ملخص
يقدم العمل الحر وعداً براقاً بالتحرر من قيود المكتب التقليدي وسلطة المدير، لكنه غالباً ما يتحول في الواقع إلى حالة استنزاف دائم وتعامل مستمر مع الزمن والعملاء من دون أي ضمانات مالية أو صحية.
في المقهى نفسه، مشهدان متناقضان ومتشابهان في آن.
المشهد الأول: الساعة 11 صباحاً في أحد المقاهي في بيروت، شاب يجلس إلى الطاولة المجاورة بكمبيوتر محمول مفتوح وسماعتين في أذنيه وثلاثة فناجين قهوة فارغة أمامه، يبدو غارقاً في عالم لا نراه.
كل ما يريده زحمة أقل، وشبكة إنترنت أسرع.
يبدو هذا الشاب حراً بكل المقاييس الرسمية، فلا مدير يتجول في المكاتب ويسأل كل عدة دقائق ماذا أنجز، ولا بطاقة دوام يبصمها وخصومات على المغادرة باكراً أو التأخر بسبب زحمة السير أو نسيان المنبه، ولا اجتماع صباحي يجبره على ارتداء ابتسامة وقميص مكوي وربطة عنق وأحياناً "قفازات".
ومع ذلك فهو يعمل منذ السابعة صباحاً، وسيستمر حتى منتصف الليل على الأرجح، لأن عميلاً في بلد ما استيقظ للتو ويريد تعديلاً بسيطاً على ملف كان يفترض أنه أغلق أمس أو قبل أسبوع.
المشهد الثاني: على بعد طاولتين، تجلس موظفة في شركة إعلانات، خرجت لتأخذ استراحة الغداء الرسمية، نصف ساعة بالضبط، محسوبة بدقة مدير الموارد البشرية، عليها أن تطلب وتنتظر الطلبية وتأكل وتستريح قليلاً في هذا الوقت.
تنظر إلى الشاب "الحر" بحسد صريح وتفكر أنها ليتها مثله، تعمل من أي مكان من دون رئيس يراقب الساعة.
في المقابل يرفع الشاب نظره لحظة ليراها تغادر إلى مكتبها بهدوء من ينتظره راتب مضمون آخر الشهر، ويفكر ليته مثلها، يعرف بالضبط متى يبدأ اليوم ومتى ينتهي، ومتى تقفل وراءها مكتباً بأوراقه وهمومه وتعود خالية الهم للبيت أو للاجتماع بالأصدقاء.
هذه المشاهد الصغيرة تتكرر يومياً في كل مقهى من وإلى عواصم عربية عدة، ومثلها بقية أرجاء العالم، تختصر مأزقاً أكبر بكثير من مجرد اختيار مهني، وهو مأزق الحرية نفسها، ووجهات النظر التي تحللها. فالعمل الحر لم يعد مجرد نمط توظيف، لقد أصبح شعاراً وجودياً يباع كوعد بالخلاص من قيود المكتب ومن المدير والحضور اليومي والوقت.
لكن الحرية التي وعدنا بها تبين أنها أكثر تعقيداً، وقد تكون أحياناً أكثر قسوة من الوعد الذي حملته.
تسويق العمل الحر
إذا أردنا أن نكون منصفين لكلمة حرية، علينا معرفة أن كلمة العمل الحر أقرب إلى عملية تسويقية منها إلى جوهر فكرة الحرية. فحين ابتكرت منصات العمل عن بعد شعاراتها البراقة مثل كن رئيس نفسك، أو اعمل من أي مكان تريده، كنمط حياة، هي في الواقع كانت تبيع وهماً مريحاً مفاده بأن الحرية تعني غياب الالتزامات. لكن أي شخص عمل من دون أن يكون مثبتاً يعرف أن الالتزامات لم تختف، لكنها تضاعفت وتوزعت على عدد من أرباب عمل بدل واحد، وكل واحد منهم يظن أنه الوحيد الذي يستحق الأولوية.
والمفارقة أن الموظف الذي يفترض أنه ليس حراً غالباً ما يملك وضوحاً لا يملكه زميله "الحر"، فهو يعرف متى يبدأ يومه ومتى ينتهي، ومن هو رئيسه ومتى سيصل راتبه، وإنه مضمون مثلاً ولديه عطل رسمية وعطلة سنوية وعطلة مرضية لا تحسم من راتبه.
أما الموظف غير المثبت فيعيش في حالة تفاوض دائم مع الزمن والعميل والذات من دون أية ضمانات، وهي حالة قد تكون أقرب إلى الحرية النظرية منها إلى الحرية الحقيقية، مع قلق دائم حول الشهر المقبل.
مبرمجون على حب الاستقلالية
ولفهم لماذا تستهوينا فكرة أن نكون أحراراً في عملنا إلى هذا الحد على رغم عدم وجود ضمانات، لا بد من العودة لنظرية التقرير الذاتي التي طورها عالما النفس الأميركيان إدوارد ديسي وريتشارد راين عام 1985، التي تعتبر من أكثر الأطر النفسية رسوخاً في فهم الدوافع الإنسانية. تعتبر هذه النظرية أن الإنسان يحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية ليشعر بالرضا في أي نشاط يقوم به، وهي أولاً أن يشعر بأنه يختار بإرادته لا مجبراً، ثانياً أن يشعر بالكفاءة والإتقان فيما يفعله، وأخيراً أن يشعر بالانتماء والارتباط بمن حوله. حين تتوفر هذه العناصر الثلاثة، يصبح الدافع الداخلي أقوى، ويرتفع الأداء والرضا النفسي معه، وهو ما أكدته مراجعات تحليلية شاملة لعشرات الدراسات عبر ثقافات مختلفة.
والمشكلة أن العمل الحر يمنحنا العنصر الأول، أي الاستقلالية، بسخاء، لكنه غالباً ما يسرق منا العنصرين الآخرين، الشعور بالانتماء، لأن لا وجود لزملاء يشاركونك القهوة الصباحية أو يضحكون على نكتة داخلية ويحتفلون سوياً، إضافة إلى الشعور بالكفاءة الثابتة، لأن كل مشروع جديد هو امتحان من جديد لإثبات الجدارة أمام عميل لا يعرف تاريخك ولا إنجازاتك السابقة، وبالتالي قد لا يغفر لك أية زلة أو يقدر أي ظرف.
وهذا بالضبط ما يفسر لماذا يشعر كثير منهم بالإرهاق، على رغم أنهم نظرياً "أحرار".
كما تشير الأبحاث نفسها إلى أن الاستقلالية وحدها، حين تعزل عن العنصرين الآخرين، لا تصنع رضا حقيقياً، وقد تصنع نوعاً من الحرية الجوفاء.
وعلى رغم عيوب المكتب التقليدي واجتماعاته التي لا تنتهي، فإنه يقدم للموظف نوعاً من الرعاية غير المقصودة، قد تظهر بالسؤال عن عائلتك، أو عن تعبك، وقد يؤجل اجتماع لأنك متوعك، إضافة إلى أن المساحة المشتركة سواء كانت مفتوحة أو كل في مكتب مقفل تمنح العمل معنى اجتماعياً يتجاوز الإنتاج البحت. في حين أن الموظف غير المقيد بمكتب هو مدير نفسه وموظفه وقسم الموارد البشرية فيه، وهذا التعدد في الأدوار مرهق أكثر مما يبدو، لأنه يعني أن لا أحد سيلاحظ إرهاقك إلا أنت، وأنت قد لا تكون أفضل شاهد على حالك.
الاستقلالية تنقلب عبئاً
في دراسة نشرت في مجلة ILR Review المتخصصة بعلاقات العمل، أجراها الباحثان الروسيان أندريه شيفتشوك ودينيس ستريبكوف والأميركية شانون ديفيس عام 2018، حملت عنوان "مفارقة الاستقلالية"، وخلصت إلى أن الموظفين غير المثبتين الذين يعملون عبر الإنترنت غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى العمل ليلاً، فقط لأنه لا يوجد من يمنعهم، وأن هذا "التحرر" من ساعات الدوام التقليدية لا يجلب الرفاهية الموعودة، إنما يقوض الشعور بالرضا عن الحياة.
فمع حرية اختيار وقت العمل، سيختارون في كثير من الأحيان الوقت الأسوأ لصحتهم النفسية والجسدية، وهذه المفارقة ليست حكراً على العاملين عبر المنصات الرقمية وحدهم.
تشير دراسات أخرى حول اقتصاد "الغيغ"، الذي يعرف بأنه "اقتصاد الأعمال الحرة الموقتة"، إلى إلى ما يعرف بـ"مفارقة الاستقلالية - التحكم"، إذ تمنح المنصات الرقمية العامل شعوراً بالحرية في اختيار ساعاته، بينما تمارس في الوقت نفسه ضغطاً خفياً عبر خوارزميات تدفعه لزيادة ساعات عمله للحصول على مكافآت أو تقييمات أفضل. وتبدو الحرية هنا ليست غياب القيود، إذ تظهر قيود جديدة أكثر مكراً، لأنها لا تأتي من رئيس واضح المعالم يمكن الاعتراض عليه أو التفاوض معه، إنما من نظام غير مرئي يبتسم لك ويوهمك بالحرية بينما يستنزفك.
وهذا ما يفسر ظاهرة يعرفها كل" فريلانسر" (العامل غير المثبت) جيداً، تصفح البريد الإلكتروني في منتصف الليل فقط للاطمئنان، أو العمل أيام العطلة لأن الوقت مرن أصلاً، وصولاً إلى ذلك الشعور الغريب بالذنب حين تقرر أن تأخذ يوماً كاملاً بعيداً من الشاشة. وبدل أن يخضع "الفريلانسر" لساعة الحائط أو اليد، تجلده الساعة الداخلية بقسوة، لأنها لا تعرف الرحمة ولا تعترف بعطلة نهاية الأسبوع.
والاجحاف ربما أن هذا الانضباط الذاتي المفرط غالباً ما يقدم في خطابات ريادة الأعمال وكأنه فضيلة، وكأن العمل حتى منتصف الليل دليل على الشغف وليس على غياب الحدود.
وكلمة "الشغف" هنا تحولت إلى أداة استغلال ناعمة، فحين تحب عملك يصبح من الصعب أن تعترف بأنك متعب منه، وحين تكون رئيس نفسك يصعب أن تشتكي من رئيسك الذي هو أنت.
الوحدة في زمن التواصل
وتأتي إلى جانب مفارقة الوقت مفارقة لا تقل قسوة، وهي الاتصال.
فـ "الفريلانسر" متصل بالإنترنت طوال الوقت، ويتلقى الرسائل من كل الاتجاهات، لكنه في الوقت نفسه قد يكون وحيداً فعلياً. وتشير دراسات حديثة حول الصحة النفسية للعاملين في الاقتصاد المرن إلى أن الوحدة تعد من أبرز التحديات التي تواجه هذه الفئة، وأنها ترتبط بارتفاع معدلات القلق وضعف القدرة على التكيف مع الضغوط، إلى جانب عدم الاستقرار المالي الذي يضاعف من حدة التوتر اليومي.
فحين يغيب الدعم المؤسسي والزمالة والعلاقات اليومية يصبح كل يوم عمل بمثابة مساحة فردية بامتياز، لا يشاركك أحد فيها فرحة إنجاز مشروع أو إحباط رفض عرض ما.
والأكثر إيلاماً أن هذه الوحدة تحدث في أكثر العصور اتصالاً في تاريخ البشرية.
فنحن نعيش وسط عشرات تطبيقات التواصل، وعلى رغم ذلك يشعر كثيرون بأن لا أحد يعرف حقاً ما يقومون به نهاراً وليلاً في ساعات العمل المرنة والمطاطة.
في حين لدى الموظف في الأقل زملاء يشتكون معه من المدير نفسه أو السياسة ويشاركونه استراحة القهوة، وقد يعرفون تفاصيل يومه الصغيرة.
ثمن الحرية عبء نفسي ومالي
هناك بعد آخر يتجلى بالعلاقة بين عدم الاستقرار المالي والصحة النفسية.
وتشير الدراسات التي تناولت العاملين في اقتصاد "الغيغ" بوضوح إلى أن غياب الدخل الثابت الذي يترجم إلى قلق مادي عابر يتحول مع الوقت إلى حالة توتر مزمنة تشبه حالة الترقب الدائم من الناحية النفسية. فالعامل "الحر" يقلق في شأن الفاتورة القادمة كما يقلق في شأن الفاتورة التي لم ترسل بعد لعميل قد يختفي، أو تلك التي أرسلت ولم يصل ردها بعد أسبوعين من الصمت.
هذا الترقب المستمر يستنزف طاقة ذهنية لا يشعر بها الموظف الذي يعرف أن راتبه سيصل في آخر الشهر، بصرف النظر عن مزاجه أو مزاج مديره.
هذا القلق المالي قد يدفع "الفريلانسر" إلى قبول مشاريع لا يريدها بأسعار لا تليق بمهاراته أحياناً، لتهدئة ذلك الصوت الداخلي الذي يحذر من فقدان الفرصة أو عدم وجود عروض أخرى.
انتظار آخر الشهر
في هذا الصراع والمفاضلة بين التوظيف الشهري والعمل بالقطعة تبرز آراء مختلفة، كل يرى من زاويته.
تعتبر أمية أن العمل الحر في تصحيح النصوص جعل وقتها أفضل بكثير، على رغم أنها تضطر أحياناً إلى العمل أكثر وفي العطل إلا أنها تجد نفسها حرة أكثر، تقول إن الأعمال المكتبية تستنزفها تماماً وتجعل تخسر طاقتها، فهي تماماً بأوقات تسليم المواد، وعلى رغم التعب تعتبر أن وقتها ملكها.
وتقول هنادي التي تعمل في شركة تنظيف أنها كثيراً ما عملت لحسابها وكانت تجني أموالاً أكثر، تنظف البيوت والمكاتب بالساعة، ولا أحد يقاسمها ما تجنيه. كانت ترفض كلياً أن تعمل لصالح مكان واحد، إلى أن تعرضت مرة لوعكة وبقيت لشهرين من دون عمل فاستغنى عنها معظم عملاؤها. تقول إنها لو كانت موظفة لربما قدرت الشركة ظرفها وضمنت حقها بالعلاج، وبالعودة للعمل عندما تشفى.
من جهته يعتبر مارون الذي يعمل في التصميم الرقمي أن العمل الحر أفضل مادياً على المدى القريب، لكنه في الواقع لا يؤمن ضماناً صحياً ولا معاشاً تقاعدياً ولا تعويضاً، ويبقى على الشخص أن يجمع كل ذلك من الفائض إذا توفر، كما أنه قد يضطر إلى العمل الكثيف في شهر ما ويتوقف لشهور، فالأمان المهني غير موجود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما هاني الذي عمل لفترة في البرمجة وجد نفسه مضطراً لأن يؤسس شركته الخاصة حتى يستقطب شركات كبرى، ويقول إن الشركات الضخمة لا تحبذ العمل مع أشخاص قد لا يلتزمون أو يختفون، ويبحثون عن شركات لتوقيع العقود معها لسير العمل بصورة واضحة وقانونية وقابلة للمطالبة، ولأنه عمل بصورة حرة لفترة طويلة من وقته لا يجبر هاني الموظفين بدوام، ويعمل معهم على أساس الإنتاج، ويجد أن هذه هي الطريقة المثلى للعمل.
على المقلب الآخر يتمسك الموظفون بالأمان الوظيفي على رغم أنهم قد يحسدون "العملاء الأحرار، ويعتبرون أنهم يتسكعون أثناء العمل ويأتون بنتيجة مادية أكبر وبوقت حر أوسع.
مها التي تعمل داخل أحد المتاجر تقول إن عملها يجعلها تقف طوال النهار وتتحمل الناس لبيع قطعة ملابس، وتتمنى لو كان لديها صفحة على "إنستغرام" للبيع بدل أن تضطر إلى هذا العمل المضني، وعلى رغم أن لديها ضماناً صحياً وعطلة سنوية إلا أنها تقول "الروتين اليومي قاتل".
بدوره يرى محمد أن عمله كموظف في شركة إعلانات فيه استقرار مادي ومحفزات جيدة، فيما روتين العمل جعله ينظم وقته فينال قسطاً من الراحة، ووقتاً مع العائلة والأصدقاء، ويسافر أحياناً في العطل السنوية، كما يعتبر أنه لا يضطر إلى البحث عن العملاء، فهو يقوم بدوره على أكمل وجه ويترك الهموم الأكبر لمديريه.
ويتمنى روبير الذي يعمل موظفاً في شركة نقليات أن يكون العمل بتوقيته خاصة أنه يكره الاستيقاظ باكراً، لكن العملاء يفضلون استلام أثاثهم أو أغراضهم قبل حلول الظلام. ويعتبر أنه ربما من الأفضل له أن يعمل في الليل في عمل آخر مثل الأمن أو الحراسة، خصوصاً أنه يشعر بأنه أكثر حيوية بعد غياب الشمس.
مهن لا تحتمل الحرية
إذا أمعنا التفكير سنجد أن ليست كل المهن قابلة للتحول إلى عمل حر أصلاً، حتى أن بعضها يتحول إلى كارثة إن حاولنا تحريره من إطاره المؤسسي.
فالمهن التي تنسجم طبيعياً مع نمط" الفريلانس" هي في معظمها تلك التي تقاس بالنتيجة النهائية وليس بالحضور الجسدي، كالكتابة والترجمة والتصميم الغرافيكي والبرمجة والتسويق الرقمي والتصوير والاستشارات وسواها. في هذه المهن لا يهم العميل إن أنجزت المهمة من غرفة نومك أو من شرفة تطل على البحر أو على الطرف الآخر من الكوكب، ما دام وصل إليه الملف في الموعد وبالجودة المتفق عليها.
بينما هناك مهن تحتاج بطبيعتها إلى إطار مؤسسي ثابت، لأن جوهر العمل نفسه يتطلب ذلك، وليس لعدم مجاراة الاقتصاد المرن.
فلا يمكن للطبيب الجراح أن يكون "حراً" بالمعنى الحرفي، فالمهنة تحتاج إلى فريق متزامن ومعدات مؤسسية ومسؤولية قانونية موزعة تحمي المريض، والمعلم في مدرسة يحتاج إلى استمرارية العلاقة مع الطلاب على مدار عام كامل، والصحافي الاستقصائي قد يحتاج إلى غطاء مؤسسي يفتح له الأبواب المغلقة ويحميه قانونياً، ومقدم البرامج عليه أن يحضر أثناء التصوير ومثله المخرج والمصورون والتقنيون.
وينطبق الأمر نفسه على أي عمل يتطلب سلطة تراتبية واضحة لاتخاذ قرار لحظي والأمثلة كثيرة من مدير مصنع إلى كابتن طائرة أو ممرضة في غرفة طوارئ، جميعهم يعملون في سياق لا يحتمل غياب السلسلة المؤسسية التي تحدد من يقرر ومتى.
ويبدو أن الخط الفاصل بين الفئتين ليس دائماً خطاً واضحاً، فالمنطقة الرمادية واسعة وتتحرك فيها مهن كثيرة بحسب الظرف. فالمحاسب يمكن أن يعمل حراً لعملاء صغار، لكنه يحتاج إلى وظيفة ثابتة إن أراد التعامل مع شركات كبرى تطلب توقيعاً مؤسسياً موثوقاً. والمهندس المعماري قد يبدأ مشاريعه الأولى كفريلانسر، لكنه سيحتاج عاجلاً أم آجلاً إلى مكتب ثابت بمجرد أن يكبر حجم مشاريعه ويستلزم فريقاً دائماً. وحتى الشيف الذي يقدم عشاء خاصاً لأشخاص في منزلهم يعمل حراً بامتياز، لكن الشيف نفسه يحتاج إلى مطبخ ثابت وفريق مؤسسي إن أراد أن يدير مطعماً يستقبل الزبائن كل مساء.
وهكذا يظهر أن القاعدة العملية أية مهنة تحتمل الانفصال عن السياق المؤسسي، من دون أن تفقد جوهرها.
المنطقة العربية والعمل الحر
تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن معدلات العمل غير الرسمي في الدول العربية من بين الأعلى عالمياً، إذ يعمل نحو 60 في المئة من القوى العاملة في القطاع غير الرسمي في بلد عربي نموذجي، وترتفع هذه النسبة بصورة حادة بين الشباب دون سن 25 بحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية عام 2018.
وفي لبنان حيث انهار القطاع الرسمي بأكمله تقريباً بعد الأزمة الاقتصادية، لم يعد الفريلانس ترفاً يختاره شخص يريد أن يكون مدير نفسه، إذ أنه أصبح غالباً الخيار الوحيد المتاح لمن لا يستطيع الهجرة ولا يجد وظيفة ثابتة تدفع براتب جيد، كما يشير تقرير البنك الدولي لعام 2021.
وهذا الواقع أنتج جيلاً من الشباب العرب أكثر مهارة في التفاوض والتكيف والعمل عبر الحدود من أي جيل سبقه، وتظهر بيانات من منصات العمل الحر الإقليمية أن غالبية المتقدمين لفرص العمل الحر في المنطقة هم من الشباب المتعلمين تعليماً عالياً، وأن العلاقة بين لبنان ودول الخليج تشكل واحداً من أكثر مسارات العمل الحر نشاطاً في المنطقة، إذ يبحث اللبنانيون عن فرص خارج حدود بلدهم، إنها حرية عابرة للحدود، حرية جواز السفر الذي لا يحتاج إلى تأشيرة، لأنه أصلاً لا يغادر الشقة.
لكن التقارير المتعلقة بسوق العمل العربي مثل منتدى البحوث الاقتصادية تشير إلى أن نسبة كبيرة من الشباب العاطلين عن العمل يفضلون الانتظار للحصول على وظيفة حكومية على قبول عمل غير رسمي، ما سماه البنك العالمي بطابور الانتظار الحكومي عام 2014، وهو ما يكشف عن أن القيمة الاجتماعية للاستقرار ما زالت أعلى بكثير من قيمة "الحرية" في الوجدان الجمعي العربي.
كما لا يمكن إغفال البعد الجندري، فمرونة العمل الحر الظاهرية غالباً ما يقدم للمرأة العربية كحل مثالي يوازن بين الإنتاج المهني والمسؤوليات المنزلية، وما يبدو تحررياً على السطح قد يخفي إعادة إنتاج للعبء المضاعف نفسه. وبدل أن تتحرر المرأة من صراع العمل أم البيت، ينتهي بها الأمر أحياناً تؤدي الاثنين في آن، من دون ساعات دوام واضحة تحميها من أي منهما.
العميل الذي لا ينام
تظهر تجربة تعامل الفريلانسر مع العميل الخلل الأعمق في العمل الحر، حيث غياب الحدود المؤسسية التي تحمي الموظف. ففي غياب المؤسسة يجد العامل المستقل نفسه مطالباً بفرض حدوده الشخصية بنفسه، ليتعلم أن الحرية الحقيقية في القدرة على قول "لا" من دون الشعور بعقدة ذنب، خصوصاً إذا كان العميل يتصل ويطلب تعديلات في أوقات تعد بدهياً وقتاً للراحة.
ولا تتوقف الأمور عند الحدود الزمنية وتمتد إلى العلاقات المالية والمهنية، من وعود التخفيض مقابل مشاريع مستقبلية قد لا تأتي، إلى تعديلات العميل غير المنطقية التي تفرض عليك التنازل أحياناً عن رؤيتك الفنية كون العميل أو الزبون لديه ذوقه الخاص.
وفي حين يواجه الموظف ضغوطاً كهذه في مقابل راتب ثابت وحماية وظيفية، يواجهها المستقل في مقابل فاتورة مؤجلة، ليصبح الصبر مهارة مهنية أخرى لا تقل أهمية عن مهنته.
قيود العمل
في الواقع يحمل كل عمل أكان حراً أو توظيفاً في كنفه قيوده الخاصة، من قيد المدير المرئي في مقابل قيد المدير الداخلي الذي لا يعرف الرحمة، وقيد الراتب الثابت الذي يقابله قيد الفاتورة غير المؤكدة، وقيد المكتب في مقابل قيد الشاشة التي لا تطفأ أبداً. والحرية المطلقة ليست موجودة لا في المكتب ولا خارجه، وكل ما يمكننا فعله هو اختيار القيد الذي يشبهنا أكثر، الذي نستطيع أن نتعامل معه من دون أن يستنزفنا بالكامل.
وأحد الجمل الشهيرة التي يقولها" الفريلانسرز" كل على طريقته أن أفضل ما في العمل الحر أنك تستطيع العمل من أي مكان في العالم، أسوأ ما فيه أنك تعمل من كل مكان في العالم وطوال الوقت وبلا توقف.