Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية أغنى مدينة وأفقر شعب: لمن نفط البصرة؟

أسهمت الشركات غير المنضبطة في تلويث واسع لهواء وأرض المحافظة مما أدى الى أمراض خطرة

تراكمت الأزمات البيئية والاقتصادية في البصرة طوال عقود مضت (مواقع التواصل)

ملخص

انتُهكت البصرة خلال الأعوام الثمانية للحرب العراقية – الإيرانية، إذ تعرضت لقصف شديد جعلها تنتكس حضارياً ونفسياً واجتماعياً، وكذلك فإنها تعاني تحولات بيئية خطرة جراء الإهمال وقطع مياه الأهوار التي كانت رئة لتصفية الملوحة في شط العرب، فامتلأت الغواطس فيه وتوقفت الملاحة".

يقف رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب شامخاً قبالة شط العرب، ليذكر البصريين بتاريخ هذه المدينة العربية الأولى في التاريخ الإسلامي، التي بناها العرب خارج الجزيرة العربية، ليعلنوا ولادة عصر عربي مجيد للفتوحات الإسلامية، وبدء تاريخ طويل بين عرب العراق وخصومهم الفرس الأزليين.

كيف تجوع البصرة بعائداتها النفطية؟

كان السياب يرى من قريته التي ولد فيها على الخليج، جيكور، حجم الحيف الذي تعرض له شعبه حين قال

 "كل عام حين يعشب الثرى نجوع...

 ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع...

 مطر مطر مطر..."

وكيف تجوع البصرة وهي أرض النفط والنخيل والثروات والبطائح التي تمدها بالخيرات، حتى إن العراق سميّ "أرض السواد" لتزاحم النخل وكثافته فيه، ففي البصرة وحدها كانت هناك 30 مليون نخلة لأكثر من 1000صنف ونوع من التمور التي تفيض عن حاجتها لتصدر بأرقى الأنواع.

ولكن البصرة شاخت بـ 1400عام من عمرها، منذ أمر ببنائها الخليفة عمر بن الخطاب على يد الصحابي عتبة بن غزوان، ومنها انطلقت الفتوح الإسلامية عبر التاريخ الأموي والعباسي.

خراب أزلي

لا يزال أهل البصرة يستذكرون المثل الشهير عن مدينتهم "بعد خراب البصرة"، وهو مثل لاستعارة عن حدث وقع حتى بعد انتفاء الحاجة إليه، وقد عمّ المثل بعد أن أُحرقت البصرة بيوتا وحارات عشية سيطرة الزنج (255 - 270هـ)، فكان هذا خرابها الأكبر، بعد خرابين مرّا إبان غزو المغول للعراق عام 1258 ميلادية، إذ حَكمها الزنج نحو 20 عاماً، وفشلت محاولات الخليفة العباسي المعتمد أحمد بن المتوكل باستعادتها إثر حملات تصطدم بموانع القوة وطبيعة الأرض المسماة البطاح (الأهوار)، حتى استرجعها متأخراً.

والتاريخ حاضر في مدركات البصريين، وهم يستعيدون الحروب الحديثة التي أعادت لأذهانهم حياتهم التي مروا بها أيام الحرب العراقية - الإيرانية التي دامت ثمانية أعوام (1980- 1988)، وكانت مدينتهم مسرح عملياتها حين احتمى الجيش العراقي في بساتين النخيل لدرء القذائف التي ظلت تنهمر عليهم، فقتلت مئات آلاف الجنود وملايين النخيل معاً، وخربت عالماً أسطورياً من قرى وبساتين غناء من الثمر الذي تحول إلى أرض يباب، خلفته تلك الحرب العبثية.

وجاءت حرب الخليج الثانية عام 1991 بعد غزو الكويت، لتكمل ما تركته الحرب مع إيران حين قصفت البصرة بقسوة، ودمرت منشآت الطاقة ومصانع البتروكيماويات ومحطات توليد الكهرباء، إذ سحق التحالف الدولي الجيش العراقي على مشارف البصرة بأنواع الطائرات أثناء عملية الانسحاب من الكويت، مما خلّف أوضاعاً كارثية للبيئة البصرية والبنية التحتية، يدفع المواطن البصري كلفتها حتى الوقت الحالي.

سياسات مجتمع الحرب

يقول عضو مجلس أمناء مؤسسة الحكومة المحلية المهندس مازن السعد، إن "البصرة بدأت تتراجع وتفقد قيمتها، بسبب السياسات المتخلفة التي قادت العراق، بدءاً من الحرب العراقية - الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، والتي كانت المحافظة فيها جبهة قتال، ففقدت كل معاني الجمال وتحولت إلى مدينة للأشباح، وتراجعت تركيبة النسيج المدني والاجتماعي، وفقدت كثيراً من قيمها الحضارية، وأصابها ما أصاب البلد من تراجع، وحين  دخلها الغرباء أجهزوا عليها لتصبح مثالاً للتلوث والتشوه الحضري والتراجع المعرفي، والأسوأ من ذلك التغيير الديموغرافي الذي لحق بها، فبعد أن كانت مدينة التلاحم المجتمعي أضحت منبراً للقيم والأعراف الدخيلة على المدينة، من عادات وتقاليد بالية أساسها التخلف والجهل الاجتماعي، وما بين هذا وذاك يبقى الأمل معقوداً على من بقي من أهل المدينة الأصليين، من شمالها لآخر نقطة في جنوبها، وهم القلة القليلة". 

يستعيد الباحث السعد صورة مدينته السابقة قبل أن تجتاحها الحروب وتزج بها في أتون واقع ملتبس من المغامرات العسكرية، فيقول "كانت أول مدينة في المنطقة عرفت التطور والحداثة والفنون، وقد أعطاها التنوع الجميل في سكانها أبهى وأرقى صفات الطيبة والنقاء، وكانت قبلة للأعمال والسياحة الخليجية، يقطعها قطار الشرق السريع الذي ينطلق من المعقل وسط البصرة، ليحط رحاله في لندن عبر سوريا وتركيا وروما ثم باريس، وهو حلقة وصل بين الشرق والغرب، وكذلك فإن مطارها الجميل الذي يستقبل الطائرات على الماء واليابسة من أبهى وأجمل مطارات العالم آنذاك، وضمن أول 50 مطاراً عالمياً أنشئ على الخليج".

 

ويتابع السعد أن "نسبة كبيرة من البصريين يتحدثون الإنجليزية والهندية والفارسية، وتستقبل المراكب والسفن بملاحيها من مختلف بقاع العالم، ويقصدها التجار لتبادل اللؤلؤ الذي يصطاد في الخليج ويباع في البصرة، وكذلك الأخشاب والسلع الأخرى، ويفخر التجار والمتبضعون بشراء بضائعهم من البصرة، كونها المركز التجاري الأول في الشرق الأوسط، فعصب اقتصاد العراق تدرج من هذه المدينة الناهضة، ودورته بدأت بالتمور ثم الموانئ وأخيراً البترول، والثلاث من البصرة، وكل هذا الرفاه الاقتصادي فقدناه بعد حرب الثمانينات والحصار وحرب الخليج الثانية، ولذلك فإن البصرة تعاني اليوم كثيراً تركة هذا الواقع". 

ترييف المدينة وسطوة العشائر 

أما عميد كلية الإعلام بجامعة بغداد الباحث هاشم حسن التميمي فيقرأ مشهد البصرة الحالي من بُعد آخر، إذ يوضح أن "معاناة البصرة تنحصر في أن سكانها الأصلاء متمدنون وأسر معروفة، خصوصاً بروزهم من قبل العهد الملكي، فكانت إدارة الفاو والنفط والمنشآت والبواخر تدار على الطريقة البريطانية، لكن هذه المدينة تعرضت لموجة من الهجرة من المحافظات المجاورة، بخاصة من العمارة والناصرية ومناطق الأهوار، ووفد إليها عناصر من دون ثقافة، فنقلوا الأريفة والقيم العشائرية البالية إلى داخل البصرة، حتى إن مجلس المحافظة من خارجها، ولذلك مُسخت الهوية المتمدنة لهذه المدينة، ولا سيما أنها ميناء يستقبل مئات الأشخاص من جميع بلدان العالم في مرافقها السياحية والحضارية".

ويضيف التميمي أن "البصرة انتُهكت خلال الأعوام الثمانية للحرب العراقية – الإيرانية، فتعرضت لقصف شديد جعلها تنتكس حضارياً ونفسياً واجتماعياً، وكذلك فإنها تعاني تحولات بيئية خطرة جراء الإهمال وقطع مياه الأهوار التي كانت رئة لتصفية الملوحة في شط العرب، ثم امتلأت الغواطس فيه وتوقفت الملاحة، فقد كانت البواخر تصل إلى موانئ داخل البصرة، وهذا الوضع أنهى حياتها الاقتصادية على رغم صرف موازنات كبيرة عليها، ومما زاد الطين بلة غياب محطات تحلية حقيقية كما في مدن الخليج المجاورة، إضافة إلى فساد مجالس المحافظة، والحديث عن مشاريع وهمية نهبت أموال الدولة، واستنفذت موازنات المحافظة، ولم نشهد عمليات تطوير حقيقية". 

ويضيف الباحث أن "البصرة أمست مركزاً للأحزاب الشيعية المتطرفة، وهذه الأحزاب قضت على حرية التعبير وعلى الناشطين في المدينة، وتعرضها لموجات عشائرية تجتاحها في أي وقت على أتفه مشكلة، وموجات مسلحة وصراعات دامية بين القبائل المتحالفة مع الميليشيات، وكذلك أسهمت الشركات النفطية غير المنضبطة في تلويث واسع لهواء وأرض ومياه المحافظة، مما أدى الى أمراض خطرة وانتشار السرطانات بصورة واسعة، فأصبحت البيئة غير صالحة للزارعة والسكن بعد تلاشي مزارعها وبساتينها التي استحالت صحارى قاحلة".

"البترو-دولار" لم يوقف التردي

وعلى رغم التنوع البيئي والموارد المالية الضخمة، جراء تصدير إنتاج النفط العراقي بمعدل 3 ملايين برميل يومياً، وامتلاك البصرة حقولاً واعدة تجعلها في مقدم البلدان النفطية التي تمتلك احتياطاً نفطياً يقدر بما بين 145 و150 مليار برميل، يجعل العراق يحتل المرتبة الخامسة بين دول العالم من حيث ضخامة المخزون النفطي، لكن مستوى الدخل للمواطن البصري والعراقي عموماً منخفض جداً قياساً إلى الدول المنتجة المجاورة، إذ يبلغ متوسط الدخل الشهري 567 دولار شهرياً، بحسب مؤشرات الكلفة والرواتب العالمية.

 

وتحاشياً للأخطار البيئية التي يعيشها الواقع البصري، جرى تخصيص جزء من إيرادات النفط لمصلحة المحافظات المنتجة للنفط عبر مشروع أقر عام 2010 باسم "البترو-دولار" لتعويض الضرر البيئي والخدمي جراء إنتاج النفط شمال البصرة والناصرية وميسان وكركوك، ومنح هذا المشروع المحافظات المذكورة مت بين دولار وخمسة دولارات عن كل برميل ينتج في تلك المحافظات، تودع مبالغها في صندوق خاص ينفق على تحسين البنية التحتية للمحافظة، لكنه لم يحل أزمة تدني مستوى العيش، جراء العبث السياسي الذي تقوم به أحزاب السلطة ولجانها الاقتصادية التي توصم بالفساد، فمنذ عام 2003 والأحزاب الشيعية تسعى إلى الهيمنة على البصرة، لكنها اندحرت سياسياً بعد عزوف البصريين عن انتخابهم، وتغليب الزعامات المحلية جراء إحساسهم بحجم الحيف والإفقار.

الهوية المحلية

ويقول رئيس تحرير صحيفة "وطن برس" الكاتب البصري محمد بكر إنه "يمكن وصف المشهد السياسي الحالي بأنه مرحلة الهوية المحلية للبصرة، واللامركزية السياسية، والمطالبة بإنشاء أقاليم البصرة من شخصيات وطنية، لكن تدخل الأحزاب جعل المشروع مجرد فكرة، وبما أن قيادات الأحزاب الكبيرة مثل 'ائتلاف دولة القانون' و'تيار الحكمة' و'المجلس الأعلى' في بغداد، فشلت في تقديم الخدمات لسوء إدارتها للمحافظة، فرفضها المواطن البصري جملة وتفصيلاً، وبات يبحث عن شخصيات بصرية من داخل المحافظة، ومن هنا برز 'تحالف تصميم' بقيادة المحافظ أسعد العيداني كنموذج لهذا التحول بعد فوزه الكبير في انتخابات مجالس المحافظات، محولاً الخطاب السياسي إلى التركيز على الخصوصية البصرية، وحقوق المدينة النفطية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح بكر أنه "بعد الحروب التي عانتها واستياء الشارع البصري من سوء الخدمات العامة، وتراكم الأزمات البيئية والاقتصادية طوال عقود مضت، ومنها مشكلة الماء المالح ونقص الطاقة الكهربائية وعدم تطبيق سياسة البترو-دولار، تراجع دور الكتل التقليدية المرتبطة بـ 'الإطار التنسيقي' وقبلت بالأمر الواقع والتفاوض مع القوى المحلية، لتشكيل الحكومات وتوزيع المناصب الإدارية، لتجنب الصراع  المباشر معها".

الهوية المعمارية

ويرى المعماريون العراقيون أن التخريب الذي تشهده البصرة لم يكن وليد اليوم، بل في الخطايا التي ارتكبها المخططون الأجانب، بتشويه المشهد التراثي لها ونقلهم لرؤاهم المعمارية من مدنهم إلى حدود العبث بأقدم المدن العربية في التاريخ، ويقول المعماري المتخصص في الحفاظ على التراث، إحسان فتحي، لـ "اندبندنت عربية"، إن "المشهد الحضري لمدينتي العشار والبصرة القديمة تشكل تدريجاً منذ القرون الوسطى وحتى نهاية الخمسينيات من القرن الـ20، مميزاً بشكل أساس التحامهما العضوي بخور (نهر) العشار، والذي بدوره شكل العمود الفقري للحياة الاجتماعية والاقتصادية والتنقل بين المدينتين بواسطة الزوارق العشارية الجميلة، فاكتسبت الضفة الغربية من خور العشار تشكيلاً حضرياً متراصاً من الأبنية والمقاهي التي تعانق الماء مباشرة، مما أكسبها منظراً غاية في الجمال والتأثير البصري، ومنحها خصائص دراماتيكية قلما نجدها في أية مدينة عربية، أو حتى عالمية، عدا مدينة البندقية الإيطالية التي جرى الحفاظ عليها بكل قوة واستماتة".

ويضيف فتحي أن "الحقائق التاريخية المعاصرة تدل على أن الجيش البريطاني الذي احتل الفاو والبصرة عام 1914 لم يهتم كثيراً بتطوير وتحديث المدينة، عدا ما كان يخدم وجوده كميناء المعقل والدوك يارد والمطار والمناطق العسكرية البحتة، وتعود أول محاولة جادة لتطوير المدينة لعام 1956 عندما جرت دعوة المعماري البريطاني ماكس لوك لإعداد أول مخطط أساس للبصرة عام 1976، وكان كارثياً يدل على عدم معرفة أو حتى عدم اهتمام المعماري بتراث البصرة العظيم، إذ تميز مخططه بشق شوارع جديدة عبر المدينة وعلى امتداد الضفة الغربية لنهر العشار، مما يعني هدم أعظم ما تملكه البصرة من تراث معماري وحضري".

ويختم بأنه "مما يؤسف له أن رئيس البلدية آنذاك بين عامي 1957 و1963 أبدى حماسة كبيرة في تنفيذ هذه الشوارع المقترحة، ومن بينها شارع الضفة الغربية لنهر العشار، مما تسبب بهدم أجمل ما تملكه البصرة من مشهد حضري تاريخي عمره لا يقل عن 400 عام، وطوله نحو 1000 متر، ليستبدل بشارع بديل تعيس، ومن ذلك الحين استمر إهمال جميع المباني التاريخية في العشار والبصرة، بل وهُدمت نسبة كبيرة منها، وحتى المخططات الأساس التي أعدت لاحقاً، ومنها 'مخطط دوكسيادس' اليوناني عام 1956، وكذلك مخطط ديفيز البريطاني، لم تعر أية أهمية تذكر للحفاظ على ما بقي من تراث البصرة، وكذلك فإن جميع المحاولات التخطيطية للمدينة، والتي أعدت بعد عام 2003، كانت سطحية ولم تكن تراعي مسألة تراث وهوية البصرة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير