ملخص
تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، إذ تراجعت لأقل من النصف منذ السبعينيات، وتسجّل تونس أدنى معدل بـ1.58 طفل لكل امرأة، يليها المغرب بـ1.97 والجزائر بـ2.61، ويعزو خبراء هذا التحول إلى مزيج من العوامل، تشمل الضغوط الاقتصادية وتأخر سن الزواج وازدياد الطموحات المهنية لدى النساء، مما ينذر بشيخوخة السكان وضغوط على أنظمة التقاعد.
تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، إذ يفضل كُثر الحفاظ على "راحة البال".
وتسير البلدان الثلاثة "تقريباً على المنحى نفسه" في اتجاه تحوّل ديموغرافي عميق، كما يؤكد الباحث التونسي في الديموغرافيا علي بن زينة، فيما يُتوقع أن يستمر هذا الانخفاض، الذي حصل بسرعة كبيرة، "على المدى الطويل"، وفق ما أوضحته دراسة لـ "المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية" أواخر مايو (أيار) الماضي، ليذكّر بتحول مماثل حصل في كثير من مناطق العالم.
ويُعزى هذا التطور، بحسب خبراء تحدثت إليهم وكالة الصحافة الفرنسية، إلى مزيج من العوامل، تشمل زيادة مدة الدراسة وتأخر سن الزواج وارتفاع نسب الطلاق وازدياد الطموحات المهنية لدى النساء وتأجيل مشاريع الإنجاب، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية.
ومن الذين أعرضوا عن الإنجاب التونسية نادية الجوادي (42 سنة) التي تقول إنها غير نادمة على هذا القرار الذي اتخذته مع زوجها قبل 10 أعوام، وتضيف هذه الموظفة في إدارة حكومية، "لا شيء يشجع على إنجاب ولو طفل واحد".
تحولات اجتماعية
تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينيات، واليوم تسجّل تونس أدنى مستوى بين البلدان الثلاثة بـ1.58 طفل لكل امرأة عام 2023، ومن المتوقع أن تبلغ النسبة 1.53 عام 2024، أما في المغرب فبلغ معدل الخصوبة 1.97، وفي الجزائر 2.61.
ويرى الباحث التونسي المتخصص في الديموغرافيا، حسن كسار، أن هذه الأرقام في بلده تشير إلى تحولات اجتماعية عميقة، ولا سيما الحداثة ونمط الحياة المديني.
وفي الجزائر يقول سعيد (66 سنة)، وهو موظف سابق في مجال المالية، "قررت ألا أتجاوز طفلين، فالمهم أن يشبعا ويرتديا ملابس لائقة وأن يعيشا في ظروف جيدة"، أما هو فقد نشأ في عائلة من 10 أطفال، و"كان والداي يجدان صعوبة في تلبية حاجات الأسرة".
وتوضح الباحثة في "المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي" بالرباط، شيماء دريوي، أن انخفاض الخصوبة يمكن فهمه بوصفه "قراراً عقلانياً تتخذه الأسر في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي جديد"، ففي الثقافة الشعبية كان إنجاب الأطفال يُنظر إليه طويلاً على أنه استثمار للمستقبل بهدف دعم الأسرة، بخاصة في الأوساط الفقيرة، لكن هذا المنطق انقلب، فالطفل يكلف اليوم أكثر مما يمكن أن يدره من مردود اقتصادي مباشر"، ومع ذلك لا تفسر الصعوبات الاقتصادية كل شيء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثقل المسؤولية
وفي مجتمعات آخذة في التحول، تبرز أيضاً فكرة التهيب من الثقل المعنوي والمسؤولية، وتقول زينة، وهي جزائرية تبلغ 42 سنة، إنها أنجبت ابنتها وهي في الـ38 ولن تنجب بعدها، "فبعد الولادة أدركت إلى أي حد تُعد الأمومة تحدياً صحياً نفسياً وجسدياً".
وفي الرباط، حسمت كوثر (38 سنة) وتعمل في القطاع العام، قرارها بعدم الإنجاب، وتقول "اخترت أن أعيش حياة هادئة، بعيداً من القلق والتوتر الملازمين لتربية طفل"، وبحسب دريوي، فقد أدى توسع التعليم واستقلال النساء إلى تغير عميق في نموذج الأسرة.
شيخوخة السكان
وعملياً يؤدي تراجع معدلات الخصوبة في البلدان الثلاثة إلى شيخوخة السكان، ففي تونس بات كبار السن يمثلون 17 في المئة من السكان، أي نحو مليونَي نسمة، في مقابل 253 ألفاً فقط عام 1966، وهذه الظاهرة أقل حدة في الجزائر والمغرب، حيث شكل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة 10.5 في المئة في الجزائر عام 2023 و13.8 في المئة في المغرب عام 2024.
لكن هذا المنحى يُرتقب أن يتزايد في الأعوام المقبلة، وفق "المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية"، وهو ما من شأنه إضعاف التوازن الديموغرافي، وزيادة الضغوط على أنظمة التقاعد.
وعلى المدى البعيد، إن أصبح عدد الوفيات يتجاوز عدد الولادات، فلن يكون هناك ما يدعم النمو الديموغرافي سوى الهجرة، وفق المصدر نفسه، علماً أن الهجرة تثير توترات في بلدان مغاربية عدة، لكن تراجع السكان الناشطين سيطرح تدريجياً الحاجة إلى يد عاملة أجنبية، إذ تلوح في الأفق فرضية "الحاجة إلى مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء"، وفق كسار.