Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيلينسكي في بلغراد... لعبة التوازنات المستحيلة

يبدو الرئيس الصربي وكأنه يستطيع أن يقول لموسكو "لم أنضم إلى العقوبات" ولبروكسل "أنا على الطريق الأوروبي" ولكييف "نحترم سيادتكم"

حرص الرئيس الصربي في المؤتمر الصحافي الختامي مع ضيفه الأوكراني على تأكيد عدم مناقشة التعاون العسكري (أ ف ب)

ملخص

كان غريباً أن يستقبل ألكسندر فوتشيتش "ضيفه" الأوكراني بالأحضان وبكل مظاهر الاحتفاء في بلغراد. ولا يمكن أن ننسى في هذا الشأن أن فوتشيتش كان الزعيم الوحيد في "قمة جنوب شرقي أوروبا– أوكرانيا" الذي لم يوقع البيان المشترك بما تضمنه من دعم أمني مستمر لأوكرانيا، وما أشار إليه من زيادة الضغط على روسيا. كما أن فوتشيتش أوضح بعد زيارة زيلينسكي إلى بلغراد أن صربيا لم تغير معسكرها، ولم تنضم إلى زيلينسكي ضد روسيا، وأن موقفها من العقوبات على موسكو لم يتغير أيضاً. 

يرى مراقبون كثر زيارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي إلى صربيا بوصفها حدثاً استثنائياً، كونها أول زيارة رسمية لرئيس أوكراني منذ بدء "العملية العسكرية الروسية الخاصة" في أوكرانيا، فضلاً عن أنها تجيء في وقت بالغ الحساسية يشهد تصعيداً عسكرياً من جانب روسيا، بالتوازي مع تراجع الدعم الأميركي والغربي لأوكرانيا. ولم تكشف موسكو الرسمية عن موقفها من هذا الزيارة، في حين اكتفى التلفزيون الروسي بمختلف قنواته الرسمية ببث مشاهد الاستقبال "الحافل"، بما تضمنه من "عناق حار" بين الرئيسين الصربي والأوكراني، وبعض مشاهد مما جرى من محادثات، ومؤتمر صحافي ختامي". وأشارت الصحف الرسمية وشبه الرسمية إلى أن بلغراد استقبلت ضيفها "استقبالاً حافلاً، سجادة حمراء في المطار، وحراسة شخصية. وبدا كل شيء متناغماً"، وذكرت أن الطرفين ناقشا قضايا التعاون في مجالات التجارة والزراعة والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب توقفها عند تأييد صربيا لوحدة أراضي أوكرانيا وإمكانية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وتعهدها بمواصلة تقديم الدعم الإنساني والمساعدة في إعادة الإعمار بعد انتهاء الأعمال العدائية. فضلاً عما أعرب عنه زيلينسكي من أمل في أن يبرم البلدان اتفاق تجارة حرة بحلول نهاية العام". إلى جانب ما بثته القنوات الإخبارية الرسمية من مشاهد التظاهرات التي احتشدت احتجاجاً على زيارة الرئيس الأوكراني على مقربة من مقر المحادثات.

غير أن ثمة مراقبين أشاروا إلى أن "صربيا هي أقرب حليف سياسي لروسيا في منطقة البلقان، ولم تنضم إلى العقوبات الغربية على موسكو. لذلك، فإن استقبال زيلينسكي رسمياً في بلغراد يحمل رسالة سياسية متعددة المغازى ومتباينة المعاني". وفي هذا الصدد قال آخرون إن "هناك من يرى أن دعوة الرئيس الأوكراني لزيارة بلغراد خطوة دبلوماسية ذكية من الرئيس ألكسندر فوتشيتش تعكس سياسته الخارجية المتعددة المحاور، ومظهر من مظاهر سعيه نحو تعزيز علاقاته مع الغرب وأوكرانيا من دون التخلي عن موقفه الأساس الرافض للعقوبات ضد روسيا، إلى جانب اعتبارها جزءاً من دعايته الانتخابية قبيل انتخابات الخريف المقبل. فضلاً عن أنها تأتي في وقت يشهد تصعيداً عسكرياً روسياً على أوكرانيا، وتهدف لكسب دعم دولي وإبعاد الصرب عن النفوذ الروسي.

رسالة إلى موسكو؟

هناك من يقول إن زيارة الرئيس الأوكراني إلى صربيا رسالة مباشرة إلى موسكو، إلى جانب كونها محاولة من جانب أوكرانيا لتأمين أكبر قدر من الدعم العسكري والاقتصادي والإنساني في توقيت يشهد تراجعاً كبيراً لما كانت الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي تقدمه من دعم عسكري إلى أوكرانيا. وعلى رغم أن ما كشفت عنه هذه الزيارة من مثل هذا الدعم لم يكن بالقدر الذي تحتاج إليه أوكرانيا، فقد كانت رمزيته واضحة بالقدر الكافي، لما تعنيه مكانة صربيا ووضعيتها كحليف تقليدي لروسيا. إلى جانب ما يرومه الجانب الأوكراني من مساعدات إنسانية ولا سيما في مجالات الطاقة والصحة والأمن الغذائي مع اقتراب فصل الشتاء. من هنا كان الاتفاق الوحيد الذي أسفرت عنه هذه الزيارة هو مذكرة التفاهم حول التعاون التجاري والاقتصادي بكل أطيافه، إذ نص على التزام الجانبين بالعمل لإنجاز اتفاق تجارة حرة، إلى جانب التعاون في البنية التحتية والطاقة والغذاء وإعادة إعمار أوكرانيا.

 

وقد بدا حرص الرئيس الصربي واضحاً في مراعاة ما قام به "الشارع الصربي" من تظاهرات احتجاجاً على زيارة الرئيس الأوكراني، ورفع صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فضلاً عن الشعارات التي تدين زيلينسكي، والهتافات التي طالبت برحيله بمفردات خارجة يعاقب عليها القانون. وتقول المصادر الصربية إن فوتشيتش ابتعد بالمفاوضات من أية محاولات من الجانب الأوكراني تستهدف مناقشة التعاون الأمني والعسكري، معرباً عن موقف شديد التحفظ حول الالتزام بأية مساعدات أمنية أو عسكرية طالبت بها كييف، على رغم أن صربيا تظل من الدول القليلة في شرق أوروبا التي تنتج الذخيرة "السوفياتية" التي يندر وجودها اليوم لدي بقية هذه الدول.

ويقول عدد من مراسلي الصحف الروسية في بلغراد، إن خبراء الشؤون السياسية هناك يبدون على قناعة من أنه على رغم تأكيدات بلغراد عدم تغيير سياستها الخارجية فإن رد فعل موسكو "سيأتي حتماً"، في إشارة غير مباشرة إلى مواقف موسكو السلبية من زيارة الرئيس الأوكراني لصربيا.

وفي هذا الصدد، فقد بدا حرص الرئيس الصربي في المؤتمر الصحافي الختامي الذي عقده مع ضيفه الأوكراني على تأكيد عدم مناقشة التعاون العسكري، وإن أضاف تحذيره حول أن "ما سيحدث بعد انتهاء الحرب أمر آخر". ومع ذلك فقد أعلن ألكسندر فوتشيتش عن افتتاح مصنع لإنتاج الطائرات المسيرة في صربيا في سبتمبر (أيلول) المقبل، "لكن بمشاركة إسرائيليين، على رغم أن الأوكرانيين يحققون نجاحاً كبيراً في هذا المجال، ولديهم عدد لا بأس به من مصانع الطائرات المسيرة الخاصة بهم". ووفقاً للرئيس الصربي، ستقدم بلغراد لكييف "مساعدات كبيرة على صورة أدوية ومعدات يحتاج إليها قطاع الطاقة خلال الشتاء المقبل".

3 مراكز قوة

كان غريباً أن يستقبل ألكسندر فوتشيتش "ضيفه" الأوكراني بالأحضان وبكل مظاهر الاحتفاء في بلغراد. ولا يمكن أن ننسى في هذا الشأن أن فوتشيتش كان الزعيم الوحيد في "قمة جنوب شرقي أوروبا– أوكرانيا" الذي لم يوقع البيان المشترك بما تضمنه من دعم أمني مستمر لأوكرانيا، وما أشار إليه من زيادة الضغط على روسيا. كما أن فوتشيتش أوضح بعد زيارة زيلينسكي إلى بلغراد أن صربيا لم تغير معسكرها، ولم تنضم إلى زيلينسكي ضد روسيا، وأن موقفها من العقوبات على موسكو لم يتغير أيضاً. 

ويبدو موقف الرئيس الصربي في هذا الصدد واضحاً، ولا سيما في ما يتعلق بمحاولاته ممارسة سياسة الموازنة بين ثلاثة مراكز قوة، الأولى روسيا بما يربطها بصربيا من علاقات تاريخية وثقافية ودينية وتعاون في الطاقة ودعم روسي لموقف صربيا في شأن كوسوفو. أما المركز الثاني فيتمثل في الاتحاد الأوروبي، وهو الشريك الاقتصادي الأهم لصربيا، الذي تريد بلغراد مواصلة مسيرتها نحو الانضمام إليه. والمركز الثالث والأخير هو أوكرانيا، التي يرى إمكانية التقارب معها من دون الاعتراف بكوسوفو، في وقت يبدو ما يعترف به حول دعم وحدة الأراضي الأوكرانية موقفاً يخدم حجة بلاده في شأن كوسوفو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وثمة من يرى في ذلك "براعة سياسية" من جانب فوتشيتش، يبدو معها الرئيس الصربي وكأنه يستطيع أن يقول لموسكو "لم أنضم إلى العقوبات"، ويقول لبروكسل "أنا على الطريق الأوروبي". ولكييف "نحن نحترم سيادتكم". وذلك كله يبدو صحيحاً من حيث المعنى والمغزى في آن.

على أن ذلك لم يمنع مراقبين آخرين من الإشارة إلى أن أول زيارة رسمية لزيلينسكي إلى صربيا قوبلت على الصعيد الشعبي باحتجاجات غاضبة، إذ لوح الناس بالأعلام الروسية وحملوا صور بوتين، ورددوا الهتافات المعادية احتجاجاً على هذه الزيارة. وقد تباينت ردود الفعل تجاه هذه الزيارة بقدر تباين مواقف ومواقع أصحابها من روسيا وسياساتها تجاه الأزمة الأوكرانية. ومن هنا فإن هناك من يقول إن زيارة زيلينسكي الأولى إلى صربيا "تحولت إلى فشل ذريع وسط احتجاجات حاشدة، وكتب المدون نيت إيز في مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى رغم محاولات الغرب استمالة بلغراد إلى المعسكر المناهض لروسيا، فقد خرج مواطنو بلغراد إلى الشوارع رافعين الأعلام الروسية وصور بوتين، مستذكرين عدوان (الناتو) والصداقة التاريخية مع موسكو".

مع ذلك، فإن هناك من يقول أيضاً إن "الزيارة جرت في أجواء ودية للغاية، إذ استقبل بحفاوة بالغة، وتبادل التحيات، وأعلن عن تعزيز التعاون. وذلك ما يمكن معه إيجاز الموقف من زيارة زيلينسكي إلى بلغراد، والتي خصصت ظاهرياً لتعزيز العلاقات بين البلدين، في التساؤل حول "ما إذا كانت صربيا ستواصل الموازنة بين روسيا والاتحاد الأوروبي".

غير أن الصحف الروسية ومنها "كوميرسانت" و"ار بي كا" و"فيدوموستي" وغيرها من الصحف الجادة توقفت عند الجانب الآخر من الاستقبال الذي حرصت الجماهير على إعداده قريباً من مقر المحادثات الصربية الأوكرانية. وهو ما حرصت هذه الصحف على إبرازه فيما كتبته حول الحشود التي أقامت خيامها قرب نصب نيكولاس الثاني التذكاري في وسط المدينة تعبيراً عن احتجاجها ورفضها، رافعين أعلام صربيا وروسيا وصور بوتين. إذ ينظر المتظاهرون إلى زيلينسكي كرمز للحرب، ويخشون أن تلحق زيارته ضرراً بالعلاقات الروسية الصربية.

"رسالة الـ100"

ومن اللافت في هذا الصدد أيضاً وحتى قبل وصول "زعيم نظام كييف"، وقع 100 أستاذ جامعي، وعسكري متقاعد، وضابط شرطة، وإعلامي، ومواطن صربي عادي، رسالة يعارضون فيها دعوته لزيارة البلاد. وأعرب هؤلاء عما يعتمل في صدورهم من سخط وغضب الشعب الصربي من مظلمة تاريخية يصعب محوها. "فقد ألحق قصف (الناتو) ليوغوسلافيا عام 1999 أضراراً جسيمة ببلغراد، وأسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، إذ إن أوكرانيا تعد بالنسبة إلى عدد من الصرب حليفاً للغرب، لذا ينظر إلى زيارة زيلينسكي على أنها هجوم من القوات الغربية على البلاد. ولم ينس الجيل الأكبر سناً من الصرب الأسلحة التي استخدمت ضد المدنيين والجنود. وبالنظر إلى موقف كييف من كوسوفو ودعم روسيا لسيادة صربيا داخل الأمم المتحدة، فمن غير المرجح أن تتغير مواقف الصرب تجاه أوكرانيا والغرب نتيجة لمصافحة زيلينسكي- فوتشيتش".

 

وأشارت الرسالة إلى أن "ذلك كله هو ما يدركه فوتشيتش، لكنه لم يلغ زيارته". وأضافت أن صربيا تطمح إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكنها لم تنضم إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. إلى جانب ما ذكرته حول أن المشاعر المؤيدة لروسيا تنتشر بقوة في البلاد، ويعتمد إمدادها بالطاقة بصورة كبيرة على الغاز والنفط الروسيين. وقد يؤدي قطع العلاقات مع موسكو فجأة إلى ارتفاع حاد في الأسعار في صربيا".

لذا، تبدو مناورة فوتشيتش على جبهتين محاولة يائسة للحفاظ على الاستقرار. ولا تزال صربيا تطمح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها غير مستعدة للانضمام إلى العقوبات المفروضة على روسيا. لهذا السبب، تم تجاهل قضايا حساسة كالتعاون العسكري خلال زيارة زيلينسكي. وتعد صربيا دولة أوروبية تمثل موطئ قدم روسي مهم في جنوب شرقي أوروبا. ومن خلال تعزيز التعاون الدبلوماسي مع بلغراد، تسعى كييف إلى تقريبها من المعسكر الأوروبي. علاوة على ذلك، يولي زيلينسكي أهمية كبيرة لتعزيز الدعم الدبلوماسي لأوكرانيا. ولا يمكن لزيارة واحدة أن تنهي العلاقات الروسية - الصربية، لكن أية مصافحة بين قادة دولتين صغيرتين قد تشكل نقطة انطلاق لزيادة الضغط على موسكو.

وكشف مراقبون صربيون عن أن زيارة الرئيس الأوكراني هي "جزء من حملة حزب ألكسندر فوتشيتش الانتخابية" الذي يأمل في استخدام الورقة الأوكرانية لتأمين الدعم الغربي في الانتخابات المبكرة المقرر إجراؤها في الخريف المقبل، ونقل مراسل صحيفة "كوميرسانت" الروسية عن رئيس مركز السياسة العملية في بلغراد دراغان بوبوفيتش، ما قاله حول أن "هذه الزيارة تعد مهمة لفوتشيتش لثلاثة أسباب في الأقل، أولها الفائدة الاقتصادية من تصدير الأسلحة بكميات كبيرة إلى أوكرانيا، وثانيها كسب الدعم الغربي، أما ثالثها فهو داخلي، إذ يضمن فوتشيتش الدعم حتى بين الناخبين الموالين لروسيا، مما يرسخ صورة سياسي مؤثر ينتهج نهجاً متوازناً في علاقاته مع القوى العظمى".

وعلى رغم كل محاولات الرئيس فوتشيتش إنكار مناقشة مسائل التعاون العسكري مع الجانب الأوكراني، نقلت صحيفة "كوميرسانت" عن السفير الصربي السابق وعالم السياسة الحالي سريتشكو ديوكيتش، ما قاله حول أن "الأسلحة موضوع لا مفر منه على طاولة المفاوضات بين قادة صربيا وأوكرانيا، وأن بإمكان صربيا شراء ترخيص لإنتاج طائرات مسيرة أو طائرات مسيرة أوكرانية جاهزة، لكن من غير المرجح أن توافق كييف على الإنتاج المشترك نظراً إلى وجود روسيا في صربيا واحتمال تسريب التكنولوجيا". وأضاف ديوكيتش أن رد فعل موسكو على زيارة زيلينسكي "سيتبع بالتأكيد. كما أنه وبالنظر إلى قاعدته الانتخابية التي تميل في معظمها إلى روسيا، يتحدث فوتشيتش بحذر شديد حتى لا يسيء إلى موسكو. لكن هذا توازن دقيق للغاية وسياسة محفوفة بالمخاطر". 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير