Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جهاز حماية رؤساء أميركا... إخفاقات وتحديثات منذ التأسيس

لم يجرِ إنشاء أول قوة أمنية دائمة للبيت الأبيض إلا في عام 1842 أي بعد 66 عاماً على إعلان الاستقلال

اغتيل 4 رؤساء في أقل من 100 عام على مدار تاريخ الولايات المتحدة (أ ف ب)

ملخص

في أكتوبر 2025، صرح مسؤولان كبيران في الإدارة الأميركية لشبكة "سي بي أس نيوز" بأن الجناح الشرقي سيهدم، وبأن مكتب البيت الأبيض العسكري سيجري تحديثات على مركز عمليات الطوارئ. وفي يناير 2026، صرح جوشوا فيشر، مدير إدارة البيت الأبيض، أمام لجنة تخطيط العاصمة الوطنية بأن المشروع سيوفر "بنية تحتية مرنة وقابلة للتكيف، تتماشى مع احتياجات المهام المستقبلي".

لم يكن الرئيس الأميركي محاطاً دائماً بحماية. ففي الأعوام الأولى لتأسيس البلاد، اعتقد كثيرون أن الجمهورية الديمقراطية الفتية محصنة ضد العنف السياسي.

ساد ذلك الاعتقاد في وقت جرت عمليات اغتيال متعددة في دول قريبة جغرافياً من الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك ست عمليات ناجحة من أصل أكثر من 14 محاولة منذ ستينيات القرن الـ19 في أوروبا وأميركا الجنوبية، إلا أن الأميركيين كانوا يعتقدون أن بلادهم متحررة من فساد العالم القديم. ففي نهاية المطاف، كانت أميركا جمهورية ديمقراطية حيث يستطيع الشعب التعبير عن استيائه عبر التصويت، بدلاً من اللجوء إلى العنف السياسي، بل إن البيت الأبيض كان مفتوحاً نسبياً، إذ لم يكن يفصل الرئيس عن شارع بنسلفانيا سوى شرطي واحد وسكرتيرة.

وصف المؤرخ الأميركي ويليام سيل عملية حماية الرئيس الأميركي بأنها عملية تعلم، حيث كان الرؤساء وعائلاتهم وجهاز الخدمة السرية يبذلون جهداً للتكيف مع بعضهم البعض.

ومع ذلك جرى نشر حراس عند بوابات البيت الأبيض التي أنشئت حديثاً، وكانت ساحات البيت الأبيض تُسيّر دوريات من قبل حرس نهاري وحراس ليليين، إلا أنه لم يجرِ إنشاء أول قوة أمنية دائمة للبيت الأبيض إلا في عام 1842 أي بعد 66 عاماً على إعلان الاستقلال.

كانت الحراسة في ذلك الوقت لا تتجاوز نقيباً وثلاثة رجال آخرين أدنى مرتبة.

والغريب في المشهد أن فكرة إنشاء حراسة للبيت الأبيض حيث يقيم الرئيس، لاقت معارضة في الكونغرس القاري، فقد حذر السيناتور جون ج. كريتندن من ولاية كنتاكي من أنها "قد تتحول إلى حرس سياسي للسلطة التنفيذية، ولن يكون من الآمن تماماً تنظيم مثل هذه القوة. لقد كانت أشبه بحرس احتياطي صغير، قد يتحول في نهاية المطاف إلى جيش هائل.

لم تتحقق مخاوف كرينتدن، وفي عام 1853، أصبح فرانكلين بيرس أول رئيس أميركي يعين له حارس شخصي متفرغ. كذلك أدخل نظام الحماية الرئاسية ذا المستويين الذي يميز الحماية الرئاسية اليوم. يتألف هذا النظام من محيط خارجي لتأمين مقر الرئاسة، ومحيط داخلي يضم الحراس الشخصيين لحماية الرئيس.

كيف تطور نظام حراسة سيد البيت الأبيض عبر 250 عاماً، وهل كان للحرب الأهلية الأميركية دور متقدم في تعزيز فكرة حماية الرئيس؟

من هناك وإلى هنا، تحولت فكرة حماية الرئيس ومؤسسة الرئاسة إلى كيان أقرب ما يكون إلى مؤسسة وثيقة ولصيقة الصلة بالقوات المسلحة الأميركية، التي تحرس الرئيس صباحاً ومساء، في صحوه ومنامه، في حله وترحاله، براً وبحراً وجواً، وعبر آليات عصرانية تواكب حاضرات أيامنا.

ولنا أن نتساءل: ما الذي يدفعنا إلى الغوص عميقاً في تاريخ قصة تأمين رؤساء أميركا مع نجاحاتها وإخفاقاتها عبر 250 عاماً؟

ترمب وحديث طائرة تركيا

في الثامن من يوليو (تموز) الماضي، وبعد انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة بتركيا، كان على الرئيس الأميركي ترمب أن يغادر، وكما العادة على متن طائرة الرئاسة الأميركية "إير فورس وان".

بالفعل أعلن ترمب ومسؤولون آخرون علناً أنه سيغادر في الموعد المحدد سلفاً على الطائرة ذاتها.

صعد ترمب إلى الطائرة الرئاسية ودلف إلى الداخل أمام عدسات الكاميرات، لكن ما جرى بعد ذلك، كان مناورة غير مسبوقة من جماعة الحرس الخاص القائم على تأمين الرئيس.

باختصار غير مخل تقول الأخبار إنه جرى رصد عنصر بشري يحمل سلاحاً صاروخياً كفيلاً بإسقاط طائرة الرئاسة الأميركية وقت صعودها إلى الأجواء التركية، لهذا جرت مناورة دخول الرئيس للطائرة أمام أعين العالم، ونزوله من باطنها بصورة سرية إلى سيارة بضائع لا تثير الشبهات، ومن ثم استقل طائرة عسكرية أميركية طارت به حتى بريطانيا، وهناك عاد لطائرة الرئاسة مرة أخرى.

هل تهم التفاصيل؟ ربما نعم، لكن في الجزء الخاص بالمهارة التي ميزت المناورة، لا سيما أن الإيرانيين لم ينفكوا يعلنون عن رغبتهم في الثأر لكبار قادتهم، من عند الجنرال قاسم سليماني في الولاية الأولى لترمب، وصولاً إلى مرشد الثورة خامنئي في الولاية الثانية.

نحن هنا إذاً أمام فريق أمني عالي المستوى، على تواصل بلا شك مع بقية الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، التي وفرت ولا شك معلومة التهديد الصاروخي، وعليه فغالب الأمر جرى تنفيذ واحدة من الخطط الموضوعة سلفاً لإنقاذ الرئيس في حال الشك بوجود أي مؤامرة على حياته، وكانت الخطة سيارة البضائع.

هنا يبدو واضحاً أن الخطة المحكمة قد وضعت في غضون ساعات قليلة بعد أن تأكد المسؤولون من مصداقية التهديد الإيراني الموجه ضد ترمب.

هل كانت هذه أول مرة يجري فيها مثل هذا السيناريو؟

الجواب نجده عند "دونالد ميهاليك، وهو عميل سابق في جهاز الخدمة السرية عمل في فرق الحماية للسيد بوش والرئيس باراك أوباما، فيقول "إن جهاز الخدمة السرية استخدم في الماضي مواكب سيارات وطائرات وهمية لنقل الرؤساء سراً".

ويضيف "في كل مرة يكون فيها الرئيس في منطقة يحتمل فيها وجود خطر قتالي، تستخدم الخدمة السرية تدابير وقائية مضادة بما في ذلك استخدام شخص بديل".

ما الذي نعرفه عن جهاز الخدمة السرية الذي يتولى حماية الرئيس الأميركي، وما هو تاريخه وكيف نشأ؟

الخدمة السرية... جدار الوقاية للرئيس

جهاز الخدمة السرية الأميركية USSS، هو وكالة إنفاذ قانون اتحادية تابعة لوزارة الأمن الداخلي الأميركي، وتتمثل مهمته في إجراء التحقيقات الجنائية وتوفير الحماية للقادة السياسيين الأميركيين وعائلاتهم ورؤساء الدول أو الحكومات الزائرين.

لهذا الجهاز تاريخ مثير يعود إلى العقود الأولى لتأسيس الجمهورية الأميركية.

خلال الحرب الأهلية، ازدادت المخاوف الأمنية في واشنطن من إمكانية تسلل قوات الكونفدرالية، الواقعة على الضفة الأخرى من نهر بوتاماك في ولاية فيرجينيا، بسهولة، ومهاجمة الرئيس أبراهام لنكولن في البيت الأبيض.

تولت شرطة العاصمة حراسة مقر الرئاسة، لكن لنكولن لم يرغب في أن يتحول المقر إلى ما يشبه معسكراً مسلحاً. ارتدى الحراس ملابس مدنية داخل المقر، وأخفوا أسلحتهم النارية.

من هنا يمكن القطع كانت لحظة ولادة جهاز الخدمة السرية الذي سيتطور مع الزمن.

لاحقاً وبالوصول إلى عام 1901، وخلال فترة الرئيس ثيودور روزفلت (1901-1909)، تولت الخدمة السرية مسؤولية حماية الرئيس بالكامل.

كان الرئيس روزفلت محاطاً بحراسة مشددة من قبل اثنين في الأقل من عناصر الخدمة السرية، وقد شعر روزفلت بالضيق من هذه الحراسة. يتذكر أحد المراقبين "لم يكن يحب القيود. كان يتمتع دوماً بالحرية والنشاط في حياته، ولذلك وجد يقظة عناصر الخدمة السرية مزعجة وأثار وجودهم الدائم غضبه". وللتفلت من حراسه، كان روزفلت أحياناً يتسلل سراً من البيت الأبيض ويذهب في نزهة منعشة سيراً على الأقدام أو على ظهر الخيل في متنزه روك كريك.

بعد اغتيال الرئيس ويليام ماكينلي في عام 1901، طلب الكونغرس بصورة غير رسمية من جهاز الخدمة السرية توفير الحماية الرئاسية. وبعد عام، تولى الجهاز مسؤولية الحماية الرئاسية بالكامل. وفي عام 1902، أصبح ويليام كريغ أول عميل في جهاز الخدمة السرية يتوفى أثناء تأدية واجبه في حادثة سير أثناء ركوبه في العربة الرئاسية.

اليوم يُخصص عملاء محددون بصورة دائمة لحماية الشخصيات التي تتمتع بحماية دائمة، مثل الرئيس، أما الشخصيات التي تتمتع بحماية موقتة مثل المرشحين للرئاسة ونائب الرئيس ورؤساء الدول الأجنبية، فيجري توفير عملاء خاصين لهم بصورة موقتة من المكاتب الميدانية للخدمة السرية.

منذ أن بدأت مهمة الحماية في عام 1901، توسع عمل الخدمة السرية ليشمل ليس فقط الحماية المادية التقليدية، ولكن أيضاً الحماية من التهديدات الناجمة في المجال الجوي، كما حصل في تركيا والأنظمة الإلكترونية والأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

وفي تقدير جهاز الخدمة السرية، فإن حماية الفرد عملية شاملة تتجاوز مجرد إحاطته بعناصر مسلحة تسليحاً جيداً، وكجزء من المهمة المتمثلة في منع وقوع أي حادثة قبل حدوثه، يعتمد الجهاز على عمل استباقي دقيق وتقييمات للأخطار المحتملة التي قد يتعرض لها الأفراد المحميون.

وهنا لنا أن نتساءل: هل كانت الخدمة السرية حائط صد ورد لم يتمكن أحد من اختراقه، أولاً على صعيد الرؤساء الأميركيين المعنيين بداية بالحراسة والحفاظ على حياتهم، وتالياً البيت الأبيض مقر إقامة الرئيس وإدارة شؤون البلاد؟

اغتيال الرؤساء وإخفاقات الحراسة

في الأيام الأولى للجمهورية الأميركية وكما أسلفنا، كان الاهتمام بسلامة الرؤساء ضئيلاً للغاية، ولم تُتخذ سوى تدابير قليلة لحمايتهم.

كانوا في بعض الأحيان عرضة للإساءة وتلقي رسائل تهديد، كما هي الحال مع رؤساء آخرين في العصر الحديث. لكنهم لم يأخذوا التهديدات على محمل الجد، وعليه فقد أخذوا يتنقلون بحرية من دون مرافقة.

في يوم تنصيبه، سار توماس جيفرسون من منزله إلى مبنى الكونغرس، من دون أي حراسة، وذلك لأداء اليمين الدستورية. وقتها لم تكن هناك سلطة شرطية في واشنطن نفسها حتى عام 1805، حين عين رئيس البلدية قائد شرطة و40 نائباً له.

تلقى جون كوينسي آدامرز عديداً من رسائل التهديد، وفي إحدى المرات، جرى تهديده شخصياً في البيت الأبيض من قبل رقيب في الجيش حوكم عسكرياً. وعلى رغم هذه الحادثة لم يطلب الرئيس أي حماية، واستمر في الاستمتاع بنزهاته المنفردة وسباحة الصباح الباكر في نهر بوتوماك.

على مدار تاريخ الولايات المتحدة، اغتيل أربعة رؤساء في أقل من 100 عام، بدءاً من إبراهام لنكولن في عام 1865. كما جرت محاولات لاغتيال رئيسين آخرين، أحدهما رئيس منتخب والآخر رئيس سابق، وتعرض رؤساء آخرون لمؤامرات لم تنفذ. وقد وقعت المحاولات على النحو التالي:

-الرئيس أندرو جاكسون نجا من محاولة اغتيال في الـ30 من يناير (كانون الثاني) 1835.

-الرئيس أبراهام لنكولن جرى إطلاق النار عليه في الـ14 من أبريل (نيسان) 1865 وتوفي في الـ15 من أبريل 1865.

-الرئيس جيمس جارفيلد أطلق عليه الرصاص في الثاني من يوليو (تموز) 1881 وتوفي في الـ19 من سبتمبر (أيلول) 1881.

-الرئيس ويليام ماكينلي تعرض للاغتيال في السادس من سبتمبر 1901 وتوفي في الـ14 من سبتمبر 1901.

-الرئيس ثيودور روزفلت أصيب بجروح في الـ14 من أكتوبر (تشرين الأول) 1914.

-الرئيس فرانكلين روزفلت نجا في الـ15 من فبراير (شباط) 1933 من محاولة اغتيال في ميامي بولاية فلوريدا.

-الرئيس هاري ترومان نجا من محاولة اغتيال نفذها قوميان من بورتريكو في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1950 .

-الرئيس جون كيندي اغتيل في دالاس في الـ22 من نوفمبر 1963.

-الرئيس رونالد ريغان نجا من محاولة اغتيال على رغم إصابته في الـ30 من مارس (آذار) 1981 أمام فندق الهيلتون في واشنطن.

-الرئيس دونالد ترمب تعرض لمحاولتي اغتيال رئيسيتين واحدة في بنسلفانيا في الـ13 من يوليو 2024، وأخرى في فلوريدا في الـ15 من سبتمبر 2024، إضافة إلى حوادث تهديد واستهداف أمني خطرة أخرى.

وباختصار غير مخل، لم تفلح أجهزة الحرس السري في قطع الطريق بالمطلق على محاولات الوصول إلى الرؤساء الأميركيين، فيما تفيد الإحصائيات بأن واحداً من كل خمسة رؤساء أميركيين تعرض لمحاولة اغتيال، وقتل واحد من كل تسعة رؤساء، ومنذ عام 1865، تعرض واحد من كل أربعة رؤساء لمحاولات اغتيال، ونجح اغتيال واحد من كل خمسة، وخلال العقود الثلاثة الماضية، نفذت ثلاث هجمات.

عن اختراق تأمين البيت الأبيض

علامة الاستفهام الثانية بعد حياة الرؤساء، التي تتقاطع مع فكرة جهاز الحراسة الخاصة، موصولة بالبيت الأبيض، وهل كان تأمينه على مدى الـ250 عاماً عملية مؤكدة بالمطلق، أم إن التاريخ يخبرنا بأنه تعرض لاختراقات بالفعل، بعضها كاد يتسبب في خسائر فادحة؟

بحسب الجمعية التاريخية للبيت الأبيض، كان الرئيس الأميركي توماس جيفرسون أول من أحاط البيت الأبيض بسور.  وعلى مر الأعوام، جرى تحديث السور وتدعيمه إذ استبدلت الأسوار الحديدية المشغولة التي تعود إلى القرن الـ19 في ثلاثينيات القرن الـ20 بسور فولاذي تعلوه رماح برونزيه طويلة. وفي عام 2019، بدأت أعمال ترقية السور الحالي الذي يبلغ ارتفاعه ستة أقدام إلى سور يبلغ ارتفاعه 13 قدماً.

والمعروف أنه بعد هجوم بشاحنة مفخخة على ثكنات مشاة البحرية الأميركية في لبنان عام 1983، جرى بناء جدران خرسانية متينة وراسية قادرة على إيقاف المركبات.

لكن وعلى رغم كل تلك الإجراءات، لم يمتنع المغامرون، وربما المجرمون، عن محاولة الدخول إلى البيت الأبيض قبل أن يتنبه رجالات الحرس السري.

كانت المحاولة الأولى المكتوبة، غالباً سبقتها محاولات غير مرصودة تاريخياً، في الـ13 من أبريل من عام 1912، حين تمكن مايكل وينتر من قطع عدة أقدام داخل الباب الأمامي للبيت الأبيض، بهدف رؤية الرئيس ويليام هوارد، والغريب أنها كانت المحاولة الثانية له.

