Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفائدة في مفترق طرق... التضخم أم النمو؟

النفط والحروب والإنفاق والذكاء الاصطناعي تربك حسابات البنوك المركزية وتزيد انقسام الأسواق حول المسار النقدي المقبل

 الاقتصاد العالمي أمام مسار نقدي شديد التعقيد وسط توترات متباينة (أ ف ب)

ملخص

تتزايد حيرة البنوك المركزية مع تزامن التضخم وضعف النمو، بينما تربك أسعار النفط والحروب والإنفاق الحكومي توقعات الفائدة وتدفع الأسواق إلى سيناريوهات متباينة.

لم تعد توقعات أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى تسير في اتجاه واضح كما كانت في مراحل سابقة من دورة التشديد النقدي، فبدلاً من وجود إجماع على أن البنوك المركزية تتجه نحو خفض الفائدة أو رفعها، أصبحت الأسواق والاقتصاديون وحتى أعضاء مجالس البنوك المركزية أنفسهم أكثر انقساماً حول المسار المقبل.

ويعود هذا التباين بصورة أساسية إلى أن الاقتصاد العالمي يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً تضخمية وضعفاً في النمو، وهذه معادلة شديدة التعقيد بالنسبة إلى البنوك المركزية، فإذا رفعت الفائدة لمواجهة التضخم، فإنها تخاطر بإضعاف الاقتصاد وسوق العمل، وإذا خفضتها لدعم النمو، فإنها قد تعيد إشعال التضخم، وهنا تحديداً تكمن المشكلة التي تفسر تضارب توقعات الأسواق.

ما الضغوط؟

في الوقت ذاته تواجه البنوك المركزية في العالم ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط عقب اندلاع حرب إيران، والتوسع في الإنفاق الحكومي لمواجهة تبعات الحرب، والاستثمارات الهائلة التي ضخت في قطاع الذكاء الاصطناعي، مما أسهم في ارتفاع نسبة التضخم في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أعلى مستوى لها منذ عامين.

بحسب ما أفادت به وكالة "بلومبيرغ" بأنه في وقت يجري فيه النقاش حول ما إذا كان ينبغي على مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) رفع سعر الفائدة، تتزايد التوقعات بقيام البنوك المركزية في دول أخرى برفع الفائدة وتشديد السياسة النقدية للحد من التضخم، بغض النظر عن السياسة التي يتبعها "الفيدرالي"، مما سيكون له آثار مهمة على السوق.

وأضافت الوكالة أن المتداولين يتوقعون ارتفاع كلفة الاقتراض في كل من اليابان وكندا والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو بوتيرة أسرع منها في الولايات المتحدة خلال العام المقبل.

ومن بين 32 سوقاً تتابعها "بلومبيرغ" تشير التوقعات في ثلثي هذه الأسواق إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة على السندات الحكومية هو أمر غير مناسب لكثير من المستثمرين، إذ إنه من المفترض أن تمثل السندات عنصر أمان وتنويع في المحافظ الاستثمارية يساعد على مواجهة تقلبات الأسواق، مثل وقوع أزمة بسبب الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي أو حرب تجارية واسعة النطاق.

ماذا عن زيادة الأسعار؟

وأظهرت بيانات لوكالة "بلومبيرغ" أن المتداولين يضعون في الحسبان زيادات في أسعار الفائدة تبلغ نحو 400 نقطة أساس عبر سبعة أسواق رئيسة خلال العام المقبل.

وفي اختلاف التوقعات هو أن التضخم أصبح أكثر تعقيداً من مجرد نتيجة لارتفاع الطلب، فقد شهدت الاقتصادات الكبرى خلال الفترة الماضية تراجعاً تدريجاً في بعض مكونات التضخم، خصوصاً مع تباطؤ الأجور وتراجع الطلب الاستهلاكي، لكن في المقابل ظهرت صدمات جديدة مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

في الولايات المتحدة ما زال التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ اثنين في المئة، لكن البيانات الأخيرة أظهرت بعض علامات التهدئة.

وفي الوقت نفسه أدى ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية إلى إعادة المخاوف من موجة تضخمية جديدة.

وتشير أحدث استطلاعات الاقتصاديين إلى أن الغالبية تتوقع بقاء الفائدة الأميركية عند 3.50 في المئة - 3.75 في المئة حتى نهاية 2026، على رغم وجود نقاش داخل "الفيدرالي" حول إمكان رفعها.

إذاً، السؤال لم يعد وحسب: هل التضخم يرتفع أم ينخفض؟ وإنما ما طبيعة التضخم؟ وهل هو موقت أم أصبح أكثر رسوخاً؟

إذا كان ارتفاع الأسعار ناتجاً من النفط والطاقة وحسب، فقد ترى البنوك المركزية أن رفع الفائدة ليس الأداة المثالية لمواجهته، أما إذا بدأ ارتفاع أسعار الطاقة ينتقل إلى الأجور والخدمات والأسعار الأساسية، فسيصبح رفع الفائدة أكثر احتمالاً.

فارتفاع أسعار النفط لا يؤثر فحسب في البنزين والطاقة، بل يمكن أن ينتقل إلى كلفة النقل والإنتاج والغذاء والخدمات، وهذا ما يجعل البنوك المركزية أمام معضلة حقيقية.

في بريطانيا أشار بنك إنجلترا بوضوح إلى أن أزمة الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة تمثلان المصدر الأكبر لعدم اليقين في شأن التضخم.

وقد أبقى البنك سعر الفائدة عند 3.75 في المئة في يوليو (تموز) الماضي، لكنه توقع ارتفاع التضخم مجدداً في وقت لاحق من العام نتيجة انتقال أسعار الطاقة المرتفعة إلى الاقتصاد.

لكن المشكلة أن رفع الفائدة لا يستطيع خفض سعر النفط، لذلك فإن البنك المركزي لا يستطيع معالجة الصدمة الأصلية، وإنما يحاول منعها من التحول إلى تضخم محلي.

ماذا عن البطالة؟

وإذا كان التضخم مرتفعاً، لكن البطالة ترتفع والنمو يتباطأ، فإن رفع الفائدة يصبح أكثر خطورة، وهذا تحديداً ما يجعل بعض الاقتصاديين الأميركيين أكثر ميلاً إلى تثبيت الفائدة بدلاً من رفعها.

فقد أظهرت البيانات الأميركية الأخيرة ضعفاً ملحوظاً في نمو الوظائف، وتراجعت مبيعات التجزئة في الشهر الماضي، مما دفع الأسواق إلى تقليص توقعاتها في شأن رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل.

لذا أصبح لدى "الفيدرالي" هدفان يتحركان في اتجاهين متعاكسين: التضخم يقول "لا تخفضوا الفائدة"، بينما سوق العمل تقول "لا ترفعوها".

وهذا التضارب في البيانات هو أحد أهم أسباب التضارب في توقعات المستثمرين، وهناك سبب آخر مهم: الأسواق لا تسعر فحسب ما يحدث اليوم، وإنما تحاول تسعير ما سيحدث بعد ستة أشهر أو عام.

المستثمر قد يرى ضعفاً في سوق العمل ويستنتج أن الفائدة ستنخفض مستقبلاً، بينما يرى مسؤول في البنك المركزي أن التضخم ما زال أعلى من الهدف، فيستنتج ضرورة الإبقاء على الفائدة مرتفعة.

ولهذا يمكن أن نرى في الوقت نفسه اقتصاديين يتوقعون خفض الفائدة، ومستثمرين يتوقعون رفعها، ومسؤولين في البنك المركزي يرفضون إعطاء أي توجيه واضح.

وهذا ما يحدث حالياً في الولايات المتحدة، حيث ابتعد "الفيدرالي" عن إعطاء الأسواق توجيهات واضحة في شأن المسار المستقبلي للفائدة، مؤكداً أهمية البيانات المقبلة.

وتراجعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل إلى أقل من 50 في المئة وفق بعض مؤشرات السوق، مع انتظار بيانات التضخم والوظائف المقبلة.

مشكلة التباين في البنوك

المشكلة لا تقتصر على اختلاف الاقتصاديين والمستثمرين، بل وصلت إلى داخل البنوك المركزية، في بنك إنجلترا، على سبيل المثال، صوتت الغالبية في يوليو للإبقاء على الفائدة عند 3.75 في المئة، لكن ثلاثة أعضاء فضلوا رفعها إلى أربعة في المئة، وهذا يعكس اختلافاً واضحاً في قراءة الأخطار.

بعض الأعضاء يرون أن التضخم المحلي يتراجع، وأن ضعف سوق العمل والطلب سيؤديان إلى استمرار انخفاض التضخم.

بينما يرى آخرون أن صدمات الطاقة يمكن أن تؤدي إلى آثار من الدرجة الثانية، مثل ارتفاع الأجور والأسعار، ومن ثم تحتاج السياسة النقدية إلى أن تكون أكثر تشدداً، هذا الانقسام مهم جداً لأنه يعني أن المسار المستقبلي للفائدة ليس قراراً محسوماً داخل المؤسسات نفسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الخطأ التعامل مع أسعار الفائدة العالمية وكأنها تتحرك في دورة واحدة، فالاقتصاد الأميركي أكثر قوة من كثير من الاقتصادات المتقدمة، كذلك فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والإنفاق الحكومي والاستهلاك لا يزالان يوفران دعماً للنمو، وقد أشار محضر "الفيدرالي" إلى استمرار بعض عوامل القوة، ومنها الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي والإنفاق الاستهلاكي والسياسة المالية.

أما منطقة اليورو فتواجه معادلة أكثر صعوبة، فقد رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة في يونيو لمواجهة آثار صدمة الطاقة، لكنه في الوقت نفسه خفض توقعاته للنمو. ويتوقع البنك نمواً لمنطقة اليورو بنحو 0.8 في المئة في 2026، مقابل تضخم يبلغ ثلاثة في المئة، مما يعكس بوضوح مشكلة "التضخم مع ضعف النمو"، وهذه هي أسوأ بيئة تقريباً للبنوك المركزية، لأنها تقلل من فاعلية السياسة النقدية التقليدية.

بريطانيا أيضاً تواجه تضارباً بين التضخم والنمو، فقد انخفض التضخم إلى 2.6 في المئة، لكن بنك إنجلترا يتوقع ارتفاعه مجدداً نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
 

وفي الوقت نفسه يرى بعض أعضاء لجنة السياسة النقدية أن الاقتصاد يعاني ضعفاً في الطلب وزيادة في الطاقة الإنتاجية غير المستغلة، بما قد يسمح باستمرار خفض الفائدة إذا هدأت صدمة الطاقة.

وهكذا أصبح السؤال البريطاني ليس فحسب "متى يخفض بنك إنجلترا الفائدة؟"، بل أيضاً هل ستجبره صدمة الطاقة على التوقف عن الخفض أو حتى العودة إلى الرفع؟

حروب الشرق الأوسط

الحروب والأزمات في الشرق الأوسط تؤثر في النفط والغاز والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، ولذلك فإن أي تطور في المنطقة يمكن أن يغير توقعات التضخم ومن ثم توقعات الفائدة خلال أيام.

إذا انخفضت أسعار النفط مع تحسن الوضع الجيوسياسي يمكن أن تعود الأسواق إلى تسعير خفض الفائدة، أما إذا استمرت الأزمة وارتفعت أسعار النفط فقد تتغير التوقعات بسرعة نحو بقاء الفائدة مرتفعة فترة أطول أو حتى رفعها، ولهذا فإن الأسواق لا تسعر فحسب البيانات الاقتصادية، إنها تسعر أيضاً السيناريو الجيوسياسي.

ما السيناريو؟

في المرحلة الحالية يبدو أن السيناريو الأكثر منطقية ليس العودة إلى دورة رفع قوية للفائدة، ولا الانتقال السريع إلى دورة خفض كبيرة، وإنما فترة طويلة من الانتظار والمراقبة.

في الولايات المتحدة، تشير أحدث استطلاعات الاقتصاديين إلى ميل واضح نحو تثبيت الفائدة، مع بقاء احتمال الرفع قائماً إذا ظهرت أدلة جديدة على استمرار التضخم، أما في بريطانيا ومنطقة اليورو فالمعادلة أكثر تعقيداً بسبب حساسية الاقتصادات الأوروبية لأسعار الطاقة، ومن ثم فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة "فائدة مرتفعة فترة أطول" بدلاً من "خفض سريع" أو "رفع متواصل".

التباين الحالي في توقعات أسعار الفائدة ليس نتيجة فشل الاقتصاديين في التنبؤ، وإنما نتيجة طبيعية لاقتصاد عالمي يمر بمرحلة استثنائية تتداخل فيها صدمات عدة في وقت واحد.

لهذا أصبحت توقعات الفائدة أقل يقيناً وأكثر حساسية للبيانات اليومية، وربما يكون أهم تحول في الأسواق هو أن المستثمرين لم يعودوا يبحثون عن "اتجاه واحد للفائدة"، وإنما أصبحوا يبحثون عن نقطة التحول في التضخم وسوق العمل وأسعار الطاقة.

وفي النهاية، فإن السؤال الحاسم خلال الأشهر المقبلة لن يكون فحسب: هل سترتفع الفائدة أم ستنخفض؟ بل سيكون: أي صدمة ستنتصر أولاً، صدمة التضخم أم صدمة ضعف النمو؟

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة