ملخص
تنتشر في الشمال السوري عشرات المواقع والنقاط العسكرية للجيش التركي، برضى وموافقة من الحكومة في دمشق التي تعتبر أنقرة حليفاً إستراتيجياً لها، فيما يرى مراقبون أن البلدين يواجهان تحديات مشتركة تتطلب بقاء هذه القواعد.
خلال الأعوام التي سبقت سقوط نظام الأسد، شكلت الأراضي السورية مرتعاً لمختلف جيوش المنطقة، فيما تمركزت فيها أربع قوى أساس، وهي الولايات المتحدة ضمن قيادة "قوات التحالف الدولي"، وروسيا التي جاءت لمساندة النظام المخلوع، وإيران التي أرسلت عشرات الآلاف من عناصرها أيضاً لمساندة النظام، وتركيا التي تمركزت في الشمال السوري لدعم المعارضة ومنع اجتياح النظام للمناطق الحدودية وحماية الأمن القومي التركي، لكن يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 غيّر مجرى التاريخ السوري، فبعد سقوط نظام الأسد مباشرة اختفت الميليشيات الإيرانية من الأراضي السورية، إذ هرب آلاف منهم فيما توارى الباقون عن الأنظار، متحينين أية فرصة لمغادرة البلاد، وبعد ذلك بشهور بدأ انسحاب القوات الأميركية التدرجي تزامناً مع تعزيز العلاقات بين دمشق وواشنطن، فبعد أن كانت سوريا تُصنف على أنها من الدول المعادية للولايات المتحدة، أضحت من بين حلفائها في الشرق الأوسط، وبالنسبة إلى روسيا فاحتفظت بقاعدتين عسكريتين في الساحل السوري، تزامناً مع تعزيز علاقتها السياسية مع دمشق، فيما زاد النفوذ التركي بصورة أكبر، وهو ما أعلنه الرئيس الأميركي خلال أكثر من مناسبة، ولا سيما حين قال إن الرئيس التركي "أردوغان فاز في سوريا".
القواعد الروسية وحسم المصير
واليوم، وبعد مرور أكثر من عام ونصف العام على سقوط النظام السابق، لم يعد هناك أي وجود عسكري في سوريا لإيران أو للولايات المتحدة، وتوصلت دمشق إلى اتفاق مع موسكو يقضي ببدء عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجاً ضمن منظومة الإدارة المدنية، وفق ما أفادت به "وكالة الأنباء السورية الرسمية" (سانا)، التي نقلت عن وزارة الخارجية السورية أنه "بالنسبة إلى القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فقد اتفق الطرفان السوري والروسي وفق المذكرة على إعادة صياغة وظيفتها، إذ تتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة ضمن ترتيبات جديدة تحفظ المصالح المتبادلة، وحددت مذكرة التفاهم سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ، في خطوة تُعد الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو 18 شهراً، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات السورية - الروسية، ويمثل هذا التفاهم انتقالاً بتلك العلاقات إلى مرحلة جديدة، تقوم على إعادة تنظيم طبيعة الوجود الروسي في سوريا بما يتناسب مع المرحلة، مع استمرار العلاقات بين البلدين على أساس المصالح المتبادلة"، وبهذا الاتفاق يتم رسمياً تنظيم الوجود الروسي في سوريا، بينما يبقى الوجود العسكري التركي ليطرح تساؤلات حول طبيعته ومدى نفوذ أنقرة التي تعد حليفاً إستراتيجياً لدمشق.
سبب الوجود التركي في سوريا
المحلل العسكري نوار شعبان قال إنه "في ما يتعلق بمصير القواعد التركية في سوريا، فينبغي أولاً النظر إلى السياق الذي أُنشئت فيه، فقد أُقيمت في سياق عملية أمنية تهدف إلى مواجهة مهددات الأمن القومي التركي ذلك الوقت، بالتعاون والتنسيق مع غرفة عمليات 'درع الفرات'، ثم توسّع انتشار هذه القواعد وأصبح مرتبطاً باستقرار المنطقة، ومنع أية تهديدات أمنية قد تنطلق منها، سواء على شكل خلايا أو غيرها، إضافة إلى ضبط الحدود من الجانب السوري باتجاه الجانب التركي تزامناً مع عملية التحرير"، مضيفاً أن "السؤال المطروح الآن هل سقط التهديد عن هذه المناطق؟ فالمنطقة لا تزال مفتوحة، والتهديدات الأمنية في سوريا متعددة ومركبة، إذ إن هناك خلايا إرهابية عابرة للحدود، وهناك تيار من 'قوات سوريا الديمقراطية' لا يزال يرفض الاتفاق ويمكن أن يشكل خطراً، وهناك أيضاً تجارة المخدرات، وبالتالي فلا تزال المنطقة تحمل طابعاً أمنياً، ومن ثم فإن الوجود التركي فيها على شكل قواعد عسكرية لا يزال يحمل من منظور أنقرة قدراً من الضرورة، ومفيداً في الحفاظ على استقرار هذه المناطق من سوريا".
هل تسمح البيئة الأمنية بالانسحاب التركي؟
ويتابع شعبان "أرى أن البيئة الأمنية لم تتهيأ بعد للانسحاب، ولكن إذا أصبحت البيئة الأمنية مستقرة، وتبددت الشروط والمخاوف من المنظور التركي، وتعززت القدرات الأمنية السورية، فعندها لن تكون هناك حاجة إلى هذا الوجود العسكري لأنه مكلف، وبالتالي يمكن أن يحدث الانسحاب، أما الآن وعلى رغم التحسن الواضح في معظم حيثيات الوضع الأمني، لكنني لا أرى أن البيئة الأمنية أصبحت بالشكل المثالي الذي يدفع الجانب التركي إلى البدء بسحب هذا الوجود العسكري، ومن الممكن أن يخفف الجانب التركي هذا الوجود خلال المراحل المقبلة، لكن ذلك يبقى مرهوناً بالوصول إلى وضع أمني وبيئة أمنية مستقرة بصورة كاملة تسمح بالانسحاب الكامل للجانب التركي بالانسحاب بعد التنسيق مع الحكومة السورية".
"اتفاق أضنة" وقانونية الوجود التركي
من جانبه يقول الباحث السياسي ياسر العيادة إن "الحكومة السورية حالياً تنظر إلى أنه من الباكر الحديث أو البحث مع الجانب التركي عن إزالة مثل هذه القواعد، لأسباب تتعلق بالمصالح الأمنية للبلدين اللذين يواجهان الآن حالاً من عدم الاستقرار الكامل في سوريا، ويعتبران أنهما مستهدفان من تنظيمات إرهابية لا تزال تتحرك بصورة خفية، ويمكن أن تظهر في أية لحظة عبر عمليات إرهابية على الأرض السورية أو التركية، كما يواجهان العدو نفسه من تنظيمات انفصالية، يشمل مشروعها أراض من سوريا وتركيا ودول أخرى، وعليه يمكن القول إن الطرفين ينظران سوياً إلى ضرورة بقاء مثل هذه القواعد، في الأقل خلال المدى المتوسط، ولا بد من التنويه في هذا المقام إلى أن الوجود التركي الأمني في الأراضي السورية أقره 'اتفاق أضنة' الموقع بين الطرفين عام 1998، أي قبل قيام الثورة السورية عام 2011، وما رافقها من انفلات أمني ووجود قوى عسكرية من مختلف التيارات على الأراضي السورية المجاورة لتركيا، مما فرض عليها إقامة قواعد لحفظ أمنها القومي ومصالحها المستقبلية بعد انهيار نظام الأسد، إذ تعتبر أنقرة الأرض السورية حديقة خلفية لمفتاح الأمن على أراضيها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف العيادة أنه "لا بد أيضاً من ذكر حقيقة أن وجود مثل هذه القواعد مرهون بحال الأمن والاستقرار الإقليمي، وتُعتبر الأخطار الإسرائيلية الشغل الشاغل لكلا البلدين، خصوصاً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو ومن خلال ممارساتها وعدوانها اليومي المتكرر على الجنوب السوري، وتعدي قواتها العسكرية خطوط الفصل بموجب اتفاق عام 1975، تجعل الطرفين متفقين على ضرورة إبقاء هذه القواعد التي تُعتبر ركيزة التوازن الإقليمي، ومما يزيد الأمر تعقيداً بعض التصريحات الإسرائيلية من أطراف محسوبة على معسكر نتنياهو، تقول بأن تركيا هي المستهدف التالي بعد إيران، مما يجعل الجانب التركي يتشبث أكثر بهذه القواعد التي يعتبرها الخطوط الأمامية لنزاعه مع إسرائيل إذا حصل".