ملخص
تحاول "فورمولا إي" إعادة تعريف سباقات السيارات بعيداً من السرعة وحدها، عبر الجمع بين الأداء وكفاءة الطاقة والاستدامة، بالتوازي مع برنامج "القوة الدافعة" بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يعرّف الأطفال بتقنيات السيارات الكهربائية من خلال تجارب تفاعلية. ومع استعداد البطولة لوداع سيارات الجيل الثالث واستقبال الجيل الرابع الأكثر تطوراً، تراهن "فورمولا إي" على تحويل الحلبة إلى مختبر للابتكار، وربط جيل جديد بمفهوم للمنافسة تصبح فيه التكنولوجيا والاستدامة جزءاً من النجاح.
قبل يوم من انطلاق سباق "فورمولا إي" في لندن، تحلّق الطلبة يوم الجمعة 14 أغسطس (آب) حول سيارة الجيل الثالث قرب الحلبة المقامة داخل مركز "إكسل" شرق العاصمة البريطانية، حيث لم تتركز الأسئلة حول من هو الأكثر حظاً بالفوز، بل كيف تكاملت مكونات صغيرة ومعقدة من بطاريات كهربائية وإطارات لتصنع من دون قطرة وقود واحدة من أسرع سيارات العالم من حيث التسارع، وأكثرها تقدماً في كفاءة الطاقة.
جاء ذلك ضمن برنامج "القوة الدافعة"، الذي ينظمه "فورمولا إي" بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي لتعريف الأطفال بمفاهيم مختلفة في العلوم والهندسة والرياضيات والاستدامة من خلال السباقات الرياضية، إذ منذ إطلاقه في أبريل (نيسان) الماضي، استفاد من البرنامج أكثر من 100 ألف طالب في السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا، وأعلن الصندوق السيادي و"فورمولا إي"، الجمعة، توسيع نطاق المستفيدين حول العالم عبر إطلاق منصة رقمية بمحتوى تفاعلي يتكامل مع المناهج المتبعة في المدارس.
السرعة ليست كل شيء
تكمن أهمية هذه المبادرة في أن سباق السيارات الكهربائية يغيّر لدى الأطفال المفاهيم الشائعة عن المنافسة التي كرستها رياضة المحركات التقليدية، ففي "فورمولا إي"، لا يعتمد النجاح على الضغط المستمر على دواسة السرعة فحسب، بل الإبطاء وإدارة استهلاك الطاقة، نظراً إلى أن سيارات الجيل الثالث الحالية تعتمد على توليد ما يقارب نصف الطاقة اللازمة للسباق خلال السباق نفسه عبر آلية الكبح التجديدي.
والمقصود بـ"الكبح التجديدي" أنه عندما تخفف السيارة سرعتها، تتحول محركاتها الكهربائية إلى مولدات تستعيد جزءاً من الطاقة الحركية التي عادةً تُفقد أثناء الكبح، وتعيدها إلى البطارية لاستخدامها مجدداً. وتتأثر استراتيجية السائقين المحترفين بهذه التقنية، فالأسرع ليس بالضرورة هو من يصل أولاً، بل من يعرف متى يسرع، ومتى يوفر الطاقة، وكيف يستعيد أكبر قدر منها من دون خسارة موقعه في السباق.
هذه المفاهيم والتقنيات المكرّسة للاستدامة تعزز فوائد إشراك الأطفال في "فورمولا إي" وهو هدف سعت المبادرة لتحقيقه عبر توسيع نطاق منصة "القوة الدافعة" إلى الأسواق الناطقة بالإسبانية بعد تقديمه بالعربية والإنجليزية. صممت المنصة للطلاب بطريقة ممتعة وتفاعلية تعتمد على الألعاب، وتوفر موارد يمكن للآباء والمعلمين استخدامها لتعليم الأطفال بطريقة تتكامل مع المناهج التي يدرسونها المدارس. ويؤكد محمد الصياد، مدير إدارة الهوية المؤسسية في صندوق الاستثمارات العامة أن توسعة المنصة سيدعم نمو رياضة المحركات الكهربائية، ويطور التنقل المستدام في العالم.
وتتوازى هذه المبادرة مع جهود كسر الصورة النخبوية لرياضة المحركات، إذ تقول نائبة رئيس الاستدامة في "فورمولا إي" جوليا بالي في حديث لـ"اندبندنت عربية" إن "فورمولا إي حاولت منذ تأسيسها في 2014 أن تكون أكثر انفتاحاً على جمهور لا يتابع بالضرورة رياضة المحركات التقليدية، إذ لا يقتصر جمهور الرياضة على عشاق السيارات، بل يضم مهتمين بالابتكار والتكنولوجيا وبالاستدامة، مشيرة إلى أن الحرص على جذب العائلات أدى أيضاً إلى اهتمام متزايد من قبل الفئات السنية الصغيرة.
الحلبة كمختبر أفكار
يبقى الاستثمار تحدياً أمام استدامة هذه الرياضة واجتذابها شرائح أوسع، إذ إن حجم الإنفاق في "فورمولا إي" أقل من نظيره في "فورمولا 1" بكثير، لكن بالي ترى أن هذا الفارق ليس بالضرورة نقطة ضعف، إذ صممت البطولة لتكون أقل كلفة بالنسبة إلى الشركات المصنعة، مع ضوابط على الإنفاق تسمح بتوجيه التطوير نحو تقنيات يمكن أن تجد طريقها سريعاً إلى السيارات التجارية، وبذلك يمكن النظر إلى البطولة باعتبارها مختبر ابتكار وليس مجرد منافسة رياضية إذ إن التقنيات التي تطور للسباق يمكن أن تتحول للاستخدام التجاري.
ومن الأمثلة على ذلك "جاغوار" التي استفادت من الخبرة البرمجية المكتسبة من السباقات في تحسين أنظمة إدارة البطارية والحرارة والكبح التجديدي وتوزيع العزم في سيارة "I-PACE" وأتاح تحديث برمجي مستند إلى هذه الخبرات زيادة المدى الفعلي للسيارة بما يصل إلى 20 كيلومتراً بالشحنة الواحدة.
تبرز تقنيات الشحن السريعة مثالاً آخر، فقد أدخلت البطولة نظاماً يفرض على السيارات خلال بعض السباقات التوقف للحصول على شحنة فائقة السرعة بقوة 600 كيلوواط. وخلال 30 ثانية من الشحن تحصل السيارة على زيادة مقدارها 10 في المئة من طاقتها، في تجربة تجعل الشحن نفسه جزءاً من استراتيجية السباق، وفي الوقت ذاته تشير إلى ما يمكن أن تبلغه تقنيات الشحن السريع مستقبلاً خارج الحلبة.
وتسعى "فورمولا إي" بهذه الابتكارات إلى إعادة تعريف مفهوم رياضة المحركات، وليس استبدال محرك الاحتراق بمحرك كهربائي فقط، إذ تقوم فلسفة البطولة على "زعزعة النموذج التقليدي"، عبر سباقات أقصر تناسب الأجيال الجديدة، ومنتج يقوم على التكنولوجيا والاستدامة إلى جانب المنافسة.
الأثر على الأطفال
من داخل إحدى القاعات التي تجمع فيها الطلاب حول نماذج تحاكي مكونات السيارة الكهربائية، تقول المشرفة على برنامج "القوة الدافعة" آنا بيدهام لـ"اندبندنت عربية" إن قيمة هذه المنصة التعليمية تكمن في القدرة على نقل مواد قد تبدو جافة داخل الفصل إلى سياق حي ومفهوم، مضيفة "كثير من الأطفال يسألون لماذا أتعلم الرياضيات أو العلوم؟ ومتى سأستخدمها؟ أهمية البرنامج أنه يضع هذه المواد داخل سيناريوهات واقعية يمكنهم فهمها والتفاعل معها، فيدركون عملياً أين يمكن استخدام هذه المهارات".
ولا تقتصر هذه السيناريوهات على تصميم السيارة أو بطاريتها، ففي إحدى الورش، يواجه الأطفال تحدياً مستوحى من العمليات اللوجيستية للبطولة، يتمثل في كيفية نقل السيارات والمعدات بين مدن السباق حول العالم بأسرع وقت ممكن وبأقل أثر بيئي. وتوضح بيدهام "نقسم الأطفال إلى فرق ونضع أمامهم تحديات مختلفة. قد يكون عليهم مثلاً معرفة كيف يمكن إيصال جزء من محرك إلى جدة خلال 17 يوماً بالطريقة الأكثر استدامة. هل ينقل بحراً أم جواً؟ وماذا يحدث إذا تأخرت الشحنة في الجمارك؟". وهنا تتحول الرياضيات والعلوم إلى أدوات لاتخاذ القرار، ويصبح العمل الجماعي والتفكير النقدي وحل المشكلات جزءاً من التجربة نفسها.
أما الأثر الذي يبحث عنه البرنامج فلا يتوقف عند ما يتعلمه الطفل خلال ساعات الورشة، بل في الطريقة التي يعود بها إلى المدرسة وينظر إلى مستقبله، إذ تقول بيدهام "نرى أطفالاً يعودون إلى مدارسهم وهم يفكرون بصورة مختلفة في هذه المواد. قد يقول أحدهم ربما أريد الاستمرار في دراسة الرياضيات أو العلوم أو الهندسة لأنني أصبحت أرى الوظائف التي يمكن أن تقودني إليها مستقبلاً".
وداع الجيل الثالث
تجسدت الأفكار المطروحة في القاعات التعليمية على بعد أمتار منها في حلبة السباق يومي السبت والأحد، إذ استضافت لندن الجولة الختامية للموسم الـ12 لبطولة "فورمولا إي".
ولم يحصد سائق بورشه الألماني باسكال فيرلاين أي نقاط في السباق الختامي، إلا أنه تُوج ببطولة" فورمولا إي" للسائقين بعدما أنهى الموسم متقدماً على الجميع برصيد 169 نقطة.
وفيما فاز البريطاني تايلور بارنارد بالسباق، توجت "جاغوار" بلقب بطولة العالم للفرق.
وأحرز فيرلاين أول ألقابه في فورمولا إي في موسم 2023-2024، لينضم إلى الفرنسي جان-إريك فيرن باعتبارهما السائقين الوحيدين اللذين توجا بالبطولة مرتين.
ولم يطوِ سباق لندن الأخير موسماً فقط، بل حقبة كاملة من سيارات الجيل الثالث، فاعتباراً من الموسم المقبل، تدخل البطولة عصر سيارات الجيل الرابع الأكثر تسارعاً وتطوراً في معايير الاستدامة وإعادة التدوير.
وتعد القفزة بين الجيلين كبيرة، فسيارة الجيل الرابع تستطيع التسارع إلى 100 كيلومتر في الساعة خلال نحو 1.8 ثانية، وتبلغ سرعتها القصوى أكثر من 335 كيلومتراً في الساعة، مع قدرة تصل إلى 600 كيلوواط في وضع الهجوم ونظام دفع رباعي نشط، وصممت مكوناتها لتكون قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير بنسبة 100 في المئة.
وبالنسبة إلى مسؤولي برنامج "القوة الدافعة"، تلتقي المفاهيم المقدمة إلى الأطفال مباشرة بما يجري على الحلبة، فالسيارة التي يتحلقون حولها ليست مجرد وسيلة لمعرفة من يصل أولاً إلى خط النهاية، بل نموذج للأسئلة التي يريد صندوق الاستثمارات العامة و"فورمولا إي" وضعها أمام جيل جديد: كيف تُصنع سيارة أسرع بطاقة أقل واستدامة أكبر، كيف تُعزز كفاءة الطاقة في سيارات المستقبل وتنتقل التقنيات التي تختبر تحت ضغط المنافسة من الحلبة إلى الواقع؟
ويختصر مسؤولو "فورمولا إي" هذه الفلسفة بوصف الاستدامة بأنها "سباق بلا خط نهاية"، فمع وداع الجيل الثالث، واستقبال جيل أسرع وأكثر تطوراً، لا يبدو رهان البطولة قائماً على مجاراة "فورمولا 1" في السرعة وحدها، بل على تقديم مفهوم مختلف للسباق، تكون فيه المنافسة أيضاً على من يستطيع الجمع بصورة أفضل بين الأداء والابتكار وكفاءة الطاقة والاستدامة.