ملخص
تراجع السيولة يضغط على الأسواق السورية مع قيود السحب وتعثر "شام كاش"، وسط ضعف الثقة بالمصارف وتباطؤ دوران الليرة وتزايد أخطار التضخم وسعر الصرف.
يستمر السوريون بتبديل أموالهم من العملة القديمة إلكترونياً وعبر مراكز البريد في عموم البلاد، بعدما حصلوا على فرصة من "المركزي" السوري لمدة شهر لاستبدال ما لديهم بصورة تجنبهم السفر إلى دمشق لتبديلها في مبنى مصرف سوريا المركزي، ولكن منذ أكثر من أسبوع بدا واضحاً أن بوادر نقص سيولة تشهدها سوريا.
ويبدو واضحاً أن المشهد النقدي في سوريا يمر بحال من الارتباك، مع اتساع نطاق شكاوى الناس من امتناع معظم شركات الصرافة عن صرف الأرصدة النقدية المحتفظ بها عبر تطبيق الدفع الإلكتروني "شام كاش".
فالناس يملكون الأموال على شاشات هواتفهم، لكنهم غير قادرين على الحصول عليها نقداً، وإن حصلوا عليها فبصعوبة ومقابل عمولات مرتفعة وضمن قيود على قيمة المبالغ التي يمكن سحبها.
قد تكون عملية تبديل العملة في سوريا نجحت جزئياً في امتصاص جزء من النقد القديم، لكنها لم تحقق هدفها الأساس، وهو إعادة السيولة إلى المصارف.
ومعظم الأموال استمرت بالدوران خارج الجهاز المصرفي، سواء في السوق أو عبر التطبيقات المالية التي يواجه مستخدموها مشكلة حقيقية في تسييل أرصدتهم، في ظل امتناع غالب شركات الصرافة عن تلبية طلبات مستخدمي تطبيق "شام كاش"، وهو أبرز تطبيق في سوريا، بدأ العمل به بعد سقوط النظام البائد، ويستخدمه كثير من السوريين لإجراء تحويلاتهم وسحب رواتبهم وأموالهم مقابل عمولات محددة.
اللافت أن شركات الصرافة لم تتوقف عن عمليات تصريف العملة الأجنبية، إذ "تشير التقديرات إلى أن سوريا تتلقى يومياً 11 مليون دولار حوالات"، وفقاً لتصريحات نشرت أخيراً، إلا أنها تضيق نطاق تسييل أموال الناس على تطبيق "شام كاش"، متحججة بأن "المركزي" السوري لا يزودها بالأموال اللازمة لتغطية الأرصدة.
في المقابل، تبدي المصارف العاملة في البلاد مزيداً من التشدد في فرض قيود على السحوبات، إلى درجة أن إحدى الجمعيات الخيرية عجزت عن سحب قيمة الإعانات التي توزعها وتقدمها للناس الفقراء وذوي الحاجات الخاصة؟
قلة الكاش أوقفت صرف حسابات "شام كاش"
تشير المعلومات إلى أن عمليات السحب النقدي الخاصة بشركات الصرافة من المصرف المركزي توقفت نهاية الأسبوع الماضي، باستثناء كميات محدودة جداً، مما أدى إلى تراكم في الحسابات والطلبات لدى معظم المكاتب والشركات، مما دفعها إلى إيقاف الخدمة وتجميد الصرف لعدم توافر الكاش، في انتظار انتهاء هذا الإجراء الذي يفترض أنه موقت.
"اندبندنت عربية" تحدثت إلى متخصصين ومحللين للوصول إلى حلول للأزمة، إذ أكد موظف في إحدى شركات الصرافة بدمشق، أنه منذ أكثر من أسبوع لم تنفذ عملية تسييل الأرصدة من تطبيق "شام كاش"، لأن "المركزي" توقف عن تزويد شركات الصرافة بالأموال للقيام بالعمليات المتعلقة بالتطبيق إلا ضمن نطاق مبالغ محدودة، مؤكداً أن "الأمر يبدو موقتاً كما علمنا، ولكن من دون أن يحدد موعداً لانتهائه لعدم وجود معلومات لديه".
خارج مكاتب وشركات الصرافة، يلجأ الناس إلى السماسرة وأصحاب المحال التجارية الذين يتقاضون عمولات مرتفعة جداً مقابل موافقتهم على سحب الأموال من تطبيق "شام كاش"، بحسب أحد المواطنين وصلت العمولات إلى خمسة في المئة وأحياناً أكثر، مستغلين حاجة الناس إلى الكاش.
وحتى حين يستخدم الناس أموالهم في التطبيق لتسديد ثمن مشترياتهم، فإنه يجري إخضاعها لعمولات غير قانونية، فتقول رجاء إنها اشترت أغراضاً بقيمة 800 ألف ليرة قديمة (80 ألف ليرة جديدة) دفعت عمولة 30 ألف ليرة قديمة عليها (300 ليرة جديدة)، طبعاً ما زال السوريون، وعلى رغم تعاملهم الكامل بالعملة الجديدة، يحسبونها على العملة القديمة، أي من دون حذف الأصفار منها.
حمزة (موظف في مؤسسة حكومية) قال إنه منذ أكثر من أسبوع نجد صعوبة في سحب أموالنا من المصارف وحتى من حساب "شام كاش"، وغالب شركات الصرافة ترفض طلبات المواطنين ممن يرغبون السحب عبر "شام كاش"، مشيراً إلى أن هناك شركات ومكاتب قليلة قد تستطيع السحب من خلالها، ولكن حكماً بمبالغ محددة.
وأضاف أن هناك مئات الآلاف من الموظفين يتلقون رواتبهم عبر تطبيق "شام كاش"، وهذا يعني أن هناك مشكلة كبيرة لدى هؤلاء في حال حصل أي خلل في التطبيق، فكيف إذا ذهبوا إلى شركات الصرافة وامتنعت عن إعطائهم رواتبهم المحولة عبر التطبيق.
تجار: شح السيولة واضح ولا حل إلا بالدفع الإلكتروني
من جانبه، قال عضو في غرفة تجارة دمشق فضل عدم ذكر اسمه، إن "هناك شحاً واضحاً بالسيولة ليس عبر التطبيقات، بل في المصارف التي تتشدد أكثر في عمليات السحب، وتختصرها بمبالغ قليلة جداً بل ومضحكة أحياناً بحسب تعبيره"، موضحاً أن شخصاً لديه على سبيل المثال 20 مليون ليرة جديدة (154 ألف دولار) لا يستطيع سحب أكثر من 5000 ليرة (38 دولاراً) تقريباً من حسابه يومياً، وقد يرتفع المبلغ إلى 10 آلاف ليرة (76 دولاراً) بحسب سياسة كل مصرف وطريقة إدارة السيولة لديه.
التاجر الدمشقي أكد أنه لا حل إلا بالدفع الإلكتروني، ومن دونه لا خلاص، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن سوريا تأخرت كثيراً في تطبيق الدفع الإلكتروني الذي يمكن أن يضع حداً لمشكلة توافر الكاش.
اقتصاد نقدي موازٍ يعمل خارج النظام المصرفي
من وجهة نظر المحلل الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي، فإن هناك أزمة سيولة واضحة في البلاد تتجلى اليوم بصورة أكبر من السابق، والصعوبة المتزايدة في تسييل الأموال عبر تطبيق "شام كاش" ليست مجرد مشكلة تشغيلية، بل تعد مؤشراً إلى أن جزءاً كبيراً من السيولة أصبح محصوراً داخل قناة واحدة لا يستطيع الخروج منها بسهولة، وليس بينه والجهاز المصرفي تبادل، وهذا يعمق شح النقد المتداول في السوق الفعلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف "سيظل الجهاز المصرفي محيداً ما دامت القيود على السحب والإيداع قائمة، وما دامت الثقة بين الجمهور والمصارف ضعيفة، وما دامت القنوات البديلة أكثر مرونة وسرعة، فالمصارف اليوم ليست اللاعب الأرخص ولا الأسرع ولا الأكثر موثوقية، ولذلك تتقدم عليها القنوات الموازية تلقائياً".
المصرفي السوري أوضح أن الخطورة الأساس تكمن في تشكل اقتصاد نقدي موازٍ يعمل خارج النظام المصرفي، مما يؤدي إلى شلل في قدرة المصرف المركزي على إدارة الكتلة النقدية، وتوقف الإقراض والاستثمار والإنتاج، وتآكل الدور المالي الرسمي للدولة، مؤكداً أن انفصال السيولة عن الجهاز المصرفي هو أخطر ما يمكن أن يواجه أي اقتصاد.
أسباب تقف وراء انكماش السيولة
يربط قوشجي انخفاض السيولة المتداولة في السوق بمجموعة أسباب، لعل أهمها وأكثرها عمقاً وتأثيراً ضعف القطاع المصرفي، وفقدان المصارف لدورها كوسيط مالي بسبب القيود على عمليات السحب والإيداع التي تزداد تشدداً بمرور الوقت، وكل هذا خلق حالاً من انعدام الثقة وتوقف الإقراض تقريباً، مما جعل النقد يخرج من المصارف ليستقر في البيوت أو لدى المضاربين، وهذه مشكلة كبيرة وممتدة لأعوام طويلة من دون معالجة حقيقية.
المصرفي السوري لفت إلى أن عملية تبديل العملة نجحت جزئياً في امتصاص جزء من النقد القديم، لكنها لم تحقق هدفها الأساس بإعادة السيولة إلى المصارف، ومعظم الأموال استمرت بالدوران خارج الجهاز المصرفي، سواء في السوق أو عبر التطبيقات المالية.
الكتلة النقدية محتجزة ويُعاد تدويرها ببطء
اقتصاديون أكدوا أن النقص في السيولة داخل الأسواق السورية نسبي، والسبب الرئيس يعود إلى سياسات حبس الكاش ووجود قيود على السحب من المصارف.
وهو ما يؤكده المحلل الاقتصادي والأستاذ الجامعي إيهاب إسماعيل، الذي قال إن هناك مؤشرات قوية على نقص سيولة بالليرة السورية، لكنه نقص نسبي وليس مطلقاً، أي أن الكتلة النقدية موجودة، لكنها محتجزة أو يُعاد تدويرها ببطء.
وأوضح أن الكتلة النقدية من الليرة السورية، بحسب بعض التصريحات الرسمية، تتجاوز 20 تريليون ليرة سورية (نحو 154 مليار دولار)، وهي ليست قليلة وتتجاوز 20 ضعف ما كانت عليه قبل عام 2011، لكن معظم السيولة محتجز ولا يجد طريقه للتداول بصورة سهلة، وسرعة دوران النقود في سوريا انخفضت بصورة كبيرة بسبب انعدام الثقة، وتحول التعاملات إلى الدولار.
اسمندر تحدث عن وجود درجة عالية من الدولرة في الاقتصاد السوري، تؤثر في استخدام الليرة السورية وتتجاوز 70 في المئة، والقسم الأكبر من السلع في السوق، لا سيما الغالية، تسعر بالدولار، وحتى الباعة يطلبون من الزبائن الدفع بالدولار إن توافر، وهو أرخص على الزبون في حال دفع بالدولار بدل السوري.
شركات الصرافة و"شام كاش"
برأي المحلل الاقتصادي السوري فإن شركات الصرافة ترفض تسييل الأموال من "شام كاش" لأسباب عديدة، أبرزها الأرصدة في "شام كاش"، والتي تعد التزامات رقمية على شركة "الموبايل أو المصرف المركزي"، لكن تحويلها إلى كاش يتطلب توافر سيولة ورقية فورية لدى شركة الصرافة، وبما أن السيولة الورقية بالليرة السورية شحيحة لدى الصرافين، فإنهم يرفضون تحويل أرصدة "شام كاش" إلى كاش، وبخاصة للمبالغ الكبيرة.
وهناك سبب آخر، وهو فارق السعر بين السوق الرسمي والموازي، فـ"شام كاش" يعتمد سعر صرف رسمياً أو شبه رسمي لتحويل الدولار إلى ليرة، لكن الصراف يشتري الدولار بسعر السوق الموازية الأعلى، وعندما يحول من "شام كاش" إلى كاش قد يتكبد خسارة، أو يضطر إلى البيع بسعر أقل من كلفته.
وأضاف أن من بين الأسباب مشكلات التسوية بين "شام كاش" والصرافين، إذ تُسوَّى هذه العملية ببطء أو بأسعار غير محدثة، مما يعني أن الصراف قد تُعلق سيولته لساعات أو أيام قبل أن يسترد قيمتها، وفي ظل تضخم يومي هذا يعني خسارة حقيقية، كما أن سقوف السحب اليومية المفروضة من "شام كاش" تؤثر في ذلك، إذ إن التطبيق يفرض سقوفاً يومية وشهرية للسحب النقدي، وعندما يطلب العميل أكثر من ذلك ترفض شركة الصرافة تجاوز السقف، وهناك سبب آخر وهو العمولات غير الكافية، العمولة التي تمنحها شركة "شام كاش" للصراف مقابل التسييل تعد منخفضة مقارنة بأخطار الاحتفاظ بالكاش أو تعطله.