ملخص
من المرجح أن تشهد أوروبا مستقبلاً ضغطاً مستمراً بسبب شيخوخة السكان والأمراض المزمنة، وتزايد الطلب على الرعاية الصحية، ونقص القوى العاملة، والتقنيات الطبية الجديدة باهظة الثمن، وقوائم الانتظار المتراكمة.
تعد فترات الانتظار الطويلة إحدى أبرز نقاط الضعف في كثير من الأنظمة الصحية الأوروبية، وهي أزمة متنامية تهدد سلامة المرضى، إذ تمتد أحياناً من أسابيع إلى أشهر أو حتى أعوام في جراحات اختيارية، مثل جراحات العظام وإزالة المياه البيضاء.
ولبعض الدول الأوروبية فترات انتظار قصيرة نسبياً، بينما ينتظر المرضى في دول أخرى أشهراً عدة أو حتى أكثر من عام، فما أسباب وجود فترات انتظار طويلة في أوروبا؟ وما الدول التي تمتلك أعلى فترات انتظار؟ وهل ستتمكن الدول الأوروبية من حل هذه المعضلة؟
لماذا تطول فترات الانتظار في الأنظمة الصحية الأوروبية؟
تظهر قوائم الانتظار عندما يتجاوز الطلب على الرعاية الصحية القدرة الاستيعابية المتاحة، لكن هناك عوامل عدة تتفاعل في ما بينها، وأهمها شيخوخة السكان، إذ تعد أوروبا من بين الدول التي تضم أكبر نسبة من كبار السن في العالم، إذ يحتاج كبار السن عموماً إلى مزيد من الخدمات، مثل عمليات استبدال مفصل الورك والركبة وعمليات إزالة المياه البيضاء وفحوص الكشف عن السرطان وغيرها. يزيد هذا الأمر من الطلب، في وقت تعاني فيه دول عدة صعوبة توسيع كوادرها الطبية.
ولا تستطيع المستشفيات حل مشكلة قوائم الانتظار بمجرد شراء مزيد من المعدات، فهي بحاجة إلى جراحين وأطباء تخدير وممرضين واختصاصيي أشعة واختصاصيي علاج طبيعي وغيرهم من المتخصصين. وتواجه دول أوروبية كثيرة نقصاً في القوى العاملة، وصعوبات في توزيع الموظفين بين المناطق الحضرية والريفية.
كذلك تعاني بعض الأنظمة الصحية الأوروبية تجزئة الخدمات، فقد لا تتواصل السجلات الطبية والمستشفيات والأطباء العامون والمتخصصون بكفاءة، مما يؤدي إلى تكرار المواعيد والإحالات غير الضرورية والتأخير.
أيضاً يتعين على الحكومات الموازنة بين الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية والتعليم والدفاع والبنية التحتية وغيرها من النفقات، ويمكن لزيادة تمويل الرعاية الصحية أن تقلل من أوقات الانتظار، لكنها لا تحل تلقائياً مشكلات القوى العاملة والطاقة الاستيعابية.
أية دول أوروبية لديها أطول فترات انتظار؟
لا يوجد تصنيف موحد لـ"أطول فترة انتظار"، لأن فترات الانتظار تختلف اختلافاً كبيراً اعتماداً على ما إذا كنا نقيس مواعيد الطبيب العام، أو استشارات المتخصصين، أو الفحوص التشخيصية، أو استبدال مفصل الورك، أو علاج السرطان، أو أقسام الطوارئ. مع ذلك، تكشف أحدث بيانات منظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية" عن بعض الاختلافات اللافتة، ففي عام 2024، تراوح متوسط وقت الانتظار للمرضى الذين كانوا على قوائم الانتظار من معدل يفوق 50 يوماً في إسبانيا وبولندا والمجر والسويد إلى 667 يوماً في سلوفينيا.
ولشرح الأمور بطريقة مفصلة تراوح متوسط أوقات الانتظار تقريباً بين 67 يوماً في السويد وإسبانيا، و209 أيام في المجر، و343 يوماً في بولندا، و667 يوماً في سلوفينيا، وهذا يعني أن متوسط انتظار المريض في سلوفينيا كان لمدة عامين تقريباً.
وينتظر خمس المرضى في ألمانيا وفرنسا لأسابيع لمجرد رؤية طبيب عام، وفي السويد ينتظر 23 في المئة من المرضى أكثر من أسبوع لرؤية طبيب عام أو ممرضة، فيما يبين نظام الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة كيف يمكن أن تصبح قوائم الانتظار مشكلة هيكلية، إذ وصل عدد المرضى على قائمة الانتظار للجراحات الاختيارية في المملكة إلى ملايين بعد جائحة كورونا، ناهيك بأن الجراحة الاختيارية ليست سوى جزء من المشكلة، فالفحوص التشخيصية وعلاج السرطان وأقسام الطوارئ ومواعيد الاختصاصيين قد يكون لها قوائم انتظار منفصلة.
ما العواقب؟
الانتظار ليس مجرد عائق إداري، بل قد يتحول إلى مشكلة طبية بحد ذاتها، إذ قد يقضي الشخص المنتظر لجراحة استبدال مفصل الورك أو الركبة أشهراً، وهو يعاني ألماً شديداً وانخفاض القدرة على الحركة، وعدم القدرة على العمل بصورة طبيعية.
ويتسبب التأخير بتفاقم الأمراض، وهذا مهم بصورة خاصة في الحالات التي يكون فيها التدخل المبكر ضرورياً، كتشخيص السرطان والفحوص القلبية الوعائية والتقييم العصبي والتدخل الجراحي.
وقد يبقى الأشخاص الذين ينتظرون العلاج غير قادرين على العمل، ويؤدي هذا الأمر إلى فرض كلف اقتصادية على المرضى وأصحاب العمل والحكومات وأنظمة الرعاية الصحية. وبالتالي فإن طول فترات انتظار الأطباء العامين والمتخصصين يؤدي إلى تدهور حالة المرضى ولجوئهم إلى الرعاية الطارئة، من ثم اكتظاظ أقسام الطوارئ وازدياد الضغط على طاقة المستشفيات.
تفاقم عدم المساواة
إحدى أهم النتائج المترتبة على قوائم الانتظار الطويلة في أوروبا تتجلى بتفاقم عدم المساواة، فتخيل مثلاً شخصين يحتاجان إلى الجراحة ذاتها، أحدهما يملك المال ويستطيع تحمل كلف الرعاية الصحية الخاصة، والآخر يعتمد كلياً على النظام الصحي العام، وهنا قد يحصل الشخص الأول على العلاج في وقت أبكر بكثير. وبالتالي، قد تؤدي قوائم الانتظار الطويلة في القطاع العام إلى خلق تجربة رعاية صحية غير متكافئة، حتى في الدول التي تعد فيها الرعاية الصحية شاملة رسمياً.
وبذلك تشير بحوث منظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية" إلى أن فترات الانتظار تعد مصدراً مهماً للاحتياجات الصحية غير الملباة، وعاملاً محتملاً يسهم في تفاقم عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما الذي سيحدث لأوقات الانتظار في أوروبا مستقبلاً؟
من المرجح أن تشهد أوروبا مستقبلاً ضغطاً مستمراً بسبب شيخوخة السكان والأمراض المزمنة، وتزايد الطلب على الرعاية الصحية، ونقص القوى العاملة، والتقنيات الطبية الجديدة باهظة الثمن، وقوائم الانتظار المتراكمة.
ستتمكن بعض الدول من تقليل تراكم المرضى، بينما قد تشهد دول أخرى استمرار ارتفاع أوقات الانتظار بصورة ملاحظة. من جهة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسن جدولة المواعيد وإدارة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات وتحديد أولويات التشخيص وفرز المرضى والتنبؤ بالإلغاءات واستخدام غرف العمليات. وتستكشف البحوث حالياً أنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي لتوزيع المرضى على مرافق الرعاية الصحية، وفقاً لتوقعات أوقات الانتظار ومدة الإقامة.
كذلك قد تتيح المراقبة عن بعد والأجهزة القابلة للارتداء والطب عن بعد إمكان إدارة حالات بعض المرضى في منازلهم، بدلاً من إشغال طاقة المستشفيات. فيما قد يسهم الطب الوقائي في تقليل قوائم الانتظار في المستقبل، إذا تمكنت أوروبا في الوقاية من الأمراض المرتبطة بالسمنة وداء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، وبعض أنواع السرطان ومضاعفات الشيخوخة.
إذاً من المحتمل أن تجمع أنجح الأنظمة الأوروبية بين زيادة عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتحسين التنظيم، واستخدام التكنولوجيا الرقمية والوقاية، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، والاستثمار الموجه في طاقة المستشفيات. وتظهر بيانات حديثة أن بولندا حققت انخفاضات كبيرة في أوقات انتظار جراحة المياه البيضاء، واستبدال المفاصل بعد زيادة التمويل.