل السيادة الرقمية مفهوم حاضر وموجود بالفعل، وليس أمراً مجازياً، ولهذا اكتسب أهمية خاصة في الجيوسياسة العالمية؟

السيادة الرقمية بين الوجود والأهمية

تبدو فكرة السيادة الرقمية وكأنها فكرة هيولية، ولا سيما أنها تتعلق بما هو غير مرئي أو منظور، مما يجعل هناك فارق بينها وبين فكرة السيادة الوطنية التقليدية، فعلى سبيل المثال يمكن للمرء أن يرصد الفرق العسكرية على الأرض وأسراب القوات الجوية ومفارزها في السماء، وبالقدر ذاته تعبر حاملات الطائرات والمدمرات البحرية عن مفهوم السيادة الإقليمية الوطنية في البحر. أما السيادة الرقمية، فهي على رغم وجودها غير ظاهرة، فلا يمكن لأحد أن يزعم أن هذه هي حدوده في الفضاء السيبراني الذي هو مشاع للجميع، أما في البر والبحر، فيمكن الادعاء بأن هذا إقليمي وتلك حدودي، تلك قواتي، وهذه قوانيني.

ومن هذا المنطلق تكتسب السيادة الرقمية أهمية خاصة، ولا سيما في ظل حال عدم الاستقرار الجيوسياسي والتحول إلى خطر هيكلي. لكن في الوقت عينه هناك إشكالية معقدة حول الوجود الخاص بالسيادة الرقمية.

على سبيل المثال إذا كانت بيانات وزارة دفاع دولة ما قائمة على سحابة إلكترونية حاسوبية أجنبية، فهل يمكن اعتبار هذا الوجود محلي أم عالمي؟ ثم وهنا الأهم هل هذه في تلك الحالة سيادة كاملة مطلقة؟ أم سيادة منقوصة؟

والأمر عينه ينطبق على أنظمة الحكومات التي تعمل ببرمجيات أجنبية، ويمتد إلى مسألة الشرائح الإلكترونية أو الرقائق المعدنية، والشبكات التي تنظم التعاملات المالية حول العالم، عطفاً على خطوط الوصل غير السلكية، وكل ما يسبح في الفضاء، وجميعها فضاء مشترك للكل.

من هنا تطفو على السطح إشكالية التضاد بين السيادة الرقمية الوطنية والسيادة الرقمية العالمية وما بينهما من أزمات وتناقضات جوهرية.

 

وتبدو خريطة السيادة الإقليمية تمضي عبر أكثر من اتجاه عالمي:

-النهج السيادي التقليدي، والمثال الواضح له جمهورية الصين الشعبية التي تعتمد على الرقابة الحكومية الصارمة وحجب المنصات الأجنبية وبناء جدران برمجية لحماية السوق المحلية.

-النهج المتحرر، وهذا تقدمه لنا دول الاتحاد الأوروبي الذي يركز على حماية خصوصية الأفراد وحقوق البيانات الشخصية عبر تشريعات قوية.

-نهج اقتصاد السوق مثل النموذج الأميركي الذي يشجع حرية الشركات الكبرى، ويقلل القيود لدعم الابتكار والريادة العالمية.

 في كل الأحوال، لا يمكن اعتبار السيادة الرقمية مرادفاً لمكان تخزين البيانات، فوضع البيانات في بلد معين هو الخطوة الأولى، إذ تتطلب السيادة الكاملة أيضاً سيطرة تشغيلية (من يدير البنية التحتية) وسيطرة تقنية (هل يمكن تشغيل المنصة من دون اتصال دائم بمزود خدمة أجنبي؟)، وعليه تبدو مسألة الاكتفاء بنهج مكان تخزين البيانات مجرد معالجة لجزء ضيق من مسألة السيادة، وتهمل الأخطار الأكثر تأثيراً في النطاق المفاهيمي الواسع.

السيادة الرقمية وعصر الذكاء الاصطناعي

ولأن عصر الذكاءات الاصطناعية قادر على تغيير الأوضاع وتبديل الطباع، بات السؤال المطروح "هل يمكن أن تتغير مآلات السيادة الرقمية في وقت تتعاظم أدوات الذكاء الاصطناعي؟

الجواب يحتاج إلى سردية قائمة بذاتها، لكنه من دون تطويل ممل، يمكن القطع بأن الذكاء الاصطناعي يغير من محور أو محاور التركيز، فلم تعُد السيادة الرقمية تقتصر على مكان وجود البيانات وحسب، بل تشمل أيضاً من يتحكم في النماذج وعملية التدريب والضبط الدقيق وبيئة الاستدلال والمعايير التي تحكم سلوك الذكاء الاصطناعي .

هنا يبدو أول سؤال لمن يلجون عالم السيادة الرقمية "من يملك ويدير النموذج الذي تعتمد عليه هذه الدولة أو تلك؟ وهنا إشكالية واسعة ما بين الدول الصديقة والدول الأعداء، وبينهما مساحة فسيحة من الخيارات، مما يتجلى في الصراعات القائمة والمقبلة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين بصورة خاصة حول البرامج التشغيلية والرقائق المعدنية وكبريات شركات إنتاج المعلومات عبر مراكز بيانات عملاقة، والسبب أن من ينتج ويصدر إلى العالم هذه وتلك، هو القادر على التحكم في مسارات المعلومات في القرن الـ21، والمعلومات باتت الثروة الحقيقية بعد الذهب والنفط.

أمر آخر في هذه الجزئية، وهو من يملك الحقوق القانونية لبرامج تشغيل الذكاءات الاصطناعية، ومن ورائها السيادة الرقمية، وهل هناك سرقات تجري في تلك الفضاءات بما يخل بالأمن القومي لدول بعينها؟ وإذا كان ذلك كذلك، فمن له سلطة الضبطية القضائية في الهواء كما سلطات المحاكم المختلفة على الأرض؟

في كل الأحوال، تعتمد تقنيات الذكاءات الاصطناعية بصورة كبيرة على الحوسبة والبيانات، من هنا يمكن أن يؤدي تركيز الحوسبة السحابية وتوافر وحدات معالجة الرسومات وتدفق البيانات عبر الحدود إلى تعزيز التبعية، مما ينتقص من قدرات السيادة الرقمية، ولهذا فإنه من أهم منطلقات السيادة الرقمية، القدرة على التحقق من الجهة التي توفر البنية التحتية والضوابط المطبقة والبدائل المتاحة.

هل من جزئية خاصة تنبغي الإشارة إليها في سياق البحث عن مقدرات السيادة الوطنية في زمن السيادة الرقمية؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السيادة الرقمية وعالم الجيوش العسكرية

منذ أزمنة الحروب البلوبونيزية بين إسبرطة وأثينا، كانت الجيوش الجرارة والجحافل البشرية عماد السيادة الوطنية، والغلبة لمن كانت قواته وقدراته أقوى وأكثر شراسة، وامتد المشهد منذ ما قبل الميلاد، مروراً بحروب الإمبراطورية الرومانية والفارسية، وصولاً إلى حروب القرون الوسطى، ونهاية بالحربين الكونيتين المدمرتين، على هذا المنوال.

اليوم والعالم على حافة هاوية عالمية جديدة، باتت علاقة السيادة الرقمية بالعروش والجيوش علاقة عضوية، إذ تُعد تلك السيادة ركيزة حتمية لصون الأمن القومي عبر حماية البنى التحتية الرقمية والتحكم في البيانات. ولم يعُد مفهوم القوة العسكرية إذاً قاصراً على الأسلحة التقليدية بأنواعها المتعددة، إذ ظهرت على سطح الأحداث أنواع مغايرة من القوة العسكرية المرتبطة ارتباطاً عملياً بفكرة السيادة الرقمية، ولا سيما في الفضاء الإلكتروني، والقدرة على اتخاذ القرار السريع.

في هذا السياق بدا واضحاً خلال العقد الثالث من القرن الحالي، أن هناك سباقاً بين القوى الكبرى أو العظمى، وحتى بين القوى المتوسطة ذات التأثير الفاعل في النظام العالمي الجديد، على بناء مراكز قيادة عسكرية، تقوم جميعها على فكرة السيادة الرقمية. فماذا تعني تلك السيادة في دائرة العمل العسكري؟

بداية تعني استقلال القرار، وهذا لن يتأتى إلا من خلال برمجيات وخوارزميات وطنية، تُصمم داخل الدولة، وليس خارجها، ليكون مفتاح التشغيل في يد أبناء الوطن، فالحضارة لا تقوم بالاستعارة، وكذلك مقدرات الجيوش، حتى بين الحلفاء، لا تنشأ على أكتاف استعارة تكنولوجيا السلاح، بل ابتكارها ومن ثم بالضرورة تشغيلها.

يشمل كذلك مفهوم السيادة الرقمية العسكرية، قضية حماية الأنظمة العسكرية من التبعية التكنولوجية، أو الاختراق الخارجي، وهما قضيتان حاسمتان في أية معركة، فالدولة التابعة، يُعرف عنها ولا شك كيفية تفكيرها وعقيدتها العسكرية، بالتالي تسهل ملاقاتها في الطريق. والأمر نفسه بالنسبة إلى الدولة المخترقة التي تضحى كتاباً مفتوحاً أمام الآخرين، أعداء كانوا أو أصدقاء.

أمر آخر أيضاً ربما يجب التوقف عنده، وهو العلاقة العضوية بين السيادة الرقمية ودور الجيوش في الفضاء الرقمي، حيث يتعين على الدول التي تهتم بتعظيم سيادتها الرقمية أن تعمل على تطوير قدرات دفاعية وهجومية لمواجهة الحروب السيبرانية، وتأمين البنى التحتية الحيوية مثل محطات الطاقة وشبكات الاتصالات، عطفاً على التعاون مع القطاع الخاص لتعزيز الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي.

أما ما يمكن اعتباره الهدف الرئيس للسيادة الرقمية، فهو تعزيز ما يسمى "السيطرة الخوارزمية"، هناك حيث تُدمج الذكاءات الاصطناعية في غرف القيادة والسيطرة مع القدرات البشرية المتمثلة في القيادات العليا للدولة، حيث يكون التحول نحو "السيطرة الخوارزمية" لتحليل الأنماط واتخاذ القرارات القتالية في أجزاء من الثانية، أمراً لا مفر منه لحسم معارك المستقبل.

السيادة الرقمية وتقرير إرادات الشعوب

هل السيادة الرقمية مفهوم يوفر الأمن والحرية والإرادة المستقلة للدول؟ أم أنه يفتح الأبواب واسعة لاختزال كثير من تلك المفاهيم؟

حكماً في الطريق إلى بسط منظومة السيادة الرقمية، تطفو في المقابل مقدرات الآخرين على إعاقة هذه السيادة، ولا سيما من خلال الاختراق، الكفيل بتغيير توجهات الرأي العام حتى في كبريات الدول، بالتالي تتحول قضية السيادة الرقمية إلى "كعب أخيل" في جسد الدولة الوطنية، حال عجزها عن صيانة بنيانها الرقمي التكتوني.

ولم يكُن سراً أن العقدين الماضيين تحديداً، باتا مفتوحين على صراعات المزارع الإلكترونية، تلك التي تشكل العمود الفقري للجيوش الإلكترونية، وهي بنى تحتية رقمية تدار عبر آلاف الأجهزة أو الحسابات الوهمية بهدف تضليل الرأي العام وتضخيم السرديات والتأثير في مسار الأحداث السياسية والاقتصادية.

ولم يعُد خطر هذه المزارع مقتصراً على الغش التجاري أو زيادة المشاهدات الزائفة، بل تحول إلى أداة استراتيجية في الحروب المعلوماتية والتدخلات الانتخابية.

هل من مثال؟

خذ إليك ما جرى في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016 بين المرشح الجمهوري وقتها دونالد ترمب والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

حتى الساعة هناك من يقطع بأن الاستخبارات الروسية، استطاعت أن تخترق البنى الرقمية للحزب الديمقراطي، وتكشف للأميركيين والعالم، عن مؤامرة حزبية قادتها هيلاري كلينتون ضد المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز، ولهذا استُبعد من ترشيحات الحزب.

وكانت هذه المعلومة التي اعتمدت على الوصول إلى بيانات الديمقراطيين كفيلة بأن تغير الشارع الأميركي الذي فقد الثقة وقتها بزوجة كلينتون وعضو مجلس الشيوخ ووزيرة الخارجية، لمصلحة مرشح لم تكُن له أية علاقة بالعمل السياسي من قبل، ولم يُعرف إلا كمطور عقاري وليس أكثر.

من هنا يمكن أن تكون فكرة السيادة الرقمية مدخلاً لتعزيز حال الانقسام السياسي والشعبوي في أية رقعة حول العالم، بل أكثر من ذلك، يمكن حال الاختراقات الكبرى، أن تدفع في طريق تأليب دول على بعضها بعضاً، وداخل الدولة الواحدة إحداث أنواع مخيفة من الفتنة وإفشاء الضغائن، سواء كانت قائمة على العرق أو الجنس أو الدين.

في الوقت عينه، يمكن تسخير فكرة ومناهج السيادة الرقمية خلال الصراعات والحروب التجارية والاقتصادية، الأمر الكفيل بإحداث تغييرات جذرية في سلوكيات المستهلكين من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.

كيف تُصان السيادة الرقمية؟

تبدو هذه جزئية قلقة ومضطربة، والسؤال كيف يمكن للدول الصغيرة أن تجد مكانها وسط هيمنة التكنولوجيا؟

أفضل جواب وجدناه خلال البحث في قضية السيادة الرقمية، ما جاء به أستاذ القانون الدولي في جامعة "ناغويا" في اليابان البروفيسور هونغ-يي تشين الذي يركز بصورة خاصة على الاقتصاد، انطلاقاً من أن الدول النامية والصغيرة غير منشغلة كثيراً بالصراعات العسكرية، لكن السيادة الاقتصادية جل ما يهمها.

وعنده أنه عندما تصاغ قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي من قبل حفنة من القوى التكنولوجية العظمى، لا تواجه الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة فجوة تكنولوجية وحسب، بل تواجه سؤالاً وجودياً أكثر جوهرية، في عصر أصبحت فيه البيانات مورداً استراتيجياً والخوارزميات أدوات حوكمة والمعايير التقنية أدوات لبسط النفوذ الجيوسياسي، كيف يمكن للدول الصغيرة الحفاظ على سيادتها الرقمية؟

ضمن حديث مطول يحتاج إلى قراءات قائمة بذاتها، يخلص البروفيسور تشين إلى أن السيادة الرقمية ليست حكراً على القوى العظمى. ففي عصرنا الحاضر الذي تعادل فيه البيانات القوة، والمعايير القواعد، والثقة الأصول، لا يتوقف مصير الدول الصغيرة على عدد خوادمها أو حجم خوارزمياتها، بل على براعة تصميمها المؤسسي وحكمة استراتيجياتها الدبلوماسية.

وتصريحات تشين توضح لنا كيف أن دولة في شبه جزيرة، تايوان، تقوم بدور مهم للغاية في مجال السيادة الرقمية، عبر قدرتها الفائقة على تصنيع الرقائق المعدنية والشرائح الإلكترونية، تلك التي تُعد العصب الحقيقي لقيادات العالم الرقمي ولنشوء شبكات السيادة براً وبحراً وجواً.

من هنا يمكن القول إن مقدرات الدول لجهة السيادة الرقمية موصولة بالكيف وليس بالكم، مع الأخذ في الاعتبار أهمية التنسيق الإقليمي والعالمي، ولهذا صدر عن الأمم المتحدة عام 2021 ما عُرف بـ"الاتفاق الرقمي العالمي" كنوع من أنواع ترتيب أوراق السيادة الرقمية، ولو بصورة غير مباشرة.

الاتفاق الرقمي العالمي يهدف إلى جمع الحكومات وكيانات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرين للعمل بصورة تعاونية على مجموعة من المبادئ والالتزامات المشتركة بهدف تنظيم سياقات العالم الماورائي بالمعنى شبه الإيجابي.

ما الذي يبقى في هذا الحديث؟ وما هو مستقبل السيادة الرقمية؟

يبقى هذا التساؤل، والبحث عن مستقبل السيادة الرقمية التي تبدو عالماً افتراضياً بأدوات غير مرئية للأعين لكنها حاضرة وفاعلة.

هنا الحقيقة المؤكدة أنه من الهواتف النقالة التي باتت ثمة شخصية للإنسان المعاصر من آسيا إلى أميركا، ومن أوروبا إلى أفريقيا، مروراً بالمنصات التي تيسر التجارة والنقاش المدني، تتكشف حياتنا بصورة متزايدة في فضاءات رقمية لا نصممها ولا نتحكم بها. وهذا الاعتماد الاستراتيجي على قوى غير مرئية يجعل العالم أمام تساؤل مثير وخطير أيضاً "ماذا لو انفجرت فقاعة العالم السيبراني مرة وإلى الأبد لسبب أو لآخر؟ أية سيادة وقتها سيعاد الحديث عنها؟ وهل يثبت ذلك أن السيادة الوطنية المادية الملموسة من العصي والسيوف، وصولاً إلى المدافع والدبابات، هي الجوهر الحقيقي للسيادة؟".

المزيد من تحقيقات ومطولات