Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

احذروا الذكاء الاصطناعي... الشرير

دقائق يوميا كفيلة بتحويل التطبيق من مساعد إلى مصدر أذى ودعاوى قضائية وأبحاث ترسم خريطة اللحظة التي ينقلب فيها على المستخدم

يصعب رسم حد يفصل الاستخدام النافع عن الخطر للذكاء الاصطناعي، لأن الفارق غالباً ما يكمن في طبيعة العلاقة التي يبنيها المستخدم مع التطبيق (أنسبلاش)

ملخص

ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن أدوات بحث سابقة هو قدرته على محاكاة الحوار الإنساني بدقة تجعل المستخدم ينسى أحياناً أنه يتحدث إلى نظام لا يملك ضميراً ولا قدرة حقيقية على الحكم على الصواب من الخطأ.

حين دخلت السيارة حياة الإنسان الحديث، لم يكن السؤال المطروح هل هي مفيدة؟ بل متى تصبح خطرة؟ السرعة الزائدة وغياب حزام الأمان والقيادة في حالة إرهاق، جميعها حدود تفصل الأداة النافعة عن مصدر الأذى.

ويمر الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم بمسار مشابه، لكن حدوده صعبة التحديد لأنها لا تُقاس بالكيلومترات في الساعة، بل بمدى ثقة المستخدم بمحادثة لا تنام ولا تعترض وتكاد لا تخبره يوماً أنه مخطئ.

الحفاظ على التفاعل

حين يخبر مراهق يمر بأزمة أحداً أن العالم لا يفهمه، فإن الصديق أو المعالج البشري يتوقف ويسأل، ويحوّل الحديث، وربما يتصل بأحد. أما النافذة الرقمية فتستمر في الحوار، وتبقي الباب مفتوحاً، لأن إبقاء المستخدم داخل المحادثة هو وظيفتها الأساسية.

وما يجمع بين الحالات التي تعرضت للأذى من هذه المحادثات، ليس أن الذكاء الاصطناعي يخطط لهذا الأذى، فهو بالعمق ليس لديه مطالب مادية بالمعنى الإنساني، هو ببساطة مصمم لإبقاء المستخدم متفاعلاً، وهذا الهدف التجاري قد يتقاطع أحياناً مع أخطر لحظات الهشاشة النفسية عند الإنسان.

الدين المعرفي

إلى جانب الخطر النفسي الحاد، ثمة أذى أكثر هدوءاً وانتشاراً، يتسلل ببطء إلى طريقة تفكير الإنسان اليومية. في يونيو (حزيران) الماضي، نشر فريق بحثي من معمل الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، دراسة قسّمت 54 مشاركاً إلى 3 مجموعات: مَن يكتب مقالات بمساعدة "تشات جي بي تي"، ومن يستعين بمحرك بحث تقليدي، ومن يعتمد على عقله وحده. باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، لاحظ الباحثون أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي أظهروا أقل مستوى تفاعل عصبي بين المجموعات الثلاث، وأن هذا التراجع ازداد مع كل مقال جديد، حتى وصل بعضهم في الجلسات الأخيرة إلى مجرد نسخ ولصق ما يقترحه النظام.

أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم "الدَّين المعرفي"، في استعارة دقيقة، فالاستعانة بالآلة توفر جهداً ذهنياً فورياً، لكنها تراكم كلفة مؤجلة تتمثل في ضعف قدرة الشخص على التفكير النقدي المستقل حين يُترك من دون أداته المعتادة.

أكثر قابلية للتصديق

الأخطر أن الباحثين أشاروا إلى أن مَن يعتمدون على هذه الأنظمة يصبحون أكثر قابلية للتصديق من دون تمحيص، وأقل استعداداً لمساءلة ما يُعرض عليهم، وهو بالضبط عكس المهارة التي يحتاجها أي إنسان ليقاوم التضليل أو التلاعب. الفارق بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة واستخدامه كبديل كامل عن التفكير هو الفارق بين توفير الوقت وسحب العقل من عادة أساسية اكتسبها بالتكرار.

فجوة

وتتفاقم هذه الأخطار كلها حين يكون المستخدم قاصراً، لأسباب متعلقة بمراحل النمو النفسي والعاطفي. ورصدت دعاوى قضائية متعددة رُفعت خلال عامي 2025 و2026 نمطاً متكرراً، مراهقون طوروا علاقات وجدانية عميقة مع روبوتات محادثة، وأصبحوا يفضلون البوح لها بدلاً من أهاليهم، أحياناً بتشجيع مباشر من النظام نفسه.

تفاصيل كثيرة تكشف عن حجم الفجوة بين تصميم موجه لإبقاء المستخدم متفاعلاً، وبين حاجة إنسان هش لمَن يوجهه نحو الدعم الحقيقي.

في أغسطس (آب) 2025، وجه تحالف من 44 مدعياً عاماً في الولايات المتحدة رسالة مشتركة إلى كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في شأن سلامة القاصرين، وفتحت لجنة التجارة الفيدرالية تحقيقاً رسمياً في الإجراءات التي تتخذها هذه الشركات لحماية المستخدمين الصغار، لكن التشريع، مهما بلغت سرعته، يبقى دائماً خطوة خلف التقنية، وهي فجوة تجعل من وعي الأهل والمربين بهذه الأخطار خط الدفاع الأول والأخير.

الخط الفاصل

يصعب رسم حد واحد يفصل الاستخدام النافع عن الخطر، لأن الفارق غالباً ما يكمن في طبيعة العلاقة التي يبنيها المستخدم مع التطبيق، وليس في التطبيق ذاته. وتتبدل هذه العلاقة إلى عبء حين يستبدل الإنسان تفكيره الخاص بإجابات جاهزة من دون تمحيص، وتتحول إلى خطر حين تصبح المحادثة الرقمية بديلاً عن رابطة إنسانية حقيقية، خصوصاً في لحظات الأزمات. والعلامات هنا ليست صعبة الملاحظة لمَن يبحث عنها، انسحاب تدريجي من العلاقات الواقعية وشعور متزايد بأن النظام يفهمك أكثر ممَن حولك، وصعوبة متزايدة في اتخاذ قرار بسيط من دون اللجوء إلى استشارته أولاً.

ربما يستدعي هذا الواقع نقاشاً موازياً لم يحظ بالاهتمام الكافي بعد، وهو مسؤولية الشركات المصنّعة في تصميم أنظمة تعرف متى تتوقف عن المحادثة وتوجه المستخدم نحو مساعدة بشرية، بدلاً من أنظمة تتطور لإطالة زمن التفاعل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعض الشركات بدأت بالفعل بإدخال تعديلات في هذا الاتجاه، لكن هذه الخطوات لم ترتقِ لأكثر من كونها استجابات لاحقة لأزمات وقعت، لا تصميماً استباقياً مبنياً على فهم عميق لهشاشة الإنسان.

في النهاية ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن أدوات سابقة أثارت مخاوف مشابهة، هو قدرته على محاكاة الحوار الإنساني بدقة تجعل المستخدم ينسى أحياناً أنه يتحدث إلى نظام لا يملك ضميراً ولا قدرة حقيقية على الحكم على الصواب من الخطأ.

واليوم، لم يعد سؤال ما إذا كان هذا الذكاء مفيداً أم ضاراً، يشغل بالنا، فالإجابة تعتمد كلياً على مَن يستخدمه وكيف يستخدمه وفي أي لحظة من حياته، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو من يتحمل مسؤولية اللحظة التي يتحول فيها التطبيق من حال المساعدة إلى الأذى؟

هل المستخدم الذي وثق به أكثر مما ينبغي؟ أم الشركة التي صممته ليكون أشبه بصديق لا يخيب أملنا أبداً؟

اقرأ المزيد

المزيد من علوم