في الـ26 من سبتمبر عام 1963، اقتحم دويل ألين هيكس البوابات بشاحنته الصغيرة إلى مسافة 25 قدماً من المدخل الرئيس للرواق الشمالي. وعندما أوقفه الحراس، أخبرهم أنه يجب عليه مقابلة الرئيس لأن الشيوعيين يسيطرون على ولايته، كارولينا الشمالية.

ومن حوادث اختراق البيت الأبيض الحديثة، التي كان لها أن تضحى خطرة وقاتلة لو كانت النية شريرة، ما جرى في الـ24 من نوفمبر من عام 2009، عندما تسلل زوجان من ولاية فيرجينيا، ميشيل وطارق صلاحي، اللذان كانا يسعيان إلى الشهرة، إلى حفل عشاء في البيت الأبيض. ووفق شهادة مدير جهاز الخدمة السرية، مارك سوليفان، أمام الكونغرس، فقد تمكن الضيفان غير المدعوين من اجتياز نقاط تفتيش أمنية يديرها ضباط يرتدون الزي الرسمي، واعتذر سوليمان عن هذا الخرق، قائلاً إن عناصر الجهاز انتهكوا البروتوكول بالسماح لصلاحي بالدخول من دون التحقق من وجود اسميهما على قائمة المدعوين.

أما الحادثة الأكثر خطورة فقد جرت في الـ11 من نوفمبر من عام 2011، حين أطلق مسلح النار من بندقية هجومية على البيت الأبيض، فأصاب الجناح السكني للمبنى سبع مرات في الأقل. ووفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، فشل مشرفو جهاز الخدمة السرية في إدراك الخطر، وعدوا إطلاق النار مجرد تبادل لإطلاق النار بين عصابات وليس هجوماً على البيت الأبيض.

غير أنه بعد أربعة أيام، لاحظت مدبرة منزل وموظف استقبال في البيت الأبيض وجود ثقوب رصاص في الجناح.

وبعد خمسة أيام من إطلاق النار، ألقي القبض على المسلح، أوسكار راميرو، في فندق بولاية بنسلفانيا، وفي 2014 حكم عليه بالسجن 25 عاماً في سجن فيدرالي.

والثابت أن جهاز الخدمة السرية لم يعد يواجه الأخطار التي تأتي من البر فقط، فمع تطورات أدوات الهجوم، صارت هناك تهديدات مؤكدة من السماء القريبة.

على سبيل المثال ما جرى في الـ26 من يناير من عام 2015، عندما فرضت الخدمة السرية طوقاً أمنياً حول البيت الأبيض بعد الساعة الثالثة صباحاً بقليل، إثر رصد أحد عناصرها طائرة مسيرة تحلق فوق أراضي البيت الأبيض قبل أن تتحطم في الجانب الجنوب الشرقي من المجمع. وفي وقت لاحق، اتصل موظف في الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية، وهي هيئة حكومية معنية برسم الخرائط والأمن القومي بالخدمة السرية، واعترف بأنه كان يشغل الطائرة المسيرة على سبيل التسلية.

هل تعني تلك الاختراقات التأمينية شيئاً ما؟

المؤكد أنها تؤكد أنه مهما كان من شأن أعمال التأمين والجهود المبذولة لمقاومة الاختراقات، إلا أنها تحدث في كل زمان ومكان.

ما الذي يحدث في حال تعرض الرئيس لأي تهديد كبير أو خطر وهو في البيت الأبيض؟

الجواب يمكن تلخيصه في العبارة التالية "مركز عمليات الطوارئ الرئاسي"، أو الـPEDC، وهو عبارة عن مجال تحت موقع الجناح الشرقي لمجمع البيت الأبيض، وقد كان بمثابة ملجأ آمن ومركز اتصالات لرئيس الولايات المتحدة وغيره في حالات الطوارئ.

جرى بناء الملجأ الأصلي خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك لحماية الرئيس فرانكلين روزفلت في حال وقوع هجوم جوي على واشنطن العاصمة، وقد جرى تحديثه باستمرار طوال فترة تشغيله.

كان مركز عمليات الطوارئ الرئاسي مجهزاً دوماً بأجهزة اتصالات حديثة، بما في ذلك أجهزة تلفزيون وهواتف للتنسيق مع الجهات الحكومية الخارجية. في حال حدوث خرق أمني للبيت الأبيض، بما في ذلك انتهاكات منطقة تحديد الدفاع الجوي في واشنطن العاصمة.

خلال هجمات الـ11 من سبتمبر، جرى إجلاء عدد من الموظفين الرئيسين من مكاتبهم في البيت الأبيض إلى مركز عمليات الطوارئ، وشمل هؤلاء نائب الرئيس ديك تشيني والسيدة الأولى لورا بوش وغالبية طاقم إدارة بوش الابن.

تكرر الأمر في الـ29 من مايو (أيار) 2020 حين هرع عملاء الخدمة السرية بالرئيس دونالد ترمب إلى مركز عمليات الطوارئ الرئاسي في بداية احتجاجات جورج فلويد.

في أكتوبر 2025، صرح مسؤولان كبيران في الإدارة الأميركية لشبكة "سي بي أس نيوز" بأن الجناح الشرقي سيهدم، وبأن مكتب البيت الأبيض العسكري سيجري تحديثات على مركز عمليات الطوارئ. وفي يناير 2026، صرح جوشوا فيشر، مدير إدارة البيت الأبيض، أمام لجنة تخطيط العاصمة الوطنية بأن المشروع سيوفر" بنية تحتية مرنة وقابلة للتكيف، تتماشى مع احتياجات المهام المستقبلية".

 وفي يناير 2026، أفادت شبكة "CNN" بهدم  مركز عمليات الطوارئ PEOC في أكتوبر 2025، إلى جانب باقي الجناح الشرقي، لإفساح المجال أمام مركز عمليات طوارئ جديد مزود بتقنيات أكثر حداثة. وعلى رغم تحديث التقنيات داخل مركز عمليات الطوارئ الأصلي على مر العقود، فإن بنيته التحتية لا تزال تعود إلى أربعينيات القرن الـ20.

وفي مايو الماضي، كشف الرئيس دونالد ترمب أن الملجأ الجديد سيضم ستة طوابق ومستشفى عسكرياً ومرافق بحثية وقاعات اجتماعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شبكة وطنية لمكافحة جرائم عدة

كانت هجمات الـ11 من سبتمبر نقطة مهمة في مسارات جهاز الخدمة السرية، لا سيما بعد أن نص قانون الحماية الوطنية أو "الباتريوت" الأميركي، الذي وقعه الرئيس جورج بوش في الـ26 من أكتوبر 2001، على تكليف جهاز الخدمة السرية بإنشاء شبكة وطنية من فرق مكافحة الجرائم الإلكترونية، إضافة إلى الشبكة العاملة آنذاك في نيويورك، وبذلك، وسع هذا التكليف نطاق عمل أول فرقة مكافحة جرائم إلكترونية تابعة للجهاز، وهي فرقة نيويورك لمكافحة الجرائم الإلكترونية، التي شكلت في عام 1995، التي جمعت بين جهات إنفاذ القانون الفيدرالي والولاية المحلية والمدعين العامين وشركات القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية. وتقدم هذه الجهات مجتمعة الدعم والموارد اللازمة للتحقيقات الميدانية التي تستوفي أياً من المعايير التالية: تأثير اقتصادي أو مجتمعي كبير أو مشاركة جماعية إجرامية منظمة تشمل مناطق متعددة أو منظمات عابرة للحدود أو استخدام مخططات تتضمن تكنولوجيا حديثة.

وفي السادس من يوليو 2009، وسعت الخدمة السرية الأميركية نطاق جهودها في مكافحة الجرائم الإلكترونية بإنشاء أول فرقة عمل أوروبية لمكافحة الجرائم الإلكترونية، استناداً إلى النموذج الأميركي المحلي الذي يوصف بأنه ناجح، وذلك من خلال مذكرة تفاهم مع الشرطة الإيطالية ومسؤولي البريد.

عطفاً على ذلك، فإن الخدمة السرية كذلك بدأت تهتم اهتماماً خاصاً بجرائم سرقة الهوية واختراق الشبكات وبأي جرائم أخرى متعلقة بالحاسوب وتؤثر على البنية التحتية المالية وغيرها من البنى التحتية الحيوية.

هذه التطورات تفتح الباب واسعاً أمام علامة استفهام حول مستقبل جهاز الخدمة السرية في ضوء تطورات أنشطة الذكاء الاصطناعي، وكيف أنه يتحتم على القائمين عليه تطوير قدراتهم في مواجهة تغير أدوات الاختراق والحاجة إلى آليات جديدة للحماية والتأمين.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات