ملخص
من بينِ الأفلامِ الفرنسيةِ الجديدة التي قد تلفتُ المشاهد في منصةِ "نتفليكس"، فيلم "حتى النهاية" Jusqu’au bout . يقدّمُ الفيلم تجربةً درامية تتقاطعُ مع موضوعٍ إنساني وقضية حسّاسة تثيرُ النقاشات اليوم في المجتمعِ الفرنسي، حولَ قوانين التبرّعِ بالبويضاتِ والحيوانات المنوية، وأخلاقيات الإجراءِ وتداعياتِ نظامهِ على مستقبلِ الأجنّةِ والأطفال المولودين من خلالِ التبرّع.
كانَ للممثلة البلجيكية من أصول جزائرية نوال مدني دور هام في صناعةِ هذا الفيلم، إذ أسهمت في كتابتهِ وإخراجهِ، مع لودوفيك كولبو-جوستان، وأدّت البطولة في دورِ أمٍ يشخّص طفلها باللوكيميا، فتواجهُ أزمةَ مرضهِ بشراسة، وتتحدّى القوانين والبيروقراطية أملاً في إنقاذِ حياته.
عقدة الأصل البيولوجي
تجسّدُ الممثلة نوال مدني دور "جايدا"، سيّدة فرنسية من أصولٍ مغاربية تحلمُ بالإنجاب، لكنّها تقفُ خائبة إلى جانب شريكها في كل مرةٍ تقرأ فيها نتيجةً سلبيةً للاختبار.
قبلَ أن تقتنع أخيراً باقتراحِ طبيبتها، بتلقيح بويضةٍ مخصّبة تعيدُ لها الأملَ المتبقي في الأمومة. تحمل جايدا في رحمها جنيناً يتغذى من دمها ويتكوّنُ في جسدها ولكن من دونِ أن يحملَ جيناتها وجينات زوجها.
يركّزُ صنّاعُ الفيلم في المشاهدِ الأولى على بناءِ الشخصياتِ وتفاصيلها، لإطلاقِ حبكةٍ درامية محكمة في زمنٍ خطي، وبأحداثٍ تتصاعدُ تدرجاً. ولعلّ التركيز ذهبَ إلى شخصية جايدا، التي تعمل كطباخة ومدربة ملاكمة، وهي امرأة قوية ذات حضورٍ طاغٍ وعناد وعزيمة. إذ تظهرُ قوتها أثناء تدريبها الملاكمة للأطفال، من خلالِ تحفيزهم على الفوز، وبث الروح الحماسية فيهم قبلَ المباريات، حتى بدت مثل امرأةٍ لا تعترفُ بالفشل أو الهزيمة.
أمّا الحدثُ الذي يزعزع حياةَ جايدا المستقرّة، فحينَ يغمى على ابنها في مدينةِ الملاهي، لتكتشفَ لاحقاً أنّه مصابٌ باللوكيميا. يمثل هذا المشهد منعطفاً يضعُ الشخصيات في حالات ضغط شديدة وظروف نفسية صعبة، تؤدي إلى سلوكٍ غير متوقع منها. من هذهِ النقطة، تتشكلُ العقدةُ الكبرى للفيلم وينطلق الصراع الحقيقي للأم التي تجد نفسها عاجزة أمام مرضِ ابنها الذي انتظرته لسنوات وقد يخطفه الموتُ منها مبكّراً.
يتأزم الوضع حين تدرك أنّ طفلها المريض، لا تتطابق جيناته معَ جيناتِها أو جينات أبيه، ولا يمكن لأيّ منهما أن يتبرع لهُ بالنخاع الشوكي لينجو. وحتى إمكان معرفة هويةِ المتبرعين بالبويضة المخصّبة مستحيل، لذا لن تتمكّن من تتبع أصلهِ البيولوجي كي تعثر له على أشقاء قد ينجح أحدهم في إنقاذ حياته. مثل هذه المراكز، تتكتّم على هوية المتبرعين بصرامة، وباستخدام برامج حماية عالية.
على هذا النحو، يناقشُ الفيلم قضيةً حسّاسة، باتت موضع نقاش في المجتمع الفرنسي والأوروبي عموماً، لأنّ عشراتَ الأزواج يلجؤون للحصولِ على بويضات وحيوانات منوية، كي يحققوا أحلامهم بالإنجاب. وهذا دون أن يفكّروا باحتمالاتِ المرضِ أو حتى توارث جينات قد تحملُ اختلالات عقلية أو نزعات إجرامية.
جينات مجهولة
قد تبدو هذه القضية غريبةً عن المجتمعاتِ العربية، التي تمنعُ وتحرّم تلقيح بويضة مخصّبة من زوجين غريبين، غير أنّ المسألة تسبّبُ جدلاً كبيراً في فرنسا، إذ يقدّر عدد المولودين عبر هذا النوع من التبرّع، حوالى 1500 طفل سنوياً، وهو عدد هائل لأشخاصٍ يجهلون أصولهم البيولوجية ! كما أجرى مليون مواطن فرنسي فحص "دي إن إي" للتأكّد من أصوله. وفي السياق نفسه، تناولت الصحف قصة عاشقين، بحثا لسنواتٍ في جيناتهما قبلَ الزواج ليتأكّدا من أنّهما ليسا أخوين! ولا تتساهل المراكز بأيّ شكل في الكشفِ عن هذه المعلومات السرية، أياً كانت الظروف وحتى لو تعلق الأمر بحياةِ طفلٍ يحتضر، فإنّها تستمّر بتنفيذ سياستها. وهو ما تطرحه نوال مدني في فيلمها عبر شخصيةِ جايدا، الأم التي تخاطر بحياتها وحريّتها، وهي تتقصى جينات ابنها عساها تعثر له على أخٍ ينقذه من الموت.
ذكرت المخرجة في لقاءٍ لها، أنّ من ألهمها بفكرةِ فيلم "حتى النهاية" هو طفل يُدعى يانيس بن ناصر، كان ينوي الانضمام إلى ورشتها للتمثيل، لكنّه لم يأتِ بسببِ إصابته باللوكيميا. وبطلبٍ من والدتهِ، صارت نوال تتواصلُ مع الطفل عبر مكالمات فيديو لرفع معنوياته، قائلةً له إنّها تنتظرُ شفاءه ليلتحق بصفّها. إلاّ أنّ ذلك الاسم بقي معلّقاً في لائحة الانتظار لأنّ صاحبه لم يتمكّن من المجيء.
وفي اللقاءِ نفسه، تحدّثت نوال عن أشياء كثيرة تعلمتها من والدةِ يانيس التي ساعدتها في تجسيد دورِ جايدا. أمّا الجزء الذي يتعلق بما تسميه مسار المساعدة الطبية على الإنجاب، فقد استلهمتهُ من تجربتها الشخصية. إذ لم تتردّد نوال مدني في مشاركةِ تفاصيل خاصة وحميمة من حياتها، عن صعوبةِ الحمل ورحلة تحقيق الأمومة، بكل ما رافقها من أمل وانتظار وإحباط، عندما يبنى الأمل على تحليل دم أو مكالمة وإيميل لمعرفةِ ثبوت الحمل من عدمه.
قوّة التمثيل أمام المبالغات الدرامية
في فيلم "حتى النهاية"، تقدّمُ نوال مدني أحدَ أقوى -وأجمل -أدوارها، إذ وضعت كلّ طاقةِ موهبتها وشغفها في أداءٍ صادق، مجسدةً دورَ جايدا، بكلّ انفعالاتها وقوّتها وهشاشتها. فنحنُ نراها بملامح عدة ونكتشفها من زوايا مختلفة: الأنثى العاشقة مع شريكها، والملاكمة الشرسة، والأم الشجاعة التي تقفُ أمامَ ابنها بوجهٍ بشوش ومزاجٍ رائق كي لا تنقلَ لهُ عدوى الخوف.
تتغيّرُ نبرةُ صوتها من مشهدٍ إلى آخر، وفقاً لمناخه وحدّتهِ وانفعالاته، فنشاهدها تتحدّثُ بهدوءٍ ونعومة في مشاهد. و نراها تصيح ببذاءة في مشاهد أخرى، وتتبدّل نظراتها، بين نظراتٍ حادّة ومتحدية وأخرى تعبّر عن الحزنِ والانهيار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يقلّ أداءُ الطفل بول فوري قوةً عن أدائها، إذ يتقمّص دورَ نوا ويؤديه بطريقة عفوية وتلقائية، كما لو كان يعيشُ قصتهُ الخاصة، وكثيراً ما يجيدُ التعبير عن انطباعاتهِ بتعابير وجهه فقط أو لحظاتٍ من الصمت.
وعلى رغم أنّ الفيلم يتضمّنُ الكثير من المشاهدِ المؤثرة، مثلَ المشهدِ الذي تضطر فيهِ جايدا لحلق شعر ابنها بنفسها، فإنّهُ لا يخلو من بعضِ المبالغاتِ الدرامية. ومنها قدرة الأمّ على غلقِ جناحٍ كامل لمرضى السرطان في المستشفى، وحبسِ العاملين فيهِ كرهائن، بمسدّسٍ واحد ومن دونِ مساعدةٍ، بل بتواطؤ من البروفيسور الذي كان متعاوناً معها.
مع أنّنا نعرف عن احترام الفرنسيين للقوانين وتمنّعهم عادةً عن خرقها أياً كانت الظروف، فكيفَ والأمر يتعلق بمسألة أمنية تتابعها الشرطة وأخطار قد تصلُ إلى التوقيفِ عن العمل والتضحية بمسيرةٍ كاملة من الدراسةِ والأبحاثِ، لأجلِ أمٍ تحاول إنقاذ طفلها بطرق غير قانونية، لا سيما وهي من أصول مغاربية تعاني أحياناً التمييز والعنصرية.
لذا لو أعيد النظر في الحدث من زاوية أخرى، لبدا تصرّفها من وجهة نظر بعض العاملين في المستشفى همجياً وغير مقبول ولا يمكنُ تبريره، حتى على رغم خطورةِ مرضِ ابنها. وهو ما يجعل تعاون معظم الأطباء والممرضين معها لا يبدو مقنعاً في البناءِ الدرامي.
لعلّ قوّةَ التمثيل ونبلَ القضيةِ الإنسانيةِ المطروحة يغطيان عيوبَ المبالغاتِ الدرامية التي يمكن التقاطها أثناء المشاهدة. ففي فيلم "حتى النهاية"، يأتي صنّاع العمل بقصةٍ قد تعدّ مستهلكة في السينما العالمية وهي تروي حكايةَ طفلٍ مريضٍ بالسرطانِ، وحكاية أمٍ أو أبٍ يفعل أحدهما المستحيل لإنقاذه.
إلاّ أنّه قدّم القضية بثيمةٍ جديدة مرتبطة بموضوعٍ صار من الواجبِ طرحه في الفنّ، والتفكير في مستقبلِ المولودين عبر التبرّع وحقوقهم في التعرّفِ إلى تاريخهم البيولوجي. وهذا ما قد يساعدهم على استيعاب أخطارهم الصحية، ويجنّبهم الارتباط بأشخاص قد تجمعهم بهم صلة جينية، وما قد يترتب عليه من أزمات نفسية ووجودية.