Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عملية تحرير الرهينة الأميركي تعيد ترتيب الأوراق بين حفتر وواشنطن

تساؤلات حول قدرة سلطات شرق ليبيا على الوصول إلى ملف أمني حساس والعمل عبر شبكات تتجاوز حدود الدولة

ملخص

تحرير رهينة أميركية محتجزة لدى "داعش" يكشف جانباً من شبكة نفوذ خليفة حفتر الممتدة من بنغازي إلى دول الساحل، ويطرح أسئلة أبعد من العملية نفسها: كيف بنى هذه القدرة على التحرك خارج ليبيا؟ وماذا يمكن أن يريد من واشنطن في المقابل؟

يتزامن بروز الدور الأمني لخليفة حفتر في الساحل مع تحركات مسعد بولس لتوحيد المؤسسات الليبية وإعادة ترتيب المشهد السياسي، فهل يتحول النفوذ الأمني إلى ورقة تمنح حفتر موقعاً أقوى في التسوية المقبلة؟

لم يكن وصول الأميركي كيفن رايدوت، إلى بنغازي بعد تسعة أشهر من اختطافه في النيجر، مجرد نهاية لقضية رهينة احتجزها فرع لتنظيم "داعش" في منطقة الساحل، بقدر ما فتح نافذة على شبكة نفوذ أمنية وسياسية باتت تمتد من شرق ليبيا وجنوبها إلى عمق القارة الأفريقية، وتمنح القيادة العامة للجيش في بنغازي ورقة جديدة في علاقتها مع الولايات المتحدة.

وكشفت وكالة "رويترز"، نقلاً عن خمسة مصادر، أن سلطات شرق ليبيا اضطلعت بدور رئيس في تأمين الإفراج عن رايداوت وإيصاله إلى بنغازي، قبل تسليمه إلى مسؤولين أميركيين.

وقالت أربعة مصادر إن الإفراج جاء عبر صفقة جرى التفاوض عليها، بينما ذكر أحدها أن فدية دفعت، في حين قدم مصدر عسكري في الجيش الليبي رواية مختلفة تحدث فيها عن عملية عسكرية نفذت داخل مالي لتحرير الرهينة، ولم تتمكن الوكالة من التحقق بصورة مستقلة من رواية العملية العسكرية، كذلك امتنعت الخارجية الأميركية والبيت الأبيض عن التعليق على العملية.

نفوذ عبر الصحراء

غير أن تضارب الروايات حول طريقة التحرير لا يحجب الدلالة الأهم للحدث، وهو قدرة سلطات شرق ليبيا على الوصول إلى ملف أمني حساس داخل فضاء الساحل، والعمل عبر شبكات تتجاوز حدود الدولة الليبية. وذكرت وكالة "رويترز" أن تدخل حفتر يعكس موقعاً بناه لنفسه بوصفه وسيطاً أمنياً متزايد الأهمية في المنطقة، وأنه يستخدم هذا الدور لتحسين علاقته بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن السؤال الذي برز بعد هذه العملية من أين تأتي هذه القدرة على التحرك في فضاء أفريقي شديد التعقيد والخطورة؟

يرى الصحافي والأكاديمي محمد يسري أن "الجغرافيا تقدم جزءاً من الإجابة، فالقيادة العامة تسيطر على معظم شرق ليبيا ومناطق واسعة من الجنوب، حيث تتقاطع الحدود مع السودان وتشاد والنيجر، وهي مساحة صحراوية شاسعة يصعب ضبطها بخطوط حدود تقليدية، وتتحرك عبرها منذ أعوام شبكات تجارة وتهريب وجماعات مسلحة وعلاقات قبلية عابرة للدول".

وتابع "كذلك أن تقارير دولية حديثة تكشف أن جنوب ليبيا لم يعد مجرد منطقة طرفية، بل تحول إلى عقدة لوجستية تربط شمال أفريقيا بالساحل والسودان، لا يعني ذلك أن الشبكات التي ذكرتها هي نفسها استخدمت في ملف الرهينة الأميركية، لكنه يوضح حجم البنية العابرة للحدود القائمة فعلاً في مناطق نفوذ القيادة العامة".

مكاسب جمة

في سياق آخر يتعلق بالمقابل الذي يمكن أن تقدمه واشنطن للقيادة العسكرية في بنغازي مقابل تحرير رهينة أميركية من قبضة تنظيم متشدد، يشير يسري إلى أنه "لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تثبت وجود مقابل سياسي أميركي مباشر مقابل تحرير الرهينة، كذلك لا يوجد دليل معلن على صفقة من نوع (رهينة مقابل اعتراف سياسي)، ولكن لا يمكن الفصل بين عملية التحرير نفسها والمكاسب السياسية الأوسع التي يمكن أن تترتب عليها".

وأوضح "أن تكون قادراً على مساعدة واشنطن في استعادة مواطن أميركي من قبضة تنظيم متشدد يمنحك صورة مختلفة في دوائر القرار الأميركي، من طرف في صراع داخلي ليبي إلى شريك قادر على تقديم خدمة أمنية تتجاوز الحدود. هذا النوع من الرصيد يمكن أن يتحول إلى نفوذ في ملفات أخرى، من التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود إلى موقع القيادة العامة داخل أي تسوية سياسية مقبلة".

مبادرة بولس

في المقابل، ربطت قراءات كثيرة بين العملية المباغتة والغامضة التي تمت في مالي وانتهت بتحرير الرهينة الأميركية كيفن رايدوت، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، لحل الأزمة السياسية في ليبيا وتطور علاقة واشنطن الواضح بمعسكر الشرق الليبي، التي نمت على المستوى الاقتصادي بمنح تراخيص لشركات أميركية في مجال الطاقة بليبيا، ويبدو أنها في طريقها للتطور في الشق الأمني ليس في ليبيا فقط، بل في دول الساحل والصحراء الأفريقية.

وتعمل واشنطن منذ أشهر على دفع خطة لتوحيد المؤسسات الليبية، وربط ذلك بفتح الباب أمام استثمارات أميركية أكبر في قطاع النفط، وقال بولس إن "الهدف هو الوصول إلى حكومة موحدة ومؤسسات موحدة"، في حين تحدثت تقارير عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين معسكري الشرق والغرب.

تضمنت إحدى الصيغ المتداولة للمبادرة فترة انتقالية مدتها 36 شهراً تضع نائب قائد الجيش في بنغازي صدام حفتر على رأس مجلس تنفيذي رئاسي، مع بقاء عبدالحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، وهي مقترحات لم تتحول حتى الآن إلى اتفاق رسمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تراكم أوراق القوة

ويعتقد المحلل السياسي محمد العنيزي أنه "لا يوجد ما يثبت أن عملية تحرير الرهينة جزء من هذه المبادرة، أو أنها مرتبطة مباشرة بتفاصيل تقاسم السلطة، لكن التزامن بين الملفين مهم، بعبارة أخرى قد لا تكون هناك مقايضة، لكن هناك تراكماً وإعادة ترتيب لأوراق القوة".

وأضاف "يزداد هذا المعنى أهمية مع عودة أميركية أوسع إلى ليبيا، فقد عززت القيادة الأميركية في أفريقيا تعاونها العسكري مع الليبيين، إذ استضافت ليبيا إلى جانب ساحل العاج في أبريل (نيسان) الماضي جانباً من تمرين (فلينتلوك 2026) للقوات الخاصة، في مؤشر إلى رغبة واشنطن في بناء شراكات أمنية محلية بدل الاعتماد الحصري على الانتشار المباشر".

رسائل كثيرة

في المحصلة، كما يرى العنيزي "قد تكون أهمية تحرير كيفن رايداوت أقل في تفاصيل العملية نفسها من الرسالة السياسية التي حملها وصوله إلى بنغازي. فالقيادة العامة التي كانت علاقتها بواشنطن خلال أعوام الحرب الليبية شديدة التعقيد، تقدم نفسها اليوم على أنها قوة قادرة على المساهمة في مكافحة الإرهاب وتأمين حدود تمتد إلى واحدة من أخطر مناطق أفريقيا، بينما تبحث الولايات المتحدة عن شركاء جدد بعد انحسار وجودها العسكري المباشر في أجزاء من الساحل".

لكن هنا، بحسب العنيزي، "تظهر المفارقة التي يمكن أن تحدد سقف التقارب الأميركي مع قائد الجيش خليفة حفتر، فالقيادة العامة تحتفظ بعلاقة عسكرية وسياسية وثيقة مع موسكو منذ أعوام، فيما تعدّ واشنطن النفوذ الروسي في ليبيا أحد الأسباب المباشرة للعودة الدبلوماسية الأميركية، كذلك أن تحركات روسيا في ليبيا مرتبطة بنظرتها إلى البلاد كونها بوابة إلى الساحل وأفريقيا".

وتابع "كلما توسعت حاجة واشنطن إلى خدمات القيادة العسكرية في بنغازي الأمنية، ازدادت رغبتها أيضاً في تقليص الاعتماد على موسكو أو على الأقل منع تحوله إلى قناة إضافية لتعزيز الوجود الروسي. ومن هنا يبدو التقارب أقرب إلى شراكة مصالح منه إلى تحالف استراتيجي مفتوح".

وخلف كل القراءات السابقة يكمن السؤال الأهم للمرحلة المقبلة، هل تستخدم واشنطن هذا التقارب الأمني لدفع كل الأطراف نحو تسوية تقود إلى الانتخابات وتوحيد الدولة؟ أم يتحول الاعتراف بأدوار القوى القائمة إلى صفقة جديدة تعيد توزيع السلطة بينها وتؤجل مرة أخرى حسم الأزمة الليبية عبر صناديق الاقتراع؟

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات