ملخص
موجات الحر الشديدة في أوروبا قد تعيد رسم خريطة السياحة الصيفية، بخاصة للسياح السعوديين والخليجيين الباحثين عن الأجواء الباردة، مع دفع تغير المناخ المسافرين نحو وجهات محلية أبرد وأكثر استدامة.
لسنوات طويلة، كانت أوروبا جزءاً من خريطة الصيف لدى شريحة من العائلات السعودية، ليس فقط لما توفره من تجارب سياحية، بل لأن الطقس المعتدل كان أحد أهم أسباب اختيارها خلال أشهر ترتفع فيها الحرارة في معظم مدن البلاد.
ويبدو أن هذه المعادلة أصبحت أقل وضوحاً خلال صيف 2026، مع تعرض أجزاء واسعة من أوروبا لموجات حر متعاقبة واقتراب درجات الحرارة في دول عدة من 40 درجة مئوية، إلى جانب اندلاع حرائق في مناطق سياحية وإجلاء زوار في بعض المواقع.
وتقول المنظمة العالمية للأرصاد إن موجات الحر أصبحت أكثر تكراراً وشدة وطولاً، مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً.
ولا يعني ذلك أن السعوديين تخلوا عن السفر إلى أوروبا، لكنه أضاف عاملاً جديداً إلى قرار الإجازة، بعدما كان اعتدال الطقس أحد أهم عناصر الجذب.
عطوني منطقه وحده بالوطن العربي كله جوها مثل جو الجنوب السعودي الآن
— الرحال محمد الميموني (@travelers_gulf) July 12, 2026
لن تجدوا
ويلوموني يوم أقول #عسير تتصدر السياحة في المنطقه أستمتعوا بالمنظر والصوت pic.twitter.com/hzSngCo9Ks
نمو متصاعد نحو السياحة الداخلية
ومع ذلك، لا تعني موجات الحر أن السعوديين تخلوا عن السفر إلى الخارج، فالبيانات الرسمية تظهر أن حركة المسافرين الدوليين عبر مطارات المملكة واصلت النمو خلال 2025، وبلغ عدد القادمين والمغادرين على الرحلات الدولية نحو 75.8 مليون مسافر، بزيادة 9.4 في المئة.
لكن اللافت في المقابل هو تسارع السياحة الداخلية، إذ بلغ عدد السياح المحليين في الربع الأول من 2026 نحو 28.9 مليون سائح، بزيادة 16 في المئة على أساس سنوي، فيما وصل إنفاقهم إلى نحو 34.7 مليار ريال.
وكان عدد السياح المحليين قد بلغ 86.2 مليون في 2024، بزيادة خمسة في المئة عن العام السابق، مما يشير إلى أن نمو السفر داخل المملكة سبق موجة الحر الحالية، لكنه قد يجد فيها عاملاً إضافياً يدفع مزيداً من الأسر إلى إعادة النظر في وجهاتها الصيفية.
وفي هذا السياق، تبدو مرتفعات الجنوب واحدة من أبرز المستفيدين من إعادة ترتيب الخيارات، لا باعتبارها بديلاً كاملاً لأوروبا، بل لأنها تقدم أحد أهم الأسباب التي دفعت السعوديين تاريخياً إلى السفر صيفاً: الطقس الأكثر اعتدالاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خيارات بديلة
ويعتقد المهتم بالسياحة فيصل الأحيدب أن ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر التي تشهدها بعض الوجهات الأوروبية خلال فصل الصيف قد تسهم في تغيير خيارات شريحة من المسافرين، خصوصاً الباحثين عن الأجواء المعتدلة والطبيعة والاستجمام.
كما أن ارتفاع تكاليف السفر والإقامة في بعض الوجهات الأوروبية، خلال موسم الذروة قد يدفع بعضهم إلى البحث عن خيارات بديلة، سواء داخل المملكة أم خارجها، وفقاً للأحيدب.
وفي المقابل، تزخر السعودية بتنوع جغرافي ومناخي وثقافي كبير، مما يمنح السياحة الداخلية فرصة قوية لتكون خياراً صيفياً منافساً، خصوصاً مع تطور الوجهات والمنتجعات والتجارب السياحية.
أبها ومنطقة عسير من أبرز الأمثلة على ذلك، فالأجواء المعتدلة نسبياً، والجبال والطبيعة، والقرى التراثية، والمأكولات المحلية، والتجارب الثقافية تجعل المنطقة وجهة مناسبة للسياحة الصيفية.
أما وجهات البحر الأحمر، فقد أصبحت تمثل نمطاً مختلفاً من السياحة، خصوصاً لمحبي المنتجعات والشواطئ والأنشطة البحرية والتجارب الفاخرة، وهي من الوجهات الواعدة ضمن التطور السياحي الذي تشهده المملكة في إطار رؤية السعودية 2030.
وإذا كانت عسير تنافس على عنصر المناخ، فإن البحر الأحمر يدخل المقارنة من بوابة مختلفة، عبر المنتجعات والجزر والتجارب الشاطئية التي كان السعوديون يسافرون بحثاً عنها إلى وجهات مثل المالديف.
وتقع وجهة "البحر الأحمر" على الساحل الغربي للسعودية، ضمن نطاق بحري يشتهر بتنوعه الطبيعي والشعاب المرجانية والجزر والشواطئ، وتقوم فكرتها على تطوير منتجعات وتجارب سياحية تجمع بين البحر والصحراء والجبال، مع التركيز على السياحة الفاخرة والطبيعة والأنشطة البحرية.
البحر الأحمر بدلاً من المالديف
وفي حوار سابق مع "اندبندنت عربية"، قال كبير الإداريين في شركة "البحر الأحمر الدولية" أحمد غازي درويش إن بعض جزر البحر الأحمر تحولت بالفعل إلى خيار لمسافرين كانوا يتجهون إلى وجهات مثل المالديف، لكنه شدد على أن طموح المشروع لا يقوم على أن يكون "بديلاً"، بل على بناء تجربة سياحية مختلفة تستفيد من طبيعة الساحل وما يجمعه من بيئات بحرية وصحراوية وجبلية.
وأوضح درويش أن الشركة تمضي نحو افتتاح 50 فندقاً في وجهة البحر الأحمر بحلول عام 2030، بالتوازي مع تطوير "أمالا" كوجهة تركز على السياحة الاستشفائية وجودة الحياة. وتتوقع الشركة أن تسهم وجهة البحر الأحمر بما يصل إلى 22 مليار ريال (نحو 5.9 مليار دولار)، و"أمالا" بنحو 11 مليار ريال (نحو 2.9 مليار دولار) في الناتج المحلي سنوياً عند اكتمالهما، مع استهداف توفير 120 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بحلول 2030.
تغير بسلوك السائح
وتعكس هذه الخطط توسع الخيارات السياحية داخل السعودية إلى ما هو أبعد من السياحة الجبلية المرتبطة باعتدال الطقس، لتشمل أيضاً الإجازات الشاطئية والمنتجعات والجزر التي كان جزء من الطلب عليها يتجه تقليدياً إلى وجهات خارجية.
ويشير الأحيدب في هذا السياق "نحن لا نتحدث عن استبدال أوروبا بالسياحة الداخلية بصورة كاملة، وإنما عن تغير في سلوك السائح"، مشيراً إلى أن المسافر أصبح أكثر اهتماماً بالطقس والقيمة في مقابل المال وجودة التجربة وسهولة الوصول، وهذا يمنح الوجهات السعودية، خصوصاً عسير والبحر الأحمر والطائف والباحة، فرصة كبيرة لجذب نسبة أكبر من السياحة الصيفية.
من هم "سياح المصايف"
السياحة الداخلية قد تكون بديل للوجهات الخارجية "لسياح المصايف" الهاربين من حرارة الصيف، من دون أن يشغل بالهم مفهوم كسر الروتين أو اكتشاف ثقافات وبيئات جديدة.
وأشار يوسف السديس صانع محتوى سياحي عبر حسابه في منصه "إكس"، إلى مصطلح "colocation"، ويمثل هذا المصطلح اتجاه من اتجاهات السفر، جاء المصطلح من دمج Cool + Vacation ويدل على تبديل وجهة الناس من السفر في الصيف للشمس والبحر إلى مكان بارد، ويرى السديس أن هذا الاتجاه ليس بجديد بالنسبة إلى السياح للسعوديين.
ويضيف لكن في أوروبا الموضوع مختلف لأن الإجازة الصيفية لديهم كانت مرتبطة بالشمس والشواطئ وجنوب أوروبا، لكن الآن مع موجات الحر والحرائق والزحمة أصبحوا يتوجهون شمال لوجهات أبرد مثل النرويج والسويد وآيسلندا واسكتلندا، يعني الـCoolcation مصطلح جديد لديهم، بعكس المسافرين السعوديين، "نحن نطبقه منذ زمن سواء بالسفر للخارج أم حتى داخل السعودية نسافر بالصيف لوجهاتنا الباردة في عسير والطائف والباحة".
ويعتقد السديس أنه إذا استمرت درجات الحرارة بالارتفاع، يمكن خلال الأعوام المقبلة أن نرى تغيراً أكبر في خريطة السفر الصيفية حول العالم.
السياحة والتغير المناخي
من أكثر التساؤلات الشائعة لماذا موجات الحرارة أشد في أوروبا، باعتبار أن منطقة الشرق الأوسط عرفت بأجوائها الحارة، كيف تصبح الآن أخف وطأة بالمقارنة من ناحية الطقس مع دول أوروبا، يفسر أستاذ المناخ عبدالله المسند ذلك بعدد من العوامل، أولها طول النهار صيفاً، إذ إن النهار في أوروبا أطول من النهار في منطقتنا، وقد يزيد على اثنين إلى ثلاث ساعات عن مدن مثل الرياض أو مكة، وطول فترة التعرض للشمس يعني ارتفاع الحمل الحراري على الجسم.
إضافة إلى ارتفاع نسبة الرطوبة ووجود الغابات والأنهار والبحيرات، وقرب المدن من البحار والمحيطات، كلها ترفع الرطوبة الجوية وعند اجتماع الرطوبة المرتفعة مع الحرارة، تتوقف فعالية التعرق، فيفقد الجسم وسيلته الطبيعية في التبريد، مما يؤدي إلى الإجهاد الحراري وربما الوفاة، ومن ضمن العوامل الجوية هو خلو الأجواء الأوروبية من الغبار والعوالق الجوية يجعل الإشعاع الشمسي أكثر قوة ونفاذاً، مما يزيد من الشعور بالحر، إضافة إلى قله سمك الغلاف الجوي في العروض العليا، بحيث يكون الغلاف الجوي أقل سمكاً، وبالتالي يحجب الإشعاع الشمسي بصورة أقل من المناطق الاستوائية، مما يؤدي إلى شدة تأثير الشمس المباشر.
أما بالنسبة إلى العوامل العمرانية وثقافة السكان التي أثرت في درجات الحرارة، سكان هذه البلدان لا يزالون يعتمدون على ثقافة "التهوية الطبيعية"، وذلك بحد تعبير المسند، إضافة إلى غياب أجهزة التبريد، كما أن المباني مصممة لعزل البرودة والاحتفاظ بالدفء، وليس للتبريد أو مقاومة الحرارة، ووجود غرف صغيرة وأسقف منخفضة يؤدي إلى تركيز الحرارة في مساحات ضيقة، وترتفع درجة الحرارة بسرعة داخلها.
قد يكون أحد هذه العوامل أو كلها مجتمعة سبباً في جعل موجات الحر الأوروبية أكثر فتكاً، ومع استمرار ارتفاع حرارة الأرض بفعل الاحتباس الحراري وازدياد انبعاثات غازات الدفيئة، فإن موجات الحر ستزداد قوة وتكراراً واتساعاً